الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 75

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 75

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 75، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمات الهجرة وتحدياتها

بعد بيعة العقبة الثانية، أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى المدينة، وكانت هذه الهجرة محفوفة بالمخاطر. تعرض المسلمون الأوائل لمعاناة كبيرة أثناء هجرتهم بسبب اضطهاد كفار مكة.

قصص من معاناة المهاجرين الأوائل

تروي بعض القصص معاناة المهاجرين الأوائل مثل أبي سلمة وأم سلمة وعثمان بن طلحة وصهيب بن سنان، وكيف واجهوا التحديات بشجاعة وإصرار. كانت هذه القصص دليلاً على قوة إيمانهم وتمسكهم بدينهم.

خديعة عياش بن أبي ربيعة وعودته إلى مكة

يروي هذا الفصل قصة عياش بن أبي ربيعة الذي خدع من قبل أخويه أبي جهل والحارث بن هشام وعاد إلى مكة حيث أسر. يحكي المقطع تفاصيل هذه القصة وكيف حاول عمر بن الخطاب تحذيره.

ختام الحديث عن مقدمات هجرة النبي

هذا الفصل ينهي الحديث عن مقدمات هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ويتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. كانت هذه الخاتمة تأكيداً على أهمية ما سبق من أحداث.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الحديث عن بيعة العقبة الثانية، من حيث الزمن والمكان والوقت والعدد الذي أبرم فيه نبينا صلى الله عليه وسلم البيعة مع أهل يثرب. وبعد إتمام بيعة العقبة الثانية، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة، وهو الخروج من مكة، لكن إلى أين؟ أوحى ربنا جل وعلا إلى نبينا عليه الصلاة والسلام المكان الذي سيهاجر إليه، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل»، قال: «فذهب وهلي إلى اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب». فهذا من وحي الله جل في علاه أن الله عز وجل أوحى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يهاجر إلى يثرب. وخاصة أن المدينة بعد بيعة العقبة الأولى والثانية أصبحت محلا مناسبا لهجرة المسلمين، إذ أن هناك قاعدة واسعة من أهل الإسلام، زد على ذلك ما كان من طلبهم بأنفسهم، أنهم طلبوا من نبينا أن يقدم عليهم، وأنهم سيناصرونه بأنفسهم وأموالهم وبحياتهم في سبيل الدين والدفاع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولهذا كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمر أصحابه بالهجرة. والهجرة، إخواني في الله، من مكة إلى المدينة ليس بالأمر السهل، بل تعتبر في تلكم الأوقات وفي تلكم الأزمان من الأمور الصعبة والصعبة جدا، كون أن الرجل -وانتبه لكلامي- لا أتحدث عن خروج الرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما خروج أصحابه ممن أسلم وآمن، أن يخرج من هنا ويرتحل إلى هنالك. وهذا الخروج -بين قوسين هجرة- بمعنى أبدية، لن يعود، فيأخذ ما يستطيع من مال، من متاع، من أهل، وأنفس، وأولاد، وذراري، ومن تحت أيدي، ومن تحت يده، يأخذهم معا. لربما يذهب إلى منطقة لا يعرفها أحد، ليس له فيها مأوى ولا سكن، ولا مطعم، ولا مشرب، ولا ملبس، يذهب إلى أرض غربة. ناهيك عما سيصادفه في رحلته، التي لربما تبتعد الأيام والأسابيع والأشهر من هنا إلى هنا، في صحراء قاحلة، لا أنيس فيها ولا جليس. ولربما من يذهب يذهب بأهل وأسرته، وما عنده أحد يدل على الطريق، فلربما تاه وضاع. فكيف إذا انضاف إلى هذا وذاك أن تكون، يا عبد الله، عرضة لصيد الكفار، يتصيدوك وأنت في الصحراء، تذهب بنفسك تتسلل، فإذا بركب من الكفار يلحق بك. وتخيل إذا ظفروا بك وأنت متلبس بهذه التهمة، أن علموا بإسلامك وأنك تنوي أن تغادر، فحينها فالويل لك. فتخيل، يا عبد الله، عظم هذه الصعوبات التي تكتنف أهل الهجرة. وإنني في هذا المقام، إخواني في الله، حتى أبين مثلا بالأمثلة لوقائع لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم ممن هاجر، وانظر ما الذي لاقى في سبيل هجرته، لكي يصل إلى مدينة رسول الله، وما قصده وما أراد بهجرته إلا الله والدار الآخرة، وهذه نية الجميع. فمن تلك الحوادث، إخواني في الله، ما وقع للصحابي الجليل أبي سلمة رضي الله تعالى عنه، فقد خرج من مكة، وقد ذكر المؤرخون أنه أول من هاجر من مكة إلى المدينة. وهذا الحديث ذكره ابن هشام رحمه الله تعالى من طريق ابن إسحاق، عن أبيه، عن سلمة بن عبد الله، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن جدته، وهي أم سلمة رضي الله تعالى عنها، ويتحكى ما حصل لها من المعاناة في سبيل وصولها إلى المدينة. وانظر ما الذي وقع لها ولأفراد أسرتها. فذكرت أنها لما عزم أبو سلمة رضي الله تعالى عنه على الرحيل، فذكرت أنها ركبت البعير، وكان سلمة ابنها في حجرها، وكان صغيرا في حجرها، وكان أبو سلمة يقود البعير. فرآه رجال من بني المغيرة بن مخزوم، وهم من أهل الزوجة، من أم أتباعه، وقبيلة وعشيرة أم سلمة من بني مخزوم، فقالوا له: «هذه نفسك لأبي سلمة، هذه نفسك قد غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذا على ما نتركك تسير بها في البلاد؟». فنزعوا خطام البعير من يده. قال: «فأخذوه»، أي أخذوا البعير من يد أبي سلمة، بحجة أن هذه المرأة هي من عشرتنا، وليس لك الحق أن تأخذها يمنى ويسرى وإلى المدينة. فأخذوا البعير، ومعهم أخذوا أم سلمة رضي الله تعالى عنها. فحينها رفض بنو عبد الأسد -وبنو عبد الأسد هم قوم أبي سلمة- لما رأوا أن هؤلاء أخذوا الزوجة، كذلك أخذتهم النعرة، فقالوا: «لا والله لا نترك ابننا عندها، وهو سلمة الصغير». قال: «فنزعوه». قال: «إذ انتزعتموها من صاحبنا»، أي أنتم أخذتم الزوجة بحجة أنها منكم، إذا نحن سنأخذ الولد، فهو منا من بني عبد الأسد. قال: «إذ نزعتموها من صاحبنا». قالت أم سلمة: «فتجاذبوا ابني سلمة»، أي بنو مخزوم وبنو عبد الأسد يتجاذبون هذا الطفل. قال: «حتى خلعوا يده». قال: «فانطلق به بنو عبد الأسد»، أخذوه بحجة أنه من نسلهم ومن أجدادهم من صلبهم. قال: «فانطلق أبو سلمة إلى المدينة». فانظر، يا عبد الله، كيف حال الأسرة؟ أبو سلمة واصل المسير إلى المدينة، وبنو عبد الأسد أخذوا الابن، وبنو مخزوم أخذوا الزوجة، ففرقوا شمل الأسرة عندما نووا الهجرة. قالت: «وتفرق شملهم». فكانت أم سلمة تخرج كل غداة في الأبطح، فتجلس باكية، حتى مر أحد من بني المغيرة، وهو ابن عمها، فرثى لها، فقال: «ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها». فقالوا لها: «إلحقي بزوجك إن شئت». فقام بنو عبد الأسد باسترجاع ابنها. قالت: «فارتحلت»، أي فذهبت أم سلمة بعدما أخذت ابنها، ذهبت بنفسها، أبو سلمة قد ذهب وسبقها إلى المدينة. قالت: «فارتحلت بعيري، فوضعت سلمة في حجري، ثم انطلقت به، وليس معنا أحد إلا الله». حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة، فقال لها: «إلى أين؟». فقالت: «إلى زوجي في المدينة». فقال: «أو معك أحد؟». قالت: «لا والله». فقام وأخذ بخطام بعيرها، فما نزل منزلا حتى استأخر عنها. وهذا من فضل معه، كأنه كان كافرا، لكن من كمال أدبه، حتى تأخذ المرأة ماذا؟ حرية في الخروج والنزول من البعير. فكان ينيخ البعير، ثم يذهب بعيدا حتى تنزل وتستريح، وذلك لقطع مفاوز الطريق. قال: «ثم يبتعد عنها». وهكذا في المغادرة إذا أراد أن ينصرف، قال: «فينزل لها البعير، فيبتعد حتى تصعد، ثم يأتي، ويمشي». قال: «فلم يزل كذلك حتى أوصلها إلى المدينة». فقال لها: «زوجك في هذه القرية؟ فادخليها على بركة الله». أوصلها إلى أبواب المدينة. قالت: «فقالت أم سلمة: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط أكرم من عثمان بن طلحة». ثم أسلم عثمان بن طلحة. وهذا الحديث رواه كما قلنا ابن هشام، من طريق محمد بن إسحاق، ورجاله ثقات كما قال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على الزاد. فهذا الذي سمعتموه، إخواني في الله، شيء من معاناة أهل هذا البيت الذي تناثر شملهم في سبيل الوصول إلى مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأيضا مما يذكر من هذه النماذج، إخواني في الله، ما وقع لصهيب بن سنان رضي الله تعالى عنه. وهذا الذي نزل في حق قول ربنا عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. فعن عكرمة قال: «لما خرج صهيب مهاجرا -أي إلى المدينة- تبعه أهل مكة». وكما قلنا: انظر إلى المآسي، يكفي أن الواحد سيذهب إلى بلاد غربة، والله أعلم بما يجده من تعب ونكد في بلاد الغربة، كيف يكون استقباله؟ ولا يدري بمستقبله. أضف إلى ذلك من يلاحقه في هذه السفرة وفي هذه الهجرة، من يلاحقه ويتتبع أثره. فكان هكذا وقع لصهيب رضي الله تعالى عنه أن تبعه أناس من أهل مكة، فقام صهيب ونثر كنانته -والكنانة هي الشيء الذي يوضع فيها السهام- وكان صهيب رضي الله تعالى عنه راميا، فنثر كنانته، فأخرج منها أربعين سهما، جعلها أمامه، نزلها والقوم أمامه، ثم هددهم وأخبرهم، قال: «فوالله لا تصلون إلي حتى أضع لكل رجل منكم سهما»، هذا الأسهم الأربعين في أربعين جسد، سأصيبكم بهذا. ثم قال: «ثم أخير بعد ذلك بالسيف»، أي ما سأتركه، ولا تتركوني. فوصل بهم الحد إلى هذا الأمر، ثم قال رضي الله تعالى عنه: «والله لقد خلفت بمكة قنينتي، فهي لكم»، تريدون أموالا، أموال في مكة. ثم دلهم على أمواله في سبيل أن يتركوه، ثم ذهب أهل مكة هؤلاء الكفار إلى المكان الذي أخبرهم صهيب، فوجدوا ماله هناك، فأخذوا ماله، هذا في سبيل ماذا؟ في سبيل أن يواصل الرحلة إلى مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبا يحيى ربح البيع». وهذا الحديث رواه الحاكم كذلك في مستدركه، وقال: «صحيح على شرط مسلم». وذكره شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى، وقال: «له طرق أخرى أغلبها مراسيل، كما في الإصابة وفي طبقات ابن سعد، وهي بمجموعها تزيد الحديث قوة وتدل على ثبوته». وهذا الكلام ذكره شيخنا في الصحيح المسند من أسباب النزول. وهكذا مما وقع ممن هاجر ولقي العنت، ما وقع لقصة عمر رضي الله تعالى عنه. عمر عندما عزم على الهجرة تواعد مع فلان وفلان في أن يذهب سويا من مكة إلى المدينة، فتواعد مع عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، تواعد الثلاثة على اليوم الفلاني أن ينطلقوا إلى المدينة. فحضر عمر وحضر عياش على الوعد، وأما هشام فقد حبس علم أهله بنيته وعزمه على السفر، فحبسوه ومنعوه من الخروج. قال: «فلما قدم عمر وعياش على الوعد ذهبوا حتى وصلوا إلى المدينة». لكن إلى هذا الحد هل انتهى الأمر؟ لا، لحقهم أبو جهل والحارث بن هشام، تحركوا من مكة إلى داخل المدينة بنية ماذا؟ بإرجاع عياش، هذا عياش لابد أن يرجع إلى مكة. وطبعا لصلة القرابة بين أبي جهل وبين الآخر، لأنه كان عياش لأبي جهل أخوه لأمه، أخ من أمه، وكان ابن عمهما مع الأخوة من أم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينها بمكة، أي موصل إلى المدينة. فكلما عاتب عياش، فكلما قالا له: «إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل بشمس حتى تراك». فرق لها، أي استعطفا بأن أمك نذرت في شوق إليك، وأنك قد كدرت حالها، وأنها نذرت أن لا تمتشط، ووقع لرأسها من القمل ما وقع حتى تراك. وأما في الشمس ستبقى هكذا حتى تراك. فلا زال يستعطفانه حتى رق لأمه، حتى رق لأمه، وهم على الرجوع معهما، من المدينة إلى مكة. فقام عمر رضي الله تعالى عنه وحذره، حذر عياش: «أنك لا تنضي معهما إلى أين؟ إلى مكة، إلى أرض الفتنة والبلاء». فلزال عمر يحذر عياش من الرجوع معهما، قال: «لكن عياش قال -يعني من كلامه- بما أن أمي قد أقسمت، فوالله لأبر قسمها، فما أتركها أرجع». أرجع ماذا؟ أن هذا قسم من أمي لأبر أمي. وكان بارا بأمه، وكان بارا بأمه. ثم كذلك أتى بأمر آخر، وهو أنه قال: «وإن هناك لي مال سآتي به»، أي كذلك رجوعي إبرارا لقسم أمي، كذلك هناك ما سأخذ وسآتي به. فكذلك فقاله عمر رضي الله تعالى عنه: «قال أعطيك شطر مالي، لا تذهب، إن أردت». إن أردت مال، دع مالك لله، وأنا نصف مالي سأعطيك إياه. كل ذلك في سبيل أن يمنعه من الرجوع معهما إلى مكة. قال: «لا أعطينك شطر مالي، ولا تذهب». فأبى إلا الذهاب معهما. فقاله عمر حينها: «إن كنت ولابد ستذهب معهما راجعا معهما إلى مكة». قال: «فخذ ناقتي هذه». وكان عمر عنده ناقة قوية سريعة فتية. قال: «خذ ناقتي هذه، فالزم ظهرها، لا تفارق ظهرها». كن معها راكب عليها، لا تفارقها لحظة في أثناء سفرك. قال: «فالزم ظهرها، فإن رأيت من القوم ريبة، فانجع عليها». أحسست بأي خديعة، ارجع بهذه الناقة، فهي أسرع من أسرع النوق، ولن يدركك، ولن يدركك. قال: «فانجع عليها». فلما خرج خرج الثلاثة: عياش مع الحارث بن هشام، ومع أبي جهل. فلما كانوا ببعض الطريق، قال أبو جهل: «يا أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، بعيري هذا غليظ، أتعبني في السفر، فأفلا تعقبني؟» أي تجعلني رديفا خلفك، فقال عياش: «على حسنية»، قال: «بلى عادي». فلما أناخ البعير واستوى بالأرض، إذ بهما ماذا؟ يغدران به، فأوثقاه بالحبال، وسحباه سحبا إلى مكة. وهناك فتن، وهناك فتن. وما كان استعطاف الأم إلا خديعة. وكما كان في ظن عمر رضي الله تعالى عنه أنما أراد أن يرجعاه إلى مكة لكي يفتتن. وهذا الذي صار. وهذا الحديث كذلك ذكره الحاكم رحمه الله تعالى في مستدركه، وقال: «حديث صحيح على شرط مسلم». وأقره الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه البزار، ورجاله ثقات». وهكذا أشار إليه شيخنا مقبل رحمه الله تعالى بأن له شواهد. فالحاصل، إخواني في الله، القصص في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدا، تحكي لنا أحوال أناس، أفرادا وأعيانا، وأسر وعوائل، خرجوا من مكة، كل ذلك قد تركوا خلفهم الديار والأموال، وتركوا القبيلة والعشيرة، في سبيل الوصول إلى المدينة. فكانوا يتسللون، يتسللون. فما بقي في مكة بعد ذلك إلا رسول الله وأبو بكر وعلي، أو مريض أو ضعيف. هؤلاء الذين بقوا. خلاصة من بقي في مكة. وأما جل وكل أهل الإسلام قد خرجوا. كما ذكرنا عنهم: منهم من نجى بشخصه ونفسه، ومنهم من استنقذ نفسه بأموال بذلها في سبيل أن يترك، في سبيل أن ينجو بنفسه. فما بقي إلا القلة. وهؤلاء الأعيان: رسول الله، وأبو بكر، وعلي، أو رجل مريض طريح الفراش، أو ضعيف من قبل قومه، ما استطاع أن يخرج بنفسه. وبهذا تعلم، يا عبد الله، فضيلة المهاجرين على الأنصار. ولهذا لا تجد في كتاب الله ذكر المهاجرين والأنصار إلا كانت البداية بالمهاجرين. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. البداية بالمهاجرين، لعظيم ما بذل في سبيل الهجرة لله ولرسوله. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق كتمهيد لخروج نبينا صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى المدينة النبوية. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.