المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 30

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 30

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دعوة عيسى ومعجزاته

يتحدث عن قصة عيسى عليه السلام ودعوته ومعجزاته. جاء مصدقا للتوراة ومبشرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد.

حقيقة حادثة الصلب

يتناول تفاصيل حادثة الصلب حسب الروايات المختلفة ويبين بطلانها، ثم يعود إلى الحقيقة كما ذكرها القرآن، وهي أن عيسى لم يقتل ولم يصلب.

رفع عيسى واختلاف الحواريين

يتطرق إلى تفاصيل حول رفع عيسى واختلاف الروايات حول من ألقي عليه الشبه، وانقسام الحواريين بعد رفعه وتأثير ذلك على النصارى.

خاتمة ودعاء

يتضمن الدعاء بالتوفيق للجميع والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويعبر عن الرغبة في نيل رضا الله ومحبته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الحديث ولا زال حول عيسى عليه السلام، وأشرنا إلى ما يتعلق بمولده وما ذكره الله عز وجل في كتابه من أن الله سبحانه وتعالى أوجد عيسى بقوله ﴿كن﴾ ﴿فكان﴾، وكيف ذهبت به مريم إلى مكان قصي، فأجاءها المخاض عند جذع نخلة، وقدرت هذه المسافة بعيدة، حتى وصلت إلى هذا المحل. ثم أنطق الله عيسى، فناداها من تحتها، وصبرها بعدما أجرى الله لها عينا ورزقها بالرطب الجني، ثم رجعت وواجهت قومها بابنها الذي تكلم في المهد، وأتى بحقيقة أمره: ﴿إني عبد الله﴾. ثم خافت مريم على نفسها وعلى ابنها عندما تقصد لها الأعداء، فذهبت، قيل أنها بقيت في أرض الشام، وقيل أنها ذهبت إلى مصر، على خلاف بين المؤرخين. جلست مريم، على القول الصحيح، بعيدا عن قومها إلى أن شاب عيسى عليه السلام وترعرع وكبر. أوحى الله إليه، على القول الصحيح، وهو في سن الثلاثين من عمره. في هذه المرحلة، من صغره إلى هذه المرحلة، الله أعلم بما صار وبما جرى. ما عندنا تفاصيل عن هذه المرحلة. كما أشرنا في قصة موسى، عندما جلس في قصر فرعون مدة، الله أعلم بمجريات الأحداث. يهمنا أن عيسى عليه السلام، عندما أنزل الله عليه الوحي، رجع إلى قومه بهذا الدين، بدين جديد، برسالة، وأيده الله عز وجل بآيات حتى يصدقه قومه بما سيأتي به. فكان من آيات الله لعيسى، إضافة إلى كلامه في المهد، أن الله عز وجل أيده بروح القدس، وهو جبريل عليه السلام. كان جبريل يسير مع عيسى في مدخله ومخرجه، قومه لا يرونه، لكن عيسى يراه. كان ذلك من تأييد الله، وأيضا من آيات الله لعيسى عليه السلام أن الله قال: ﴿ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾. هذه آيات، منها قوله: ﴿ورسولا إلى بني إسرائيل﴾. عيسى إنما أرسل إلى بني إسرائيل فقط، ولهذا جاء فيما يذكرونه عن عيسى عليه السلام أنه قال: «إنما بعثت إلى خرافي بني إسرائيل الضالة»، فبعث إليهم خاصة. فما نسمعه وما عليه النصارى من مساء حملات الصليب أو الحروب الصليبية، وما يسمى بالحملات التبشيرية أو التنصرية، هذا باطل. كيف تنشرون دين عيسى إلى أفريقيا وآسيا، وإنما دعوة عيسى خاصة لبني إسرائيل. يذكر العلماء أن من حكمة الله عز وجل في معجزات أو ما يسمى بآيات الأنبياء، أن ما من نبي إلا ويأتي بآية من جنس ما عليه قومه. موسى عليه السلام، عندما بعث إلى قومه، وكانوا قد اشتهروا بالسحر، جاءت معجزة موسى عليه السلام من جنس سحرهم. ولما أرسل نبينا عليه الصلاة والسلام إلى العرب، الذين كانوا يفتخرون بالفصاحة والبيان، كان معجزة نبينا عليه الصلاة والسلام من جنس قومه، القرآن الذي تحداهم الله جل وعلا أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، وما استطاعوا. وهكذا قول في عيسى، قوم عيسى اشتهروا بالطب والتداوي والعلاج، فجعل الله عز وجل آية عيسى من جنس فعلهم. فكان مما أتى به عيسى عليه السلام أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله. الأكمه هو الذي لا يبصر، قيل هو الذي يولد أعمى، وقيل هو الذي طمست عيناه من أصله. عيسى عليه السلام كان يمسح عليه فيشفى بإذن الله. والأبرص هو مرض جلدي مشهور، عيسى عليه السلام كان يمسح عليه فيذهب الله عز وجل عن هذا المرض ما به من أذى. وانظر إلى الأفعال المذكورة في هذه الآيات: يبرئ، يحيي، يخلق، دال على الاستمرارية، ليست مرة واحدة، بل فعلها مرارا وتكرارا. وكان عيسى عليه السلام ينبئ قومه بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. كان الواحد منهم يريد أن يتهكم به، فيخبره عيسى عما في بيته، وما أكل. إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين. وأيضا مما جاء به عيسى عليه السلام أنه مصدقا لما بين يدي من التوراة، لا يلغي التوراة جملة وتفصيلا، بل يؤيد التوراة. قال عيسى: ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾، هنا في الإنجيل ستجدون فيه التأييد لشريعة موسى ولشريعة التوراة، مع تعديل وهو التخفيف فيما حرم عليكم. لأن شريعة اليهود قامت على الآصار والأغلال في باب المحرمات. فكان عيسى عليه السلام يخفف عنهم بعض ما حرم عليهم. وأما بالجملة، فالتوراة تبقى شريعة فيها الأحكام. النصارى مع طول الأزمان حاولوا أن يعتمدوا على التوراة مرجعا، لأن التوراة فيها أحكام، والإنجيل مواعظ مع بعض التعديلات. فلما رأى النصارى أن اليهود كفروا بالإنجيل، عاملوا اليهود بالمثل، وقالوا: قد كفرنا بالتوراة. لما كفروا بالتوراة، أصبح النصارى بلا أحكام، لأن الإنجيل فقير بالأحكام مقارنة بالتوراة. ولهذا ابتكر النصارى فيما بعد كتابا قانونا سموه الأمانة الكبرى، جعلوا فيه قوانين وقواعد يرجعون إليه. عيسى عليه السلام، مما جاء به، أنه مصدقا لما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم. وأيضا مما جاء به عيسى عليه السلام أنه مبشرا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم. الإنجيل في لغتهم العبرية معناه البشارة، وأعظم بشارة أتى بها الإنجيل أنه بشر بقدوم نبينا عليه الصلاة والسلام. أول من آمن بعيسى عليه السلام هو يحيى عليه السلام، لأن يحيى قد بشر بعيسى. فلما جاءت النبوة، صدق يحيى بعيسى، وكان مصدقا بكلمة من الله. فكان مع عيسى في الدعوة. وجاء في الحديث الصحيح أن يحيى أوحى الله إليه بخمس كلمات أن يعمل بها، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها. فقال عيسى ليحيى: «يا يحيى، إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن، وأن تأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تأمرهم، وإما أن آمرهم». فقال يحيى: «لا، بل أنت آمرهم». فقال عيسى: «إني أخشى إن سبقتني أن يخسف بي». فحينها نادى يحيى بالناس في البيت المقدس، واجتمع الناس حتى امتلأ بهم المسجد. ثم أخذ يحيى يتلو ما أوحى الله إليه من الكلمات الخمس. عيسى عليه السلام استمر يدعو قومه إلى التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر، إلى الزهد وإلى حسن الأخلاق. وأمرهم بالصلاة والصدقة والصيام، وبدأ الحواريون يدعون وينشطون في مضمار الدعوة. هذا أثر على اليهود، وهم الطائفة الكافرة الآن. تميز اليهود بني إسرائيل على قسمين: آمن نصارى، وكفر يهود. فقام بني إسرائيل من اليهود يكيدون لدعوة عيسى عليه السلام، فوجدوا أن أفضل طريقة للكيد من عيسى عليه السلام هو بأن يسلط عليه ولاة الأمر. فذهبوا إلى ولي الأمر، وكان رجل وثني، فأخذوا يوسوسون له بأن هناك رجل اسمه عيسى يجوب في أرضك، يجمع الناس، يؤلب الناس عليك. فصدقهم هذا الأمير، لأن اليهود كانوا عندهم أهل إيمان وأهل صلاح وتقى، فصدقهم. فقام هذا الأمير بإصدار قرار بإلقاء القبض على عيسى عليه السلام. فتم تنفيذ القرار، جاء الحراس، وكان عيسى مختبئا. علم أن اليهود قد وشوا به عند ولاة الأمور، فبدأ عيسى عليه السلام يختبئ إلى أن كشف محله، فحوصر. هنا سأفترق معكم، نبقى مع روايات بني إسرائيل ومع أهل الكتاب. حوصر عيسى عليه السلام من قبل هؤلاء الحراس، ثم استطاعوا أن يباغتوا عيسى ومن كان معه من أتباعه في هذا المكان. فأخذوا عيسى وجرجروه إلى الملك، ولصقت التهم عليه لوحده. فأصدر القرار بقتل عيسى عليه السلام، بعدما عذب وضرب بالأصوات ضربا شديدا. ثم طلب أن يأخذ صليبا كبيرا، يحمله على ظهره ويمشي به، وقد جعلوا على عيسى تاجا مصنوعا من شوك، إهانة لعيسى. فغرزوه في رأسه، والدم يسيل، وأمر بأن يحمل هذا الصليب إلى مكان كان يضرب بالسياط حتى أوصلوه إلى المكان الذي سيقتل فيه عيسى عليه السلام. فوضع الصليب على الأرض، ثم أجلسوا عيسى عليه السلام على هذا الصليب، مددوا يده، وأخذوا مسمارا كبيرا، دق في يده، تثبيتا له على هذا الخشبة، واليد اليسرى على الخشبة الثانية، مسامير كبيرة دقت وهو حي، مع شدة الألم والوجع والدم الذي ينزف منه. وأما الرجلين، جمعتا، ثم جاء بمسمار كبير، دق إلى أن ثبت بالخشبة، ثم رفعت الخشبة وعيسى عليها، وعيسى عليها مصلوبا. والناس قد اجتمعوا، إما من الأنصار ممن يبكي عليه، أو من الشامتين ممن يتضاحك عليه من اليهود. ثم ترك عيسى عليه السلام على هذه الحال أيام وليالي، لأنه كان في بداية أمره على قيد الحياة، إلى أن نزف حتى توفاه الله. كان يتأكدون من كل يوم، كان الحارس على هذا الجثمان يأتي برمح فيغرزه في جنبه، فإذا رآه ما حرك ساكنا، علم أنه فارق الحياة. فأنزلوا الصليب، وفكوا وثاقه، وأعطوه لأصحابه ليتصرفوا فيه. هذه القصة، إخواني في الله، قصة باطلة، لا تصدق منها حرفا. ولهذا ذكرت لكم أنا الآن في مفترق الطريق. هذه الرواية التي سمعتموها هي التي يأتي بها النصارى ويأتي بها اليهود. الحقيقة التي ذكرها ربنا عز وجل بقوله: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾. عيسى ما قتل، ما صلب، وهذا ينبغي أن تكون عقيدة كل مسلم. فإياك يا عبد الله أن تنخدع لأناس لا زالوا يمشون على هذه الروايات، وهي روايات الكفار. ما حقيقة الذي صار لعيسى عليه السلام؟ الآن نرجع إلى ما ذكرت لكم أولا. الأمير أو الملك الجائر طلب دم عيسى، وأباح دمه. نعم، كون الحراس جاءوا وحاصروا المكان، نعم. لكن ما الذي صار في داخل البيت؟ عيسى عليه السلام لما كان في المنزل الذي قد اختبأ فيه، وعنده الأتباع والطلاب والتلاميذ من الحواريين. ألقى الله عز وجل إليه بأن القوم سيأتوك، وأن الله عز وجل سيرفعك. رفعه الله إليه، وهو حي، ما مات، وما قتل. هنا تأتي عندي الروايات الإسلامية. ماذا تقول مصادر؟ تقول أن الله عز وجل رفع عيسى، فتحت كوة من السقف، ارتفع عيسى عليه السلام. ليس عيسى موجودا في البيت أصلا. رفعه الله. هاجم الحراس على المكان، هنا ضجة، يبحثون أين عيسى؟ أين أرفع؟ يبحثون. قائد الحرس الشرس لما دخل مع معمعة الناس، مع معمعة الجنود، سبحان الله أن الله جعل شبه عيسى على هذا القائد. فالتفت الناس، فإذا بهذا عيسى خلفهم. قال: «عيسى، عيسى، عيسى»، وهو من هو؟ القائد. لكن الله ألقى الشبه على هذا العدو، فألقوا القبض عليه، وهو ينادي: «لست بعيسى، لست بصاحبكم». ثم بعد ذلك، نكمل المسلسل الذي أتى به النصارى: جرجروه، ضرب، قتل، صلب على رأس الصليب. نعم، هذا هو منكم وفيكم رجل من عداد الكفار. قيل هذا. والرواية الثانية تقول بأن عيسى عليه السلام لما رفعه، شبهه أعطي لشخص من أتباعه، وهذا التابع للأسف عيسى عليه السلام كان يتوجس منه شرا. يذكر أن أحد حواريي عيسى لم يكن على أمان، وهذا عام في الروايات الإسلامية. تذكر هذا واحدا من الأحبار، اسمه يهوذة الخريوطي أو الإسخريوطي. عيسى قد تنبأ أن منكم من سيقتلني، فكان هو هذا الرجل. وكان من خيانته أنه ذهب إلى الملك ودله على مكان عيسى، لأنه كان مختبئا. فكان عيسى يختبئ، فكان هذا الرجل لأنه مأمون سر عيسى، علم فأوشى. وكان مع الحواريين، يعني كأنه ما يفعل شيء مع أنه قد أخبرهم بمحله. ثم دخل واندس مع عيسى على أنه بريء. فلما رفع عيسى عليه السلام، ودخل الحرس على عيسى، الشبه ألقاه الله عز وجل على هذا الرجل، على هذا الرجل. فجاء الحرس وألقوا القبض عليه، على أنه عيسى ابن مريم، فأخذوه، وماذا؟ وعذبوه، وصلبوه. هذه الرواية الثانية. إذن، هذه روايات الإسلام تتفق على أن عيسى رفع، وعلى أن شبه عيسى ألقي على عدو الله، إما قائد الحرس، وإما هذا التابع الذي خانه. رواية ثالثة، وهذه لعلها نراها من أحسنها إسنادا، ثبت ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. مفادها أن عيسى عليه السلام إنما ألقي شبهه ليس لعدوه، لا، وإنما إلى أقرب الناس إليه. جاء في رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن عيسى بن مريم في اليوم الذي حوصر فيه، وأخبره ربه عز وجل بذلك، وأراد أن يرفعه. قال عيسى عليه السلام: «من منكم يلقى عليه شبهي، ويكون له الجنة، أو يكون معي في درجتي؟» شخص يتطوع، يتبرع، يتحمل، لأنه يكون شبهي، بمقابل أن يكون يوم القيامة في درجتي. فقال شاب، وهو من أحدثهم سنة، من أصغرهم: «أنا». قال عيسى عليه السلام: «اجلس». ثم قام في الثانية، وقال: «من منكم يلقى عليه شبهي فيقتل، ويكون معي في الجنة، في درجتي؟» فقام الشاب للمرة الثانية، وقال: «أنا». قال: «اجلس». ثم المرة الثالثة، كرر عيسى عليه السلام الطلب. فقام هذا الشاب، فقال عيسى عليه السلام: «حين أنت، فذاك أنت». فألقي شبه عيسى على هذا الغلام، وعلى هذا الشاب. فارتفع عيسى عليه السلام، فرفعه الله. فلما دخل الحراس، وجدوا هذا الشبه، فأخذوه، وصلبوه. هذا، إخواني في الله، ما يتعلق بموت عيسى عليه السلام. تنازع الناس تنازعا عظيما بعد ذلك في أمر عيسى عليه السلام. تنازع النصارى في أنفسهم. مسألة نبينها، ليس كل الحواريين شهدوا هذا المشهد، مشهد الشبه. كما صرح بهذا بعض الأئمة، كشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وابن كثير. جاء عن ابن وهب في آثار أنه ليس كل الحواريين شهدوا هذا المشهد من الشبه، لا، وإنما حضره البعض. ولهذا يقول بعضهم أن عيسى عليه السلام لما كان في بيته، في منزله، واجتمع مع الحواريين، انصرف من انصرف، وبقيت بقية. ومنهم صاحب الشبه. هنا تم الحصار. يفيدنا هذا أن قضية الشبه لم يعلمها كل الحواريين. ولهذا لما صلب عيسى عليه السلام، الحواريون هم بأنفسهم انقسموا. فطائفة من رأت، علمت أن الله عز وجل نجى عيسى ورفعه، وأنه ما قتل، وما صلب. وطائفة ثانية من الحواريين، لا، لما شاهدوا هذا المشهد، أصبح عندهم شك وريب، ويعتقدون أن عيسى صلب. هل هؤلاء الحواريون الذين ظنوا أن عيسى صلب وقتل، هل هذا يكون طعنا في إيمانهم؟ الجواب: لا. ما يكون فيه طعن، لأن هؤلاء يقولون: عيسى، عيسى، لازل عندنا عبد الله ورسوله، ومصدق بالتوراة، ومؤيد بالإنجيل، ومؤيد بروح القدس، وآتاه الله صاحب الرسالة، وصاحب الكتاب المقدس، هم معك. لكن لهم استشكلوا في موضوع القتل، وموضوع قتل الأنبياء. ليس قدحا. قد مر معنا أن زكريا ماذا قتل؟ وأن يحيى ماذا قتل؟ فكون أن الشخص يعتقد أن عيسى قتل، هذا عند الحواريين، وخاصة الذين ما شاهدوا. لأن هناك مشكلة حصلت مع النصارى في هذه القضية. فالحواريون انقسموا، لأن ليس كل منهم من شاهد هذا المشهد من رفع عيسى، ومن موضوع الشبه. هنا، إخواني في الله، تنتهي قصة عيسى عليه السلام. لكن آثار هذه القصة لا زالت مستمرة. كما يقول: بعد رفع عيسى عليه السلام، تتابعت الأحوال عند النصارى. الحواريون نهضوا، قاموا بدعوة الناس إلى ما دعا إليه عيسى عليه السلام من الدين، والنشر لهذا. اليهود ما تركوهم، اليهود قاموا ضد النصارى، بقتالهم، باضطهادهم، وهكذا الحكومات والملوك قاموا بعمليات إبادة إبادة للنصارى. قصص كثيرة جدا متعلقة بهذا المقام. لهذا قال ربنا عز وجل: ﴿فآمن الطائفة من بني إسرائيل وكفر الطائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾. أصبحوا فيما بعد، كانت الصولة والجولة لليهود، لأن دعوة عيسى ومن كان معه كانت قليلة، قليلة، ليس لها أتباع، وليس لهم مكان ينتشرون فيه. بخلاف اليهود، هم السواد الأعظم من بني إسرائيل. ثم أيد الله عز وجل دعوة النصارى بالازدياد، بالانتشار، حتى كبروا، حتى أصبح هم السواد الأعظم، وأصبح اليهود هم القلة، القلة في هذا المقام. واليهود في هذا المجال، وسيأتي معنا، إخواني في الله، أن بعد ذلكم أصبح اليهود هم الذين خرجوا وهربوا من بلاد الشام، وأين ذهبوا؟ تفرقوا، تفرقوا، ووصلوا إلى الجزيرة العربية، وصلوا إلى عند العرب. كما تسمعون عن يهود خيبر، ويهود بني قريظة، وبني قينقاع. هؤلاء اليهود من الشام. بهذا، إخواني في الله، نصل إلى ختام أنبياء الله ورسله، إلى قصة عيسى عليه السلام. وكما أشرت، عيسى كوجوده في هذه الدنيا انقطع بارتفاعه إلى السماء. لكن حوادث ما بعد عيسى توالت، إلى أن بعث الله عز وجل نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام. ولهذا إذا يسر الله في العام المقبل، بإذن الله، واستكملنا هذه الدورة العلمية، لربما نواصل المسير في ذكر أحوال النصارى بعد موت عيسى، وانقسامهم، وما صار من دينهم، إذ أنه تبعثر وتغير، وأصبح الإنجيل الواحد عدة أناجيل. وهكذا اختلاف النصارى إلى كاثلوثيك، وآرثوتوكس، وبروستانت. حصلت تغيرات عظيمة، ودخل الداخل على دين النصارى بالتغيرات والتحريفات، إلى أن جاء نبينا صلى الله عليه وسلم. فإذا يسر الله عز وجل في الدورة القادمة، نسلط الأضواء على هذه المرحلة، ثم ما كان من بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، وكيف تعامل مع النصارى، وكيف تعامل مع اليهود. نقف إلى هذا الحد، وبهذا نختم هذا المجلس المبارك. والذي هو في الحقيقة تتم وتكمل للدورة الأولى في ذكر قصص الأنبياء وقصص الرسل. كانت العبرة من ذلكم التفسير للقرآن، وبيان أحوال الأنبياء، والترتيب الزمني لهذه الطائفة المباركة من أنبياء الله ورسله. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.