الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 79

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 79

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 79، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تكملة صلاة الحضر بعد الهجرة

بعد هجرة النبي إلى المدينة، أوحى الله بتكملة صلاة الحضر. أصبحت الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات.

بناء مسجد قباء ومسجد المدينة

النبي بنى مسجد قباء أولاً ثم مسجد المدينة الذي أصبح مسجد رسول الله. شارك النبي في البناء وأعان أصحابه.

تفاصيل بناء مسجد النبي

مسجد النبي كان مربعًا، بُني من اللبن والطين، وسقف بجريد النخل. كان له ثلاثة أبواب واستخدمت جذوع النخل كأعمدة.

ختام الحديث والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر احترام وتقدير لهم. يُنهي الكلام بالتأكيد على العلم الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: أكمل في الأولى صلاة الحضر من بعد ما جمع، فاسمع خبر هذا في بيان أهم أعماله التي فعلها نبينا صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من مجيئه إلى طيبة إلى المدينة. فقال: أكمل في الأولى، أي في السنة الأولى، صلاة الحضر من بعد ما جمع، فاسمع خبر، إذ أنه أولاً بدأ بالجمعة، وقد مضى ذلك معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أول ما وصل المدينة جلس في حي بن عمر بن عوف، جلس فيها مدة من الزمن، ثم ارتحل، فمر إلى ديار سالم بن عوف، فدخلت عليه الجمعة، فصل الجمعة عندهم، وكانت أول جمعة صلاها نبينا صلى الله عليه وسلم. ثم قال: أكمل في الأولى صلاة الحضر من بعد ما جمع، أي بعدما شرع صلاة الجمعة جاءت التكملة في صلاة الحضر. ما المقصود بالتكملة في صلاة الحضر؟ الصلاة إخواني في الله أول ما فرضت على رسول الله عليه الصلاة والسلام كانت عبارة عن ركعتين ركعتين، كان هذا حالها، وكانت هذه صلاته وصلاة من معه. لم تعرف هذه الأعداد الأربع والثلاث، إنما كانت تؤدى عبارة عن ركعتين ركعتين، هكذا كانت الصلاة شريعتًا. فلما جاء المدينة صلى الله عليه وسلم أوحى إليه ربه سبحانه وتعالى لتكملة العدد بجعل الظهر والعصر والعشاء أربعًا، والمغرب ثلاثًا، والفجر تبقى ركعتين، هذا في صلاة الحضر. وأما السفر فجعلت على الأصل ركعتين ركعتين. هذا ما قاله الناظم رحمه الله: أكمل في الأولى صلاة الحضر. ومما يدل على هذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: فرضت الصلاة أول ركعتين، ثم هاجر إلى المدينة ففرضت أربعًا. أول ما فرضت الصلاة وهو كان في مكة على هذا العدد تصلى ركعتين، ثم لما وصل المدينة منذ أن وصل جاء وكثر معنا. ما هي الفترة التي فرضت عليه الأربع؟ فجعلت أربعًا. وجاء كذلك في الصحيح قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في صلاة الحضر. في السفر بقيت، فلهذا المسافر يصلي الظهر ركعتين، ويصلي العصر كذلك، ويصلي العشاء كذلك. وأما المغرب فإنها لا تقصر، يدخلها القصر. وأما الفجر كذلك بالإجماع. فإذا هذه من أول ما وقع من أعماله عليه الصلاة والسلام منذ أن وصل المدينة، زيادة في صلاة الحضر، أن جعلت الصلاة الثنائية أربع في الظهر والعصر والعشاء. وأكثر العلماء يرون أن أول فرض بدأ به بأن جعل أربعًا هي صلاة الظهر من يوم الثلاثاء في شهر ربيع الآخر. قد مر معنى أن النبي إنما دخل وصل إلى المدينة في ربيع الأول، أي ما مر عليه شهر حتى جعلت الصلاة الثنائية رباعية. وتكاد كلمة العلماء تتفق على أن هذه المدة، أي بعد شهر دخل في ربيع الأول، ما جاء ربيع الآخر إلا وفرضت عليه الأربع في صلاة الظهر من يوم الثلاثاء. بل إن الإمام الطبري رحمه الله تعالى نقل عن الواقدي الإجماع، وأن هذا لا خلاف فيه، فالله أعلم. وإلا من تتبع إلى كتب السير والتفاسير يكاد أن الكلمة تنطبق على هذه الدعوة، الكل يرى أنه خلال شهر فقط منذ أن وصل المدينة، ما مر شهر حتى أوحى الله إلى نبيه إلى زيادة الصلاة في ماذا؟ في الجماعة، في صلاة الحضر. هذا قول الناظم رحمه الله تعالى: أكمل في الأولى صلاة الحضر من بعد ما جمع، فاسمع خبري. ثم قال رحمه الله تعالى: ثم بنى المسجد في قبائي ومسجد المدينة الغرائي. ثم، أي كذلك مما كان من أعماله عليه الصلاة والسلام منذ أن وصل المدينة في السنة الأولى من وجوده، ما كان من بنائه لمسجد قباء، ثم كان مسجد المدينة هو مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام. أما ما يتعلق بمسجد قباء، قد مر ذلك معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما دخل المدينة دخل من أعلاها إلى ديار بن عمر بن عوف، فجلس فيها بضعة ليال، خلال جلوسه في هذه المدة في هذه الديار بنى صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، وكان هو أول مسجد بني، أول مسجد بناه نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أول مسجد قد صلي فيه، أي صلاة جماعة ظاهرة. هذا من فضائل هذا المسجد المبارك مسجد قباء. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعاون أصحابه في بناء هذا المسجد، حتى أنه كان يحمل الحجارة ويعين أصحابه في بنائه. حتى جاء أن رجلاً كان إذا رأى رسول الله بنفسه وبشخصه يحمل الحجارة، كان يأتي الرجل ويقول: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، دعه أكفيك، دعها الحجارة أنا سأحملها عنك. فكان عليه الصلاة والسلام يقول: لا، خذ حجرًا مثله، لا، خذ حجرًا مثله، تريد أن تعينني في هذا المقام، خذ حجر مثل هذا الحجر، وأنا وإياك نعمل في بناء هذا المسجد. فكان ذلك من أعماله عليه الصلاة والسلام في بناء مسجد قباء. ومسجد قباء، إخواني في الله، من المساجد المباركة، ولها فضائل عديدة. ومن فضائل مسجد قباء ما جاء من حديث سهل بن حنيف قال: قال عليه الصلاة والسلام: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة، كان له كأجر عمره. هذا في حق من توضأ في بيته وأتى المسجد مسجد قباء، وصل فيه أي صلاة، كان له كأجر عمره. وهذا الحديث رواه ابن ماجة في سننه، ويحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ولهذا يشرع لمن قدم المدينة أنه يأتي مسجد قباء ويصلي فيه إن تمكن لعظيم هذا الأجر. فلما دخل نبينا صلى الله عليه وسلم المدينة بنى مسجده. وأما بناء المسجد فقد كان على النحو التالي: مر معنا معنى كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل بناقته إلى المدينة النبوية، وقام الصحابة وقام الناس بفرحهم أنهم كانوا يتنافسون على خطام الناقة، كل يريد أن يأخذ هذه الدابة إلى رحله وإلى عشيرته وقبيلته. فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: دعوها، فإنها مأمورة، أي ما هناك أحد يأخذ بزمامها، فإنها ستبرك في المكان الذي سينزلها لها الرب عز وجل. فبينما الناقة كذلك إذ بها تبرك في مكان، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ما نزل عنها، فما هي إلا برهة من الزمن قامت، نهضت الناقة ثم ذهبت قليلاً، ثم التفتت ورجعت إلى مكانها الأول وبركت. وحينها نزل نبينا صلى الله عليه وسلم من ناقته، فكان هذا المحل الذي بركت فيه الناقة هو محل مسجده عليه الصلاة والسلام. وكان هذا المكان عبارة عن مربد للتمر، مكان لأيتام، ليتيمين كان قد أعد في ارتربيد التمر، فطلبهما نبينا صلى الله عليه وسلم، طلب الأيتام، فساومهما على شراء هذا المكان وهذه الأرض. فقالا: هي لك يا رسول الله، أي ما منك ثمن ولا شيء. فقال عليه الصلاة والسلام: لا، بالثمن، أي اعطوني بسعره وبقيمته. فاشتراه نبينا صلى الله عليه وسلم هذه الأرضية من أهلها، وكانوا من بني النجار. وكانت هذه الأرضية التي اشتراها نبينا صلى الله عليه وسلم واسعة، وكان كذلك في أطرافها وفي أنحائها فيها أشجار، فيها نخيل، فيها قبور للمشركين، فيها كذلك خرب أماكن معطلة وموجودة. فحينها أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن تمهد الأرض، فأمر عليه الصلاة والسلام أولاً بالقبور أن تنبش، تنبش القبور من هذا المحل، ثم تحول إلى مكان آخر. وأمر عليه الصلاة والسلام بالخرب أن تسوى وأن تمهد في الأرض، تكون أرض ممهدة. وأمر بالأشجار من النخيل والشجر أن تقطع، وأن تجعل في القبلة، في قبلة المسجد، عبارة عن هذه الأشجار والنخيل الذي قطعها نبينا من هذا المحل. ثم شرع نبينا صلى الله عليه وسلم في بناء مسجده عليه الصلاة والسلام. وكان الذي جاء كما يذكر العلماء، وخاصة من أهل السير، في وصف مسجده الذي بناه نبينا عليه الصلاة والسلام حينها، كيف بنى هذا المسجد، أي من حيث الصفة المعمارية. كان هذا المسجد، إخواني في الله، أولاً ما تعلق من حيث الطول من جهة القبلة إلى المؤخرة، عبارة عن مئة ذراع. بل يكاد العلماء يقولون أن المسجد في كل جوانبه تكون هذه المسافة مئة ذراع، كذا وكذا وكذا، حتى قال بعضهم: هو مربع، جعله نبينا مربعًا. وجعل الساس عبارة عن ثلاثة أذرع، ساس المسجد جعله عليه الصلاة والسلام ثلاثة أذرع. ثم كان البناء من اللبن والطين، من اللبن والطين. وجعل سقفه من جريد النخل. وأما العامود والأعمدة، لكبر المسجد يحتاج إلى أعمدة، هي جذوع النخل، جذوع النخل جعلت. وهذا الآزاء الموجود لما يذهب إلى البوادي، لذات الذاكرة حاضرة في بعض البوادي، كان يعمل هذا، يؤتى بجذع النخل ويجعل عامود في بعض الأماكن، لأنه قوي ويتحمل. وعندهم الصلابة ما يحمل الوزن الثقيل، فعمد نبينا إلى جعل جذوع النخل هي الأعمدة التي يقوم عليها ماذا؟ عماد هذا المسجد. وكذلك جعل نبينا للمسجد ثلاثة أبواب، جعله ثلاثة أبواب، في المؤخرة في مؤخرة المسجد جعل له عليه الصلاة والسلام ثلاثة أبواب، لكي يتسع للناس ولا يزدحمون عليه. فالقبله حينها كانت إلى جهة الشمال إلى بيت المقدس، كانت القبلة حينها إلى جهة الشمال إلى بيت المقدس، هذا في أول التشريع، ثم نسخت القبلة، نسخت وجعلت إلى ماذا؟ إلى مكة، كما سيأتي معنا بإذن الله. وكان عليه الصلاة والسلام في هذا المقام يبني يبني مع الصحابة رضي الله تعالى عنهم هذا المسجد، وكان الكل يعمل ويشتغل. بل كان نبينا لربما يرتجز وهو الرجز وهو يأتي بشعر، فكان يقول في أثناء عمله: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة. فكان يرتجز هذه الأبيات صلوات ربي وسلام عليه وأصحابه معه في عملهم لهذا المسجد بكل جهد. فلما أتم نبينا المسجد بعد ذلك أصبح محلا للصلاة، محلا للصلاة. وطبعًا في تلك الأنحاء وفي تلك الأيام الأول ما كان هناك أذانًا، ما كان هناك أذانًا، وإنما الكل يتوقع يتوقع حضور وقت الصلاة، فمنهم من يأتي مبكر، ومنهم من يأتي متأخر. ثم طلب نبينا أمرًا من الصحابة أن يعينوه في بيان علامة بها يعرف الناس دخول وقت الصلاة وقرب إقامة الصلاة. فكان منهم من اختار النار، ومنهم من اختار النفخ بالبوق، ومنهم من اختار الضرب بالناقوس. حتى قال عمر: يا رسول الله، ألا تبعث رجلاً ينادي الصلاة جامعة؟ فاستحسن نبينا صلى الله عليه وسلم هذا الأمر من عمر أن يكون بالنداء، ثم شرعت كلمات الأذان، وسأتي هذا معنى في دروس قادمة. فالشاهد أن هذا مما قام به نبينا في أوائل مكثه في المدينة، أنه في السنة الأولى بنى مسجده، وقبل ذلك بنى مسجد قباء. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.