الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل حكم صيام رمضان وأدلته من القرآن والسنة، ويشرح أهمية الصيام كركن من أركان الإسلام. كما يوضح المراحل التي فرض فيها الصيام وأهمية رمضان في حياة المسلمين.
يتناول هذا الفصل شروط رؤية هلال رمضان ودخول الشهر وخروجه، حيث يشترط أن يكون الشاهد بالغًا عاقلًا مسلمًا موثوقًا به وبصره. يُقبل شهادة رجل واحد لدخول رمضان، بينما يشترط رجلان لخروجه، مع توضيح كيفية إثبات دخول شهر رمضان وخروجه.
يتناول هذا الفصل حكم صيام يوم الشك، حيث لا يجوز صيام يوم الثلاثين من شعبان إذا كان هناك شك في كونه من رمضان، مستندًا إلى حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه.
يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم قراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، قراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا رحمه الله تعالى: المجلس الثالث في حكم صيام رمضان. قال: الحمد لله الذي لا مانع لما وهب، ولم يعط لما سلب، طاعة للعاملين أفضل مكتسب، وتقواه للمتقين أعلى نسب، هيأ قلوب أوليائه للإيمان، وكتب وسهل لهم في جانب طاعته كل نصب، فلم يجدوا في سبيل خدمته أدنى تعب، وقدر الشقاء على الأشقياء حين زاغوا، فوقعوا في العطب، أعرضوا عنه وكفروا به، فأصلاهم نارًا ذات لهب. أحمده على ما منحنا من فضله ووهب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هزم الأحزاب وغلب. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي اصطفاه الله وانتخب، صلى الله عليه وعلى صاحبيه أبي بكر الفائق في الفضائل والرتب، وعلى عمر الذي فر الشيطان منه وهرب، وعلى عثمان ذي النورين التقي النقي الحسب، وعلى علي صهره وابن عمه في النسب، وعلى بقية أصحابه الذين اكتسبوا في الدين أعلى فخر ومكتسب، وعلى التابعين لهم بإحسان ما أشرق النجم وغرب، وسلم تسليمًا. إخواني، إن صيام رمضان أحد أركان الإسلام المباني العظام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 183 - 185]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» متفق عليه. ولمسلم: «وصوم رمضان وحج البيت». وأجمع المسلمون على فرضية صوم رمضان إجماعًا قطعيًا معلومًا بالضرورة من دين الإسلام. فمن أنكر وجوبه فقد كفر، فيستتاب، فإن تاب وأقر بوجوبه وإلا قتل كافرًا مرتدًا عن الإسلام، لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإنما يحفر له بعيدًا في مكان، ويدفن؛ لئلا يؤذي الناس برائحته، ويتأذى أهله بمشاهدته. فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين. وكان فرض الصيام على مرحلتين: المرحلة الأولى التخيير بين الصيام والإطعام مع تفضيل الصيام عليه، والمرحلة الثانية تعيين الصيام بدون تخيير. ففي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، كان من أراد أن يفطر ويفتدي -يعني فعل- حتى نزلت الآية التي بعدها، فنسختها -يعني بها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]-. فأوجب الله الصيام عينًا بدون تخيير. وهذا من حكمة الله عز وجل أنه يدرج الأحكام الشرعية على عباده. فأول ما فرض الله عز وجل الصيام على التخيير، فلما دخلوا فيه وتعودوه فرضه سبحانه وتعالى وصار على وجه الإلزام. ولله حكمة في ذلك. وهل يكون كذلك بالنسبة لحديث العهد بالإسلام؟ قال بذلك بعض أهل العلم، وهو قول مرجوح. والصحيح أنه يجب على كل من علم دين الإسلام، ولو كان حديث عهد، أن يصوم على وجه الإلزام. ومن لم يستطع لسبب أو لآخر، فالله عز وجل أعلم. فإن كان له عذر فيفطر لعذره، وإن عجز لسبب آخر فيجب عليه القضاء ما دام ليس مفرطًا، بخلاف المفرط الذي يتعمد الفطر. قال: ولا يجب الصوم حتى يثبت دخول الشهر، فلا يصوم قبل دخول الشهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصوم ذلك اليوم» رواه البخاري. ويحكم بدخول شهر رمضان بواحد من أمرين. وهل هذا على وجه الإلزام أم على وجه الكراهة؟ قولان مشهوران لأهل العلم. والصحيح أنه على الكراهة. وأما صيام يوم الشك، فالخلاف فيه أشد كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: ويحكم بدخول شهر رمضان بواحد من أمرين: الأول رؤية هلاله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا» متفق عليه. ولا يشترط أن يراه كل واحد بنفسه، بل إذا رآه من يثبت بشهادته دخول الشهر وجب الصوم على الجميع. وثبت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وغيره أنه تثبت هذه الرؤية بشهادة واحد بالنسبة لدخول شهر رمضان. وأما بالنسبة لخروج شهر رمضان فبشهادة رجلين. هكذا دلت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ويشترط لقبول الشهادة بالرؤية أن يكون الشاهد بالغًا عاقلًا مسلمًا موثوقًا بخبره لأمانته وبصره. فهذه خمسة شروط: بالغ، عاقل، مسلم، موثوق بخبره، وعنده كفاءة في رؤيته وبصره. فإذا توفرت هذه الشروط الخمسة قبلت شهادة هذا الشاهد ولو كان رجلًا واحدًا. قال: فأما الصغير فلا يثبت الشهر بشهادته؛ لأنه لا يوثق به. وأولى منه المجنون -يعني من باب أولى المجنون والمعتوه ومن عنده مرض نفسي- فإنه يتخيل خيالات. والكافر لا يثبت الشهر بشهادته أيضًا؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال -يعني رمضان- فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: «أتشهد أن محمد رسول الله؟» قال: نعم. قال: «يا بلال، أذن في الناس فليصوموا غدًا» أخرجه السبعة إلا أحمد. والحديث معل بالإرسال كما أشار في التعليق، وهو ضعيف. قال: ويثبت دخول شهر رمضان خاصة بشهادة رجل واحد؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه» رواه أبو داود والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وهو حديث صحيح. قال: ومن رآه متيقنًا رؤيته وجب عليه إخبار ولاة الأمور بذلك. وكذلك من رأى هلال شوال وذي الحجة؛ لأنه يترتب على ذلك واجب الصوم والفطر والحج، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. يعني وجوب هذه الفرائض تستلزم وجوب تبليغ من رأى ذلك. قال: وإن رآه وحده في مكان بعيد لا يمكنه إخبار ولاة الأمور، فإنه يصوم ويسعى في إيصال الخبر إلى ولاة الأمور بقدر ما يستطيع. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. قال: وإذا أعلن ثبوت الشهر من قبل الحكومة بالراديو أو غيره، وجب العمل بذلك في دخول الشهر وخروجه في رمضان أو غيره. ومعناه استخدام الوسائل الحديثة مسموعة أو مرئية أو مقروءة من جهة موثوقة يثبت به دخول الشهر، فلا يلزم أن تقف بنفسك على الشاهد وتسأله وتتأكد بدخول الشهر. أهم شيء أن يثبت بطريق موثوق ومن جهة ولاة الأمر، فإذا تقبل الخبر؛ لأن إعلانه من قبل الحكومة حجة شرعية يجب العمل بها. قال: وإذا ثبت دخول الشهر ثبوتًا شرعيًا، فلا عبرة بمنازل القمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق الحكم برؤية الهلال لا بمنازله. فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» رواه أحمد، وهو حديث صحيح. والمعنى أن الشرع علق دخول الشهر بالرؤية أو إتمام الشهر ثلاثين يومًا إذا تعذرت الرؤية، فلا يجوز الاعتماد على الحساب. الأمر الثاني مما يحكم به دخول الشهر: إكمال الشهر السابق قبله ثلاثين يومًا؛ لأن الشهر القمري لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يومًا ولا ينقص عن تسعة وعشرين يومًا. وربما يتوالى شهران أو ثلاثة إلى أربعة ثلاثين يومًا، أو شهران أو ثلاثة إلى أربعة تسعة وعشرين يومًا. يعني لا مانع أن يتتابع أكثر من شهر بثلاثين أو تسعة وعشرين. العبرة بماذا؟ برؤية الهلال أو إكمال عدة الشهر ثلاثين. قال: لكن الغالب شهر أو شهران كاملان، والثالث ناقص. فمتى تم الشهر السابق ثلاثين يومًا حكم شرعًا بدخول الشهر الذي يليه وإن لم ير الهلال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم الشهر فعدوا ثلاثين» رواه مسلم. ورواه البخاري: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». ومعنى غم وغبي: يعني كان هناك حائل من رؤيته، إما غبار أو غيم أو غير ذلك أو ضباب. قال: وفي صحيح ابن خزيمة من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام» أخرجه أيضًا أبو داود والدارقطني وصححه، وهو حديث صحيح. قال: وبهذه الأحاديث تبين أنه لا يصام رمضان قبل رؤية هلاله. فإن لم ير الهلال أكمل شعبان ثلاثين يومًا. ولا يصام يوم الثلاثين منه، سواء كانت الليلة صحوًا أم غيمًا؛ لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وذكره البخاري تعليقًا، وهو حديث صحيح. اللهم وفقنا لاتباع الهدى، وجنبنا أسباب الهلاك والشقاوة، واجعل شهرنا هذا لنا شهر خير وبركة، وأعن فيه على طاعتك، وجنبنا طرق معصيتك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم آمين. والحمد لله رب العالمين. شكرًا للمشاهدين.