الخطبة بعنوان بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بروكب 27 رجب 1447هـ الموافق 16 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تؤكد الخطبة أن الله أكمل الدين وأتم النعمة، محذرة من أن ما لم يكن دينا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون دينا اليوم. وتبين أن البدعة أخطر من المعصية لكونها تطمس السنن وتعد طعنا في كمال الدين وبلاغ الرسول.
يحذر النص من اتخاذ ليلة الإسراء والمعراج عيداً في السابع والعشرين من رجب لعدم ثبوت تاريخها واختلاف العلماء فيه، مستدلاً بإجماع السلف على عدم اتخاذ الحوادث أعياداً. ويوضح أن الصحابة لم يخصصوا هذه الليلة بعبادة، مستعرضاً المنكرات المصاحبة للاحتفال كاختلاط الرجال بالنساء وسرد القصص المكذوبة.
يختتم المتحدث مجلسه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين. ثم يدعو الحضور للقيام إلى الصلاة مشيراً إلى ترجمة نانسي قنقر.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فأخبر الله جل وعلا أنه قد أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينا. والدين ما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم، وما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا، كما قال إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله: «الدين ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا». والنبي صلى الله عليه وسلم تركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «وكان حقا على كل نبي أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وأن يحذرهم شر ما يعلمه لهم». ولذلك فإن نبينا عليه الصلاة والسلام حذرنا من الإحداث في دين الله عز وجل ما ليس منه، والله عز وجل يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. نعم عباد الله، فمن شرع في دين الله ما لم يشرعه الله ورسوله فهو معتد ومفتري في دين الله سبحانه وتعالى. ولذلك حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من البدع أيما تحذير، قبل ظهورها وقبل انتشارها. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر في خطبه من ذكر خطبة الحاجة التي نفتتح بها الخطبة في غالب أمرنا، كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بها خطبه، وهو يحذر في كل خطبة منها من البدع والمحدثات: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وما ذاك عباد الله إلا لخطورة البدع، إذ أنها سبب لطمس السنن وموتها، فإنها ما ظهرت بدعة إلا ماتت من السنة مثلها. وكذلك أيضا أن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها، كما قال الإمام الثوري رحمه الله وغيره من السلف. نعم عباد الله، فإن صاحب البدعة يفعلها وهو يعتقد أنه على عبادة، وأنه على طاعة، وأنه على عمل صالح، فقل أن يتوب منه وأن يرجع ويقلع عنه، بخلاف صاحب المعصية فهو يفعلها وهو يعلم أنه يعصي الله وأنه مخطئ في فعله، ولربما يتوب من معصيته ويرجع إلى ربه وخالقه. وكذلك أيضا أن إحداث البدع فيه طعن في كتاب الله، وما أخبر به ربنا عز وجل من إكمال هذا الدين وإتمامه، وكذلك أيضا طعن في رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه لم يبلغ دين الله كما أمره الله عز وجل، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾. ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: «من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد اتهم محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه خان الرسالة، لأن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾». ثم ليعلم من يتعبد لله بالبدع والمحدثات أن أعماله غير مقبولة عند الله. روى ابن أبي عاصم في السنة عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أبا الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته، أبا الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته». وكذلك أيضا قد لا يوفق للتوبة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما عند رواية الطبراني: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته». ألا وإن من البدع والمحدثات التي يحدثها المسلمون في مثل هذه الأيام بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب. هذه الحادثة العظيمة التي أكرم الله عز وجل بها نبينا عليه الصلاة والسلام، أن أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء. قال الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾، وعرج به إلى السماء حتى وصل إلى السماء السابعة، وأوحى الله عز وجل إليه بما أوحى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. إننا لا ننكر حدوث هذه الحادثة ووقوعها وثبوتها، ولكننا ننكر الاحتفال بها، ننكر أن تتخذ عيدا كلما جاءت تلك الليلة، ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، احتفل من احتفل من المسلمين بهذه الحادثة العظيمة. وذلك لا يشرع لأمور: أولا: أنه لم يثبت من جهة التاريخ أن ليلة الإسراء والمعراج كانت في السابع والعشرين من شهر رجب، فقد اختلف المؤرخون اختلافا عظيما في تحديد هذه الليلة، فمن قائل إنها في رجب، ومن قائل إنها في رمضان، ومن قائل إنها في شوال، ومن قائل إنها في ربيع الأول، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والحافظ ابن حجر، وابن رجب، وكذلك ابن الجوزي، والنووي، وابن حزم، وغير واحد من أهل العلم، ذكر اختلاف العلماء واختلاف أهل التاريخ في تحديد زمن هذه الحادثة العظيمة. بل رجح الإمام النووي وابن حزم أنها كانت في ربيع الأول. وإذا لم يعلم تاريخها وزمن وقوعها لم يصح الاحتفال بها. وثانيا: لو ثبت أنها في هذا التاريخ تنزلا، فإنه لم يجز الاحتفال بها. وقد ذكر الإمام ابن رجب أنه روي أنه وقع في رجب حوادث عظيمة، قال: «ولم يصح منها شيء من ذلك، ومن ذلك أنه ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع، في الخامس والعشرين أو في السابع والعشرين منه، ولم يصح شيء من ذلك». وقال الإمام أبو شامة رحمه الله: «ذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وهو عند أهل التعديل والجرح عين الكذب»، أي أنه لم يثبت عند المحققين من أهل العلم ثبوت هذه الحادثة في ذلك التاريخ. وكذلك كما سمعتم، لو أنها ثبتت في ذلك التاريخ لم يشرع الاحتفال بها، وذلك لأن السلف قد أجمعوا واتفقوا على أنه لا يجوز اتخاذ الحوادث الشرعية عيدا يحتفل بها كلما تكرر زمن مجيئها. والنبي صلى الله عليه وسلم كما سمعتم قد حذرنا من البدع والمحدثات، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، متفق عليه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. وكذلك أيضا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله قال: «فإنه لم يصح عن أحد من المسلمين أنهم جعلوا لليلة الإسراء فضيلة على غيرها من الليالي، لا سيما ليلة القدر، ولذلك ما كان الصحابة رضوان الله عليهم ولا التابعون لهم بإحسان يخصون ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولذلك لا تعلم في أي ليلة كانت». انتهى كلامه رحمه الله. وهذا غار حراء الذي نزل فيه الوحي أول ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام، ما اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، ولا الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقصدونه بعد النبوة. وثبت بسند صحيح عند ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه رأى جماعة من الناس يقصدون مكانا معينا للصلاة فيه، فسألهم عن ذلك، فقالوا: إنه مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رضي الله عنه منكرا عليهم: «أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، فمن أدركته الصلاة فيه فليصل، وإلا فليمض، وإلا فليمض». فلا يقصد مكانا معينا أو زمنا معينا يتخذه عيدا، أو كذلك يقصد فيه التعبد لله سبحانه وتعالى، فإن ذلك من أسباب الهلاك. كذلك أيضا ما يتخلل ذلك الاحتفال من منكرات، من اختلاط الرجال بالنساء، وكذلك أيضا اتخاذ أو إيقاد السرج والقناديل، وربما حمل الرايات والخروج في الشوارع والطرقات، وكذلك الاجتماع على الذكر، وذكر القصص، وذكر ما يتعلق بحادثة الإسراء، القصة المزعومة أو المكذوبة على ابن عباس في أكثر حوادثها إلا أحرفا يسيرة، وربما أيضا ذكر قصة ابن السلطان، ذاك الرجل الذي كان يسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، فلما أقبل شهر رجب أقبل على الصلاة والدعاء والطاعة، فلما مات رؤي فيه علامات الصلاح، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «إنه كان يجتهد في الصلاة والدعاء في شهر رجب»، وهي قصة مكذوبة مفتراة على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك من المنكرات والمخالفات التي تخالف دين الله سبحانه وتعالى. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن الواجب علينا أن نتبع ولا نبتدع، وأن نقتدي ولا نحدث في دين الله ما ليس منه، والله يقول: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾. قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم». وقال رضي الله عنه: «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة». فلو أنك تقتصد في عمل من الأعمال الصالحة من سنة نبيك وهدي نبيك عليه الصلاة والسلام، ولو كان عملا قليلا، فهو خير لك وأحب إلى الله سبحانه وتعالى من أن تجتهد فتقع في البدع والمحدثات. والله يقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فخير الأمور السالفات على الهدى، وشر الأمور المحدثات البدائع. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم أغزر أمطارنا، ورخص أسعارنا، وأصلح أمتنا وولاة أمورنا. اللهم اجعل كافينا من خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم من أرادنا والإسلام بخير ووفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، اللهم وخذه أخذ عزيز مقتدر. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاة ترجمة نانسي قنقر