شرح العقيدة الواسطية 41

شرح العقيدة الواسطية 41

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 41، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث النزول ودلالته

يتناول شرح حديث النزول لله عز وجل في الثلث الأخير من الليل، ويبين دلالته على صفات الله. يؤكد على أهمية الإيمان بهذا الحديث الصحيح المتواتر.

الرد على تأويلات المبتدعة

يتناول الرد على تأويلات المبتدعة حول نزول الله تعالى، ويبين أن هذه التأويلات لا دليل عليها. يشرح آراء أهل السنة في مسألة نزول الله تعالى.

الرد على شبهة ابن تيمية وموقف أهل السنة

يناقش شبهة نسبتها لابن تيمية حول نزول الله، ويرد عليها بعدة أدلة. يشرح موقف أهل السنة والجماعة من مسألة نزول الله.

القول في صفة الاستواء

يتناول القول بالتوقف في تفسير صفة الاستواء، ويبين أن الصواب هو الإيمان بظاهر النصوص بأن الله مستو على عرشه. هذا القول يتوافق مع ظاهر النصوص الشرعية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد، كان المبحث الأخير بكلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حول مبحث السنة وأنه مما يستعان به على الاستدلال على كباب الأسماء والصفات. قال رحمه الله تعالى: «وما وصف الرسول به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة وجب الإيمان بها». قوله رحمه الله: «وما وصف الرسول به ربه عز وجل»، أي كما أننا نؤمن بكل ما وصف به الرب نفسه، كذلك نؤمن بكل ما وصف به نبينا ربه، هذا وذاك، فالإيمان بباب الأسماء والصفات يكون بكل ما جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: «من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة»، الحديث الصحيح يكون صحيحا بأمرين اثنين: صحة الإسناد وعدالة الرواة. صحة الإسناد وعدالة الرواة، إذا صح عندنا الإسناد، سلم من العلل، لا هو معلق ولا معضل ولا مرسل ولا منقطع، وبالمقابل كذلك عندنا الرواة عدول، ما هناك ضعيف ولا سيء الحفظ ولا مقبول ولا كذاب ولا متهم ولا منكر. فإذا عندنا صحة الإسناد مع عدالة الرواة صح الحديث. لكن هل هذا كافي؟ هذا ليس بكافي، أحيانا أجد حديثا عندنا من حيث السند، من حيث الرواة على أحسن ما يكون، لكن الحديث منتقد من العلماء، ما تلقاه بالقبول. ولهذا نبه شيخ الإسلام، قال: «من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة»، لأن أحيانا تجد من الأحاديث يا عبد الله ظاهرها الصحة، حدثنا فلان عن فلان عن فلان، رجال رجال البخاري، رجال مسلم، لكن تجد العلماء يعلون الحديث، يقول: هو حديث معلل، يرون أن فيه علة. ولهذا جاءت أحاديث في كتب السنة أعلها العلماء، مع أن ظاهرها صحيحة. قال مؤلف رحمه الله تعالى: «فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له»، متفق عليه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في أول استدلالاته بأحاديث السنة على مسألة من مسائل الأسماء والصفات، وهو ما يسمى بحديث النزول. ينزل ربنا، ففيه صفة النزول، كما سيأتي معنا. يسمى هذا الحديث بحديث النزول. النظر أولا لصحة الحديث، الحديث كما هو مخرج متفق عليه، بل ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه العلو أن أحاديث النزول متواترة، تفيد القطع، تفيد الجزم بأنها ثابتة لا شك في ذلك ولا ريب. لأن الأحاديث المتواترة التي بلغت العدد الكثير والجم الغفير من الروايات. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه عنه ثمانية وعشرون نفسا من الصحابة». هذا يدل على أنه كان يبلغه في كل موطن ومجمع، أي كيف تحصل هذا العدد الكبير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث النزول؟ دل على أنه كان يكرر هذا الحديث، بل ويأتي فيه بالمجامع، مجامع الناس، حتى توافر هذا العدد. فهذا الحديث من حيث الصحة صحيح، لا غبار فيه ولا مطعن ولا مغمز في صحته. نأتي الآن إلى فوائد هذا الحديث، مما يستفاد من هذا الحديث: أولا، صفة النزول لله جل وعلا، وأن الله سبحانه وتعالى ينزل نزولا يليق بجلاله. وأن نزول الرب عز وجل لا يماثله نزول أحد من خلقه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وأن نزول الله جل وعلا نزول حقيقي، فهو الذي ينزل، فليس عندنا تعبير مجازي، وليس غيره ينزل، بل هو ينزل، فالنزول حقيقي لأنه نسب إلى الله. قال نبينا: «ينزل ربنا». ومن فوائد هذا الحديث كذلك إثبات لصفة الكلام، بأن الله يتكلم سبحانه، وقد مر معنا ذلك في صفة كلام الله من القرآن: «وكلم الله موسى تكليما». وهنا قال: «يقول ربنا: هل من مستغفر فأغفر له». وكذلك في هذا الحديث إثبات صفة العلو لله، صفة العلو لله، إذ أن الله ينزل، والنزول هو الانتقال من العلو إلى الدون، هذا النزول، فدل على أن الله عز وجل كان في علوه. ففي إثبات صفة علو الله عز وجل. كذلك فيه بيان فضيلة هذا الوقت بالذات، الثلث الأخير من الليل، وقت فاضل يكون فيه التنزل الرباني الإلهي. والليل متى يبدأ؟ يبدأ الليل من غروب الشمس بالاتفاق، وينتهي إلى طلوع الفجر على القول الصحيح. فثلث الليل هذا الذي يكون فيه التنزل الإلهي. وفي هذا الحديث كذلك بيان على فضيلة التعبد لله، وذلك بالدعاء، إما دعاء عبادة أو دعاء طلب: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه». ويدخل في ذلك العبادة من قيام الليل، من التسبيح، من الاستغفار، من الدعاء والطلب والإلحاح على الله. وأن هذا النزول من رحمة الله، إذ أنه يكون في كل ليلة، كل ليلة ينزل ربنا عز وجل، فيه سعة رحمة الله لخلقه، أن فتح لهم أبواب الإجابة للدعاء وكشف الكربات. في قول نبينا: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا»، السماء الدنيا هي أقرب سماء إلى الأرض، السماوات سبع، فأقرب سماء إلى الأرض وهي الأولى تسمى السماء الدنيا. فرب عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا سبحانه وتعالى. نأتي الآن إلى بعض المسائل المتعلقة بالنزول، منها المبتدعة، طبعا ما استطاعوا لرد الحديث وإنكاره لأنه متواتر، وإلا كان عندهم بإمكان يقول: هذا الحديث أحد، برع ومباشرة ينتهون من رميه، لكن هنا غص في حلوقهم متواتر، لا يستطيعون التلاعب على رده وإنكاره. فماذا لجأوا؟ لجأوا إلى قضية التكييف والتحريف، فقالوا: إن النزول ليس النازل هو الله عز وجل في علاه، وإنما الذي ينزل قالوا: رحمته، هي الرحمة، ومنهم قال: إنه ملك من الملائكة ينزل. فمنهم من يقول: الرحمة، ومنهم من يقول: هو ملك، أي فمعنى «ينزل ربنا» أي ينزل ملك من ملائكة ربنا في الثلث الأخير. فهذا التأويل المبتدع كله ذلك هروبا منهم من إثبات صفة النزول لله سبحانه وتعالى. الرد على هذه المسألة: أن أحاديث النزول المتواترة ليس فيها موطن واحد الإشارة إلى هذه المعاني المذكورة عند المبتدعة. لو أن عندنا ثمانية وعشرين صحابيا، لو أن صحابيا واحدا فقط قال: «تنزل الرحمة»، يكفينا هذا، لكن الأحاديث كلها لم نجمعها كلها ونقول: هذا مطلق وهذا مقيد، تقيد الأحاديث بهذا، نريد نصا واحدا فقط، فما وجدوا ولن يجدوا. فمن أين جاء بهذا المعنى؟ زد على ذلك، من قال بأن الرحمة هي التي تنزل، فيقال: وهل رحمة الله تتنزل في الثلث الأخير من الليل فقط، وباقي المعمورة تبقى بلا رحمة الله؟ من يقول بهذا؟ هل أحد يعي هذا الكلام؟ بأن رحمة الله فقط تنزل في الثلث الأخير، وباقي الأوقات لا رحمة الله في خلقه. ومن زعم مثلا أن ملكا، من قال بأنه ملك، يقول: ها ينزل، وليست الرحمة، إذا أراد أن يرقع يقول: هو ملك، نقول: ولو، وهل يستساغ أن ملكا يقول: «هل من داع فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له»؟ هل هذا من شؤون الملك؟ أنه يغفر الذنب، هذا كفر من اعتقد أن ملكا بإمكانه أن يغفر الذنوب، فقد كفر، وما يغفر الذنوب إلا الله جل في علاه، هذا من خصائص الرب. فعلى قول من قال: الرحمة، غلط، ومن قال: إنه ملك،، من كلا الحالتين غلط في كلا الحالتين. من المسائل المتعلقة بالنزول، إخواني في الله، مسألة: هل صفة النزول للرب عز وجل تستلزم الحركة؟ هذه المسألة لأهل السنة فيها ثلاثة أقوال. أهل السنة لهم فيها ثلاثة أقوال: منهم من أثبت ذلك، منهم من أثبت أن النزول بحركة، وأن الحركة تثبت لفظا ومعنى، بأن الله يتحرك. إلا أن شيخ الإسلام خطأ الداربي في هذه المسألة في هذه النسبة، وأن هذا ليس بصحيح، وأن من نسب إليهم مسألة إثبات الحركة لفظا ومعنى ليس بصحيح. القول الثاني: من نفى الحركة لفظا ومعنى، ومن توقف فيها. القول الثالث: قول من قال: إن لفظ الحركة نتوقف فيه، لا نذكره، لا نثبته لله، نقول: بأن الله يتحرك، لا نقول هذا، لكن من حيث المعنى نعم، إذ أن النزول من مقتضيات الحركة، من معاني النزول الحركة، الانتقال، حركة، هو من حيث المعنى صحيح، لكن من حيث اللفظ لا، فلا نقول: بأن الله حرك، يتحرك، أو نقول: أن نزوله بحركة، ما نقول بهذا. لماذا؟ توقفا مع النص، نتوقف مع النص، لكن من حيث المعنى نعم، المعنى الصحيح، إذ أن من مقتضيات النزول والإتيان والمجيء، هذه من صفات الرب، الإتيان والمجيء والنزول، هذه نعم من مقتضيات الحركة، فيها معنى الحركة، لكن هل نثبت اسم الحركة ولفظ الحركة؟ لا، لا نثبت، وهذا هو ترجيح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وأشار إلى أن هذا مذهب أكثر جمهور السلف، كالإمام البخاري والإمام أحمد رحمه الله تعالى وجماعة. من المسائل المتعلقة بالنزول ما ذكره الرحالة ابن بطوطة، بأن ابن بطوطة بأحد الأعوام دخل إلى بلاد الشام، فدخل إلى الجامع الأموي، فإذا برجل يخطب ويقول بعدما أورد حديث النزول: بأن الله ينزل، ونزوله هكذا كنزولي، ونزل من على المنبر، ونزوله كنزولي، فنزل من على منبره. قال ابن بطوطة: فسألت الذي عندي من هذا؟ قال: هذا ابن تيمية. طبعا هذه القصة من الذي طار بها؟ طار بها أهل البدع والأهواء، ممن قديما ولا يزال يقول: بأنكم مجسمة، وانظر لشيخكم شيخ الإسلام هذا مجسم، يمثل نزول الله كنزوله. خلاصة الكلام: هذه فرية، ما لها مرية. والرد على هذه الشبهة يكون بعدة أمور: الأمر الأول: أن ابن بطوطة قال: دخلت إلى الجامع الأموي، شيخ الإسلام ما خطب في الجامع الأموي، هذا الأمر الأول ينبغي أن يفهم. ما كان يخطب في الجامع الأموي. الأمر الثاني: ابن بطوطة دخل إلى الشام بتدوينه في عام 729، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تم إلقاء القبض عليه في عام 726، فلا يزال في سجن القلعة حتى مات. شيخ الإسلام رحمه الله سجن في سجن القلعة في تاريخ 726، فلا يزال في سجنه حتى مات، وأنت ابن بطوطة، كم دونت عندك؟ قال: في عام 729، إذن أين شيخ الإسلام؟ في سجنه، ما هذا؟ سبحان الله يا إخوان، ما الله عز وجل ينصر أولياءه؟ يعني ربما هذه المسألة قوية جدا. ابن بطوطة رحاله ويثبت، ورآه بعينه وسمعه به، ثم سبحان الله كيف أن الله عز وجل ينصر أولياءه بإظهار الحقائق. ومن يصدق إن يصدق الله، يصدقك الله، من كان صادقا مع الله في دعوته وفي استقامته، فالله يعطيك براهين الصدق فيبحث عنك كل أكذوبة وأغلوطة. أضف إلى الأمر الأول والثاني: أن ابن بطوطة صاحب شطحات، ليس بسليم المعتقد، ولهذا من نظر إلى كتابه الذي ألفه في الرحلات حول العالم، يتكلم حول الأولياء وحول العتابات وحول الأضرحة، الرجل عنده شطحات، عنده شطحات، فلربما ملئ قلبه على شيخ الإسلام. زد على ذلك أنه في القصة قاله: سأل من بجواره، قال: هذا ابن تيمية، لعله هذا كذاب الذي قال لك، لأن شيخا ما خطب له هنا، وما كان موجودا أصلا، بل كان في السجن، فكيف إذا انضاف إلى هذا وذاك؟ كتب شيخ الإسلام رحمه الله الطافحة بالمنع من التمثيل والتشبيه لله جل وعلا، نصر منهج أهل السنة، أي وانتصار، بل وله الشرح لحديث النزول، وأثبت أن لله نزولا يليق بجلاله وبكماله وبعظمته، ليس كمثله شيء، ثم يهدم هذا كله على هذه القصة، على هذه القصة الترافية الخرافية. ولهذا يا عبد الله لا تستغرب من إيراد هذه القصة عند المبتدعة، فهي لا تصح عن شيخ الإسلام رحمه الله. كذلك من القضايا المتعلقة بمسألة النزول، إخواني في الله، مسألة دائما في الأذهان: أن الله ينزل والليل مستمر، الله ينزل والليل مستمر، كيف هذا؟ كيف سيكون هذا؟ نزول، نزول، نزول، والليل يبقى مستمر، يبقى هنا ليل، هنا، هنا، هنا، هنا، والليل يستمر. معنا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أورد هذه المسألة ورد عليها بقوله باختصار: قال: «إن المسلم إذا كان يثبت لله ذاتا ليست كبقية الذوات، فهكذا له صفات تليق بذاته سبحانه». هذه مسألة تكل أمرها إلى الله، نؤمن بأن الله ينزل، كيف ينزل؟ الله أعلم كيف ينزل، كما أنك تقر بأن لله ذاتا، وأن ذات الله ليست كبقية الذوات، اعلم أن صفات الله ليست كبقية الصفات. هل في إشكال في مسألة حديث النزول؟ والخلاصة: أن أهل السنة والجماعة يثبتون هذه المسألة بأنها من الصفات الثابتة لله جل في علاه، وأن الله ينزل في كل ليلة في ثلث الأخير من الليل. وأما المبتدعة فقد خالفوا. مسألة خلو العرش: هل النزول يقتضي خلو العرش؟ المسألة على ثلاثة أقوال عند أهل السنة. ونقول عند أهل السنة: ما تكلم عن المبتدعة، تم الخلاف عند أهل السنة والجماعة في مسألة نزول الرب عز وجل في الثلث الأخير، هل يخلو منه العرش أم لا يخلو؟ المسألة على أقوال ثلاثة: جمهور أهل السنة على أن العرش لا يخلو من الله سبحانه وتعالى، بل إن الله مستو على عرشه، وهذا هو مذهب جمهور السلف، وهو الصواب. ومنهم من قال: من أهل السنة، من أن العرش يخلو من الله عند النزول، وهذا ذكره ابن منده رحمه الله، إلا أن شيخ الإسلام رد عليه، قالوا: هذا قول لم يقل به أحد من السلف، لم يقل به أحد من السلف، من أن العرش يخلو من الله في فترة النزول. ومنهم من ذهب إلى التوقف، وهذا يحكى عن عبد الغني المقدسي رحمه الله. ولهذا الصواب في هذه المسألة: أن نبقى على ظاهر النصوص، بأن الله مستو على عرشه، وهو سبحانه وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا في كل ليلة. وهذا هو الصواب. نبقى على ظاهر النص إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.