الدرس في شرح العقيدة الواسطية 45، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول عدم رفع الصوت بالذكر والدعاء، مبينا قرب الله من عباده. يُستفاد من الحديث كراهة رفع الصوت بالدعاء والذكر.
شرح حديث يصف رؤية الله تعالى يوم القيامة ويبين فضل صلاة الفجر والعصر، مع توضيح معنى التشبيه في الحديث وتفسير أقوال العلماء فيه.
بيان وسطية أهل السنة والجماعة في العقيدة بين مختلف الفرق الإسلامية، واستدلالهم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على هذه الوسطية.
توسط أهل السنة بين الفرق الضالة في مسائل الإيمان والأسماء والصفات والوعيد، مما يدل على منهجهم الوسطي في التعامل مع القضايا العقائدية.
طيب، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله صلى الله عليه وسلم: «لما رفع الصحابة أصواتهم بالذكر، أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته»، متفق عليه. هذا الحديث أورده المؤلف رحمه الله تعالى لمحتواه، واشتمل على شيء من صفات الله جل في علاه. هذا الحديث متفق عليه، من حديث أبي موسى الأشعري. وهذا الحديث وقع للصحابة تحديدا، عند مرجعهم من غزوة خيبر، وذلك في السنة السابعة. كان هذا الحديث وقع لأصحاب رسول الله على إثر مرجعهم من خيبر، أي بعد فتحها. فقول عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم»، أربعوا بمعنى أرفقوا بأنفسكم، أو هونوا على أنفسكم. «إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا». وفي هذا الحديث إشارة إلى قرب الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه مع علوه قريب من خلقه، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. قوله: «لا تدعون أصم ولا غائبا»، أي أنكم لا تدعون من لا يسمع، وليس هو غائبا لا يرى. فقال: «إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا». ففي إثبات لصفة السمع، وصفة البصر، وصفة القرب منه سبحانه وتعالى لخلقه. وقوله: «سميعا بصيرا»، سميع بصير على وزن فعيل، وهي من صياغ المبالغة. فلله السمع الكامل، وله البصر الكامل سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث كذلك من الفوائد: عدم التكليف، عدم تكليف النفس فوق طاقتها. إذ أن هؤلاء الصحابة رفعوا أصواتهم ذكرا ودعاء، فالإنسان لا يتكلف العبادة، يأتي بالعبادة على الذي يقدر عليها. وفيه كراهة رفع الصوت بالدعاء والذكر. الإنسان إذا ذكر الله عليه أن يناجي ربه بالذكر والدعاء. إلا إذا كان في موسم الحج، فهذا مستثنى. لأن بعض الناس يقول: أخي، كيف أنت تقول كراهة ونحن عندما نذهب إلى الحج نعتمر ونحرم من الميقات، فإننا نكبر «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر» ونلبي «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك»، نرفع صوتنا. قال: وسئل عليه الصلاة والسلام عن أفضل الحج، قال: «العج والثج». العج رفع الصوت، والثج إراقة الدماء. أفضل الحج ما كان مصاحبا لكثرة الصوت، أي التلبية والتكبير. وفي هذا الحديث استحباب الذكر في السفر. فالنبي إنما عاب عليهم رفع الصوت، وأما حال سفرك، الذكر والدعاء مستحب. الأصل لهذا أن الصحابة كانوا يذكرون الله لأنهم في مرجع من سفر. قال: «يا أيها الناس، أربعوا»، أي هونوا على أنفسكم، أدعوا لكن بصوت منخفض، أذكروا الله لكن بصوت منخفض. ومن أعظم الذكر الذي يؤتى به في حال السفر: التكبير عند الصعود، والتسبيح عند الهبوط والنزول. كذلك يستحب الدعاء، إذ أن الدعاء في وقت السفر مستجاب. كما صح عن نبيه صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا ترد دعوتهم»، فذكر نبيه دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر. قال وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشام وصلاة قبل غروبها فافعلوا». متفق عليه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث الآخر لما فيه من اجتماله على ذكر مسألة من مسائل الصفات. فقوله: «إنكم سترون ربكم»، السين هنا في بيان التحقيق أن هذا كائن، ففي إثبات الرؤية، وأن هذه الرؤية مستقبلية. قوله: «كما ترون القمر»، ماء هنا مصدرية، والماء المصدرية تنسبك بالفعل الذي بعدها على تأويل مصدر. فهنا في قوله: «كما ترون القمر»، بمعنى كرؤيتكم القمر. هنا ماء مصدرية، والماء المصدرية تدخل مع الفعل الذي بعدها فتحوله وتؤوله إلى مصدر. قال العلماء: أن المراد هنا بالتشبيه تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي. يقول العلماء: في هذا الحديث التشبيه هنا تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، بمعنى لا أننا نشبه الله بالقمر، لا نشبه الله بالقمر. قوله: «لا تضامون»، هذه اللفظة جاءت على عدة ألفاظ. لا تضامون من أوجه هذه اللفظة بالتشديد، لا تضامون، تقال بضم التاء، وتقال بفتح التاء. لكن يهمني هنا تشديد الميم، الميم يكون مشددا «تضامون». وهنا «تضامون» مأخوذ من التضام، بمعنى الالتحام والالتصاق. فماذا تكون هذا الوصف؟ يعني يصف نبينا صلى الله عليه وسلم حال المؤمن، وحال الإيمان الذي يتنعم برؤية الله عز وجل، تكون هذه الرؤية واضحة. فعلى رواية «لا تضامون»، أي ما يقع منكم ازدحام، ولا تلاصق. وعلى رواية «لا تضامون» بالتخفيف، بمعنى لا ظلم ولا هضم، بأنك يا عبد الله ستأخذ من الوقت الكفاية الذي ستستمتع فيه برؤية الله سبحانه وتعالى، ما هناك ظلم ولا هناك هضم. كذلك جاءت لهذا الحديث في الصحيح: «لا تضارون» برؤيته. وهنا «تضارون» بمعنى أي لا يلحقكم ضرر، لا يلحقكم ضرر، فلا يأتيكم الضرر. قال: وفيه بيان لفضيلة لصلاة الفجر، ولصلاة العصر، في قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، فافعلوا». قالوا: صلاة العصر، وصلاة الفجر. ففيها مزية لهتين الصلاتين. قال مؤلف كتاب العقيدة الطحاوية: قال إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. إذن، بهذه العبارة من شيخ الإسلام رحمه الله علمنا أننا انتهينا من ذكر الأحاديث المروية في السنة. وهل المؤلف رحمه الله تعالى أراد حصر الأدلة السنية؟ الجواب: لا، ما أراد الحصر. وإنما ذكر طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الدالة على أسماء الله وصفاته. قال: كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف، وقد مر معنا. ولا تعطيل، قد مر معنا. ومن غير تكييف، قد مر معنا. ولا تمثيل، قد مر معنا. هذه المصطلحات في أوائل الرسالة. قال: بل هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. لله دره من تعبير، رحمة الله عليه. بل هم أي أهل السنة، ما بهم وسط في فرق الأمة. الأمة الإسلامية من المعتزلة، والجهمية، والمكاربة، والماتوريدية، والقدرية، والجبرية، وغير ذلك. تجد أن أهل السنة والجماعة جعلهم الله في عقائدهم وسط. قال: كما أن الأمة أي كما أن الأمة الإسلامية وسط بين الأمم. عندي أديان: النصرانية، واليهودية، والمجوسية، والبوذية، وعباد الأصنام، والملاحدة. قس، تجد أن الأمة الإسلامية في شريعتها جعلها الله وسط. وما معنى الوسط؟ الوسط بمعنى العدل والخيار، فهم العدول الأخيار، العدل الخيار. كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. فالأمة الإسلامية جعلها الله أمة وسط، فيها من العدل بحيث أن الله جل وعلا قبل شهادتها على سائر الأمم في الدنيا وفي الآخرة. فانظر مثلا إلى ما جاء في البخاري، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «يدعى نوح يوم القيامة، فيقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم». فهذه الأمة الإسلامية جعلها الله وسط، جعلها الله خيار، جعلها الله عدل. وهكذا من تأمل هذه الأمة الإسلامية في تعبدها لربها، جعلها الله وسط بين الأمم. جعلها الله وسط بين الأمم، أمم وسط في عقائدها، في علاقتها مثلا مع أنبيائها ورسلها. إذا جئت إلى اليهود، تجد أن اليهود استخفوا بأنبياء الله وطعنوا فيهم، والحقوا بهم النقائص. بينما تجد أن النصارى غلطوا في الأنبياء، حتى أنهم جعلوا عيسى رب يعبد من دون الله. بينما هذه الأمة وسط، قالوا في حق عيسى مثلا: أنه عبد الله ورسوله. وهكذا في سائر الأنبياء، هم عبيد لله، وهم رسل لله. الوسطية كذلك في باب التحليل والتحريم، تجد أن من أهل الملل الإسلامية من يبالغ ويشدد في مسألة التعبد، ورهباني يبتدعونها. لكن بالمقابل، تجد من الأمة كذلك من يتهاون في هذا الباب. فحللت الحلال، وحرمت الحرام. فمن منة الله عز وجل على الأمة الإسلامية أن جعلها الله وسط بين الأمم. فكان هذا إشارة من شيخ الإسلام إلى أن أهل السنة هم كذلك في هذا الباب وسط بين الفرق والجماعات. وسط بين الفرق والجماعات، وسئل معنا في باب الإيمان، وفي باب الأسماء، وفي باب الصفات، وفي باب الوعيد، كيف أن أهل السنة توسطوا الفرق الضالة. طيب، نقف إلى هذا الحد، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.