التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 10

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحذير من مخالطة الناس دون تمييز وتأثير الصاحب

يتحدث عن أضرار معاشرة الناس دون تمييز وأهمية اختيار الصاحب الجيد وتأثيره على الدين والأخلاق. يُبرز أهمية انتقاء الصحبة الصالحة لتأثيرها الكبير.

خطورة مصاحبة أهل الفسق والمعاصي وأهل الأهواء

يُنبه إلى خطورة مصاحبة الفاسدين وأهل الأهواء وتأثيرهم السلبي على المعتقدات والسلوك. يحذر من مغبة الانجرار وراءهم ومجالستهم.

تأثير مخالطة الناس ومصاحبتهم على الفرد

يناقش تأثير مخالطة الناس ومصاحبتهم ويحذر من مخاطر صحبة أهل البدع والضلال. يشير إلى أن الناس أصناف وأن مخالطتهم قد تؤدي إلى مشاكل وفتن.

أصل الإنسان في الظلم والجهل وضرورة التصحيح

يُشير إلى أن الأصل في الإنسان الظلم والجهل كما ورد في القرآن، ويمكن تصحيح ذلك بالعدل والعلم. ينبغي تحسين صحبة من يصاحب نظراً لكون معظم الناس ظالمين جاهلين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو حاتم البستي، رحمه الله، في منظومته «عنوان الحكم»: من عشر الناس لاقى منهم نصبا لأن سوسهم بغي وعدوان، ومن يفتش عن الإخوان يقلهم، فجل إخوان هذا العصر خوان، من استشار صروف الدهر قام له على حقيقة طبع الدهر برهان، من يزرع الشر يحصد في عواقبه ندامة ولحصد الزرع إبان، من استنام إلى الأشرار نام وفي قميصه منهم صل وثعبان، كن ريق البشر إن الحر همته صحيفة وعليها البشر عنوان، ورافق الرفق في كل الأمور فلم يندم رفيق ولم يذممه إنسان، ولا يضرنك حظ جره خرق، فالخرق هدم ورفق المرء بنيان. قال الشارح، فقه الله: يواصل النظم أبو الفتح البستي، رحمه الله، في قصيدة «عنوان الحكم»، نثر هذه الحكم في نظم بديع وبيان جميل، معددا الحكم واحدة تلو الأخرى. يقول، رحمه الله تعالى: من عاشر الناس لاقى منهم نصبا لأن سوسهم بغي وعدوان. قال الشارح، فقه الله: في هذا البيت يتحدث ويبين، رحمه الله تعالى، عن مساوئ وأضرار المعاشرة معاشرة الناس عموما، أي دون مراعاة فيمن يصاحب ومن يخالل، فهذا ولا شك فيه خطورة على المسلم، إذ ليس للمسلم أن يمشي مع من شاء، كما قال ذلك السلف، رحمهم الله. لماذا؟ لأن مشي الإنسان مع غيره يؤثر عليه في أخلاقه، وفي دينه، وفي استقامته وصلاحه. قالوا: في الحديث «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». والحيث رواه أهل السنة من حيث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، فالنبي، عليه الصلاة والسلام، يخبر أن المرء على دين خليله، يعني على دين صاحبه، فلينظر أحدكم من يخالل، من يصاحب، ومن يماشي، ومن يجالس. فإن كان الذي يجالسه من أهل الخير والصلاح، فسيكون مثله بإذن الله، وإن كان الذي يجالسه من أهل الشر والسوء والفساد، فسيكون مثله، وإن ادعى أنه على خلاف ذلك، فإنه لابد أن يتأثر، لابد أن يتأثر. وكما قيل: «من جالس جانس، من جالس جانس»، والصاحب ساحب، الصاحب يسحب صاحبه على دينه. ولا أدل من ذلك قول النبي، عليه الصلاة والسلام: «هذا المرء على دين خليله، أي على دين صاحبه، فلينظر أحدكم من يخالل، من يصاحب». هذا أمر مهم، فإذا كان صاحبه هذا من أهل الفسق، ومن أهل المعاصي، فلا شك أنه سيؤثر عليه، ومع مرور الأيام والليالي، ما يدري إلا وهو ينجر معه، وينسحب شيئا فشيئا، رغم ما يقول: أنا أريد أن نناصحه، وأن أرجعه إلى طريق الاستقامة. لكن أنت ما تأمن على نفسك، ما تأمن، ما تدري هل ترجعه، ولا هو الذي يرجعك إلا القهقرة، ويجعلك من أهل المعاصي والذنوب. وهذا واقع كثير، فالإنسان لا يأمن على نفسه. إما أن تناصحه من غير مصاحبة، لا بأس، رأيته في موضع، في مجلس، في مسجد، في مكان، جلست معه، تناصحه وتذهب. أما أن تماشيه وتجالسه وتذهب معه وتقول: أنا نناصحه، هذا خطأ، هذا سيجرك إلى أن تقع في، يعني، أوحال الذنوب والمعاصي التي يقع فيها، وتتأثر به، تتأثر به. هذا فيما يتعلق في، يعني، استقامة المرء في صلاحه وفساده. فإن كان فاسدا، ربما أفسدك، وإن كان صالحا، سوف يصلحك بإذن الله، وتستقيم وتنتفع باستقامته. إن كان صاحبك هذا من أهل الصلاح والخير، أيضا في باب المعتقد، في باب المعتقد، إذا كان خليلك هذا من أهل الأهواء والبدع، وأنت تجالسه وتصاحبه، فسيؤثر عليك. وكم دخلت كثير من البدع على أهل الخير والصلاح بسبب المجالسة والمصاحبة، بسبب المجالسة والمصاحبة. وهذا الإمام الصنعاني، رحمه الله، هذا المحدث من أهل الحديث، الذي ما رحل إليه أحد في زمانه كما رحل إليه الأئمة الكبار، كالإمام أحمد، ومن معين، وغيرهما، إلى الإمام عبد الرزاق الصنعاني، دخل عليه التشيع بسبب شيخ مشايخه، أعجبه هديه وسمته وجالسه، فأدخل عليه التشيع. وهكذا أيضا كم ممن دخل عليهم بدعة القدر بسبب المجالسة والمصاحبة. وهكذا تجد البدعة تدخل على الإنسان بسبب مجالسته لأهلها. ولهذا حذر السلف، رحمهم الله، تحذيرا شديدا من مجالسة أهل الأهواء: «لا تجالس أهل الأهواء»، كما يقول أبو قلابة، رحمه الله: «لا تجالس أهل الأهواء ولا تصاحبوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم، وأن يلبس عليكم كثيرا مما تعلمون». يقول: انتبهوا، لا تجالس أهل الأهواء ولا تصاحبوهم، فإن المصاحبة والمجالسة تؤثر، تؤثر على الإنسان، تقع الشبهة في قلبه، فلا يستطيع أن يدفعها، فيتأثر بها، فيتأثر بها. وما يدري إلا ويصبح منافحا، ينافح عن أهل الأهواء، ينافح عن أهل الأهواء. وهذا عمران بن حطان الذي تزوج امرأة خارجية، زعم أنه يرجعها إلى السنة، فما درى إلا وأوقعته في بدعة الخوارج، وأصبح خارجيا، حتى مدح قاتل علي، رضي الله عنه، بقوله: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش بنيانا، إني لا أذكره يوما فأحسبه أوفى البرية عند الله إحسانا. هكذا يمدح قاتل علي، رضي الله عنه. انظر كيف أوقعته البدعة في هذه الضلالة العظيمة. ورحم الله من رد عليه بقوله: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليهدم من ذي العرش بنيانا، إني لا أذكره يوما فألعنه وألعن الكلب عمران بن حطانا. فالمقصود أن المصاحبة والمجالسة تؤثر، تؤثر على صاحبها، «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». قال: فمن عاشر الناس، خالطهم وصاحبهم ورافقهم، لاقى منهم نصبا، أي سيجد على إثر هذه المخالطة والمصاحبة والمعاشرة، سيلقى من الناس نصبا، يعني تعبا. قال: أي أنهم فيه من من سيوذي إليه، ومنهم من يظلمه، ومنهم من يحسده، ومنهم من يبغي عليه، ومنهم إلى آخره، يعني الناس أصناف وأنواع وأجناس، ليسوا على خلق واحد، وعلى كذلك صفة واحدة، فمنهم الصالح، ومنهم الطالح، منهم المحسن، ومنهم المسيء. قال: فسيلقى منهم نصبا. ولهذا شرع لنا شرع لنا في السنة كل مرة نخرج فيها من البيت أن نقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي». والحيث رواه أهل السنة من حديث أم سلمة، رضي الله تعالى عنها، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان إذا خرج من المنزل قال هذا الدعاء: «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أظل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أجهل، أو يجهل علي». قال: لأن الإنسان إذا خرج من بيته سيلاقي الناس ويختلط بهم، وفيهم المحسن والمسيء، وفيهم الظالم والعادل، وفيهم الجاهل والعالم، فهم أخلاط وأجناس، وهو عرضة في مخالطتهم لهم ومعاشرته لهم لأن يلقى النصب، وهو الجهد والعناء والمشقة بسبب مخالطة الناس لها أمثال هؤلاء إذا الناس أصناف. ومن خالطهم سيلقى منهم نصبا، ثم ذكر السبب، قال: لأن سوسهم بغي وعدوان. قال: والسوس في اللغة هو الأصل والطبع، أي أن طبعهم البغي والعدوان إلا من رحم الله ونجاه ووقاه وسلمه من ذلك. وكان الإنسان ظلوما جهولا إلا من نجاه الله وسلمه ووقاه سبحانه وتعالى. هذا الأصل في الإنسان الظلم والجهل، لأنه قال الله جل وعلا: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. هذا الأصل في الإنسان أنه ظالم، فيرفع هذا الظلم بالعدل، ويرفع هذا الجهل بالعلم، فبقدر إقامته للعدل يدفع بذلك الظلم، وبقدر تعلمه للعلم يدفع بذلك الجهل. إذن هذا حال الناس الذين سيعاشرهم ويلقاهم، أنهم من أهل الظلم والجهل إلا من رحم الله، إلا من رحم الله. فإذا كان كذلك، فينبغي أن يحسن صحبة من يصاحب: «من عشر الناس لاقى منهم نصبا لأن سوسهم بغي وعدوان». صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.