الدرس في شرح كتاب التوحيد 54، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح أثر سعيد بن جبير في قطع التمائم وفضيلة هذا العمل، ويبين منهاج المؤلف في الاستدلال بآيات القرآن وأحاديث الرسول وأقوال السلف.
يشرح فضل قطع التمائم وإنقاذ الناس من الشرك، ويبين أن هذا العمل يعدل عتق رقبة من النار.
ينقل عن إبراهيم النخعي كراهة علماء الكوفة للتمائم، ويبين تحريم تعليق التمائم ومنها تعليق القرآن للحماية.
يورد المؤلف أثرين في ختام باب الرقى والتمائم، ويطلب الداعي من الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وعن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة، رواه وكيع، وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن. أورد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ومنه يستفاد على المنهاج العام الذي يسير عليه المؤلف رحمه الله تعالى في باب الاستدلال، إذ أنه بعد التضييق يستدل أولا بآيات القرآن، ثم يستدل بعد ذلك بأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك يورد ما جاء عن الصحابة والسلف الكرام رضي الله تعالى عنهم. ولما كان في أواخر مبحثه، أورد رحمه الله تعالى أثرين اثنين، عن سعيد بن جبير وعن إبراهيم النخعي. أما أثر سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة، أي من وفقه الله جل وعلا إلى هذا العمل، إن استطعت أن تقطع تميمة، وقد مر معنا ما هي التمائم، وهي التي تعلق ويعتقد فيها النفع والضر. فإذا مكنك الله يا عبد الله من أن تقطع تميمة من إنسان كان هذا كعدل أي كفضل من أعتق رقبة، وهذا الأثر أولا من حيث الصياغة الإسنادية يعبر عنه جماعة من العلماء أن هذا له حكم الرفع، أي كأن النبي صلى الله عليه وسلم هو قال هذا الكلام. لكن هذا عليه مأخذ من جهة أن الذي يروي هذا الأثر هو من التابعين وليس من الصحابة، والذي عليه جماهير العلماء أن الصحابة إذا روى حديثا وهو يظن أنه من مشكاة النبوة، له حكم الرفع، لكن الذي بين أيدينا هو أثر عن التابعين عن سعيد بن جبير. فالشاهد من هذا اللفظ ومن هذا الأثر أن سعيد رحمه الله تعالى يبين لنا فضيلة هذه المسألة، أنك تساهم في ضحض الشرك وصوره، ومن ذلك التمائم المعلقة التي يعلقها الناس، تارة في أنفسهم وتارة في غيرهم في الدواب أو المركوبات. فإن فعلت ذلك يا عبد الله كان ذلك كأجر من أعتق رقبة، وفك الرقاب من عبادات عظيمة جاء ذكرها في القرآن والسنة، فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة، ففك الرقاب من العبادات العظيمة التي قل من يوفق لها. فإذا أردت يا عبد الله أن تحوز على هذا الأجر وأنت لا تمتلك رقبة، فقم بهذا العمل الذي أرشد إليه هذا الإمام، وهو أن تقطع تميمة من إنسان، وهذا الأجر يكون لك إذا كنت مستطيعا أن تقطع التميمة، إما بيدك أو بإقناع صاحبها بإزالتها. قال العلماء: هذا من فقه الإمام رحمه الله تعالى، بعلمه أن من قطع تميمة من إنسان فإنه قد أعتق رقبته عن النار، لأن هذا الإنسان بتعلقه بهذه التميمة قد وقع في الشرك، إن التمائم شرك، فصاحبها واقع في الشرك. فإذا قمت أنت يا عبد الله وقطعت دابر هذه الصورة الشركية وحررته من هذه التميمة الشركية، فكأنما حررت رقبته من النار، كان ذلك كعدل رقبة، وهذا من ثقة رحمه الله تعالى لهذه المسألة. وفي هذا بيان على أن هذا الأمر يكون في حق من كانت عنده سلطة أو من لا يخشى فتنة، مثل أنت رجل عندك سلطة على عمالك وهم يهابونك ويخافون منك، فإذا رأيت أن أحدا منهم قد علق تميمة، قم يا عبد الله وقطعها. أو يكون من أحد أفراد أسرتك، لربما تدخل على بيتك فتجد أحد أولادك قد علقت عليه تميمة، تقول تعالي يا امرأة، إيش هذا؟ ونعوذ بالله، خذ وقطعها، هذا مستولي على فعله، فإذا وجد الإنسان أنه يستطيع بقدرته وبسلطانه أن يقطع التمائم بيده فليفعل، فله الأجر العظيم. كذلك من عبد الله يدخل في هذا الأجر ليس فقط أنك تقوم بالقطع بيدك، بل ولو قام صاحبها بقطع التميمة عن نفسه، وذلك بإقناعك له، يدخل هذا في الأجر العظيم، ليس الشرط أن يدك تمتد، لكن لربما بإقناعك رأيت أن إنسانا علق تميمة أو أن أولاده قد علقوا التمائم. فتقول يا عبد الله إيش هذا في أولادك؟ يقول والله عندهم مرض وحمى، فأخبرهم بعض من عندهم الخبرة أن هذه التمائم الخيوط أو الحبة السوداء أنها تنفع، فتقول لا، يا عبد الله ما يجوز هذا، فتحاول معه بالأدلة العقلية بالأدلة الشرعية، فإذا اقتنع وأزالها بنفسه، اعلم يا عبد الله أن لك هذا الأجر لأنك ساهمت في عتق الرقاب عن النار. هذا إخواني في الله فضل عظيم، فالإنسان احرص على مثل هذه الأمور ولا يستهين بها، إذا كان هذا في حق غيرك فكيف في تعاملك مع نفسك؟ دل هذا على أن الإنسان ينبغي أن يربي نفسه على التعلق بالله جل في علاه دائما وأبدا. وأما الأثر الثاني، قالوا عن إبراهيم: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن، نعم هذا أثر مروي ذكره ابن أبي شيبة في مصنفه من قول إبراهيم النخعي، ولما قال كانوا يعني مشائخه وأصحابه ومن تتلمذ على أيديهم، فهو يعني عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعلقمة والأسود بن يزيد والحارث بن سويد ومسروق والربيع بن خثيم وجماعات من علماء الكوفة. فكان إبراهيم النخعي إذا أتى بفتوى فيها صيغة الجمع وكانوا وقالوا ونسب هذا إلى غيره، اعلم أن هؤلاء هم المعنيون بهذه المقالة، إذ أنهم أصحابه وهو ممن تتلمذ على أيديهم، فلما قال لنا وكانوا يكرهون التمائم كلها، إذن قصد بهذا الكلام ابن مسعود وعلماء الكوفة. ما هذا الذي نقل عنهم؟ نقل عنهم قال: وكانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن ومن غير القرآن، وهذه مسألة، أما من غير القرآن فالقول فيها واحد، من علق معد من علق وتر من علق خيط من علق حرز، هذا متفق على تحريمه. وإنما وقع الخلاف كما مر في دروس سبقت في الذي يعلق القرآن، وذكرنا الخلاف بين السلف، والصحيح الذي قد رجحنا في تلكم الدروس على التحريم، وهذا الأثر يؤيد هذا القول أن إبراهيم النخعي كان يحدث عن علماء الكوفة من أئمة السنة كانوا يمنعون هذا منعا تاما. والفائدة في قول إبراهيم هنا: وكانوا يكرهون، الكراهة هنا بمعنى التحريم، وهذا كان مصطلحا عليه السلف، وهو نص علم من القرآن، فإن اللفظ القرآن ومصطلح القرآن إذا ذكروا الكراهة فإن الكراهة بمعنى التحريم، كما قال ربنا جل وعلا بعد ذكره للمحرمات قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، فحكم عليه ربنا بالكراهة. قال علماء: الكراهة هنا أي التحريم، ولهذا كان من بعض السلف لا زال يستخدم لفظ الكراهة ويعني به التحريم، للكراهة التنزيهية التي عليها المتأخرون، فقول إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أي يحرمون، وهذا الذي عليه ابن مسعود وعلماء كثر على هذا المنهج، أن التميمة كائنة من كانت من القرآن من غير القرآن لا يجوز أن تعلق في أي مكان كان. وقد أشرنا إخواني في الله إلى بعض صور التمائم المتخذة من القرآن، وأشار إليها العلماء، كمثل من يجعل القرآن تحت رأسه من باب الحماية، أو يجعل المصحف في الرف للبيت حماية، أو من يجعل المصحف في غلاف صغير ويعلقه أمام السيارة للحماية، أو من يكتب القرآن على الجدران داخل البيت أو في خارج البيت يسجل آيات قرآنية للحماية، كل هذا من اتخاذ القرآن تميمة، وهذا لا يجوز. هذا ما يذكر إخواني في الله في خلاصة هذين الأثرين الذين أوردهم المؤلف رحمه الله تعالى في ختام باب ما جاء في الرقى والتمائم. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.