شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 27

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

غربة الإسلام وعبادة القبور

غربة الإسلام سببها الغلو في الصالحين وعبادة القبور، وانتشار عقيدة الأشاعرة ساهم في إهمال توحيد الألوهية. هذا الغلو يؤدي إلى كفر بني آدم وتركهم دينهم.

أسباب انتشار البدع والشرك

البدع تنتشر بسبب تعظيم الصالحين وتعلق القلوب بهم، ثم التحول إلى عبادتهم. العلم والعدل ضروريان لمقاومة البدع، ومزج الحق بالباطل يؤدي إلى قبول البدع.

تحليل قصة قوم نوح ودلالاتها على الغلو

قصة قوم نوح تبين خطر الغلو في الصالحين وعبادتهم من دون الله، وتبرز أهمية العلم ومضرة فقده. الشيطان له دور كبير في إضلال الناس وإغوائهم.

ذهاب العلم وانتشار الجهل والضلال

ذهاب العلم بموت العلماء يؤدي إلى انتشار الجهل وقيام الجهال مقام العلماء، مما يسبب الضلال للناس ويزيد الفساد. قلة العلم تؤدي إلى كثرة الجهال وأهل الجهل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله، له لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين، وذكرنا ما ذكره المؤلف للآيات والأحاديث وكلام السلف. ثم قال فيه مسائل: الأولى أن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبين غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب. أن هذا الباب العظيم، وهو الغلو في الصالحين، وأيضًا بابين بعده، ذكره المؤلف أيضًا في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ وكذلك أيضًا الباب الذي بعده، أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله. فهذه الثلاثة الأبواب في موضوع واحد، لكن الباب هذا الذي ذكره هنا باب أعم، ثم ذكر بابًا أخص، وهو الغلو في قبور الصالحين، وكذلك أيضًا الباب الذي بعده أيضًا أخص في مسألة القبور وتعظيمها. فهذا يقول الشيخ هنا: أن هذه الأبواب من تأملها وجد أنه في غربة خاصة في زمن الشيخ رحمه الله عليه، قد كثرت عبادة القبور وتعظيم المقبورين، وكل هذا بسبب انتشار عقيدة الأشاعرة. من الأسباب التي أدت إلى مثل هذا الباب هو انتشار عقيدة الأشاعرة في الناس، لماذا؟ لأن عقيدة الأشاعرة ما يتكلمون في توحيد الألوهية، ويعرفون الإله أو الله عز وجل بأنه القادر على الاختراع، أو بعضهم يقول: لا إله إلا الله إلا رب سواه. فمعنى ذلك أنه ليس فيه توحيد الألوهية، وإنما يفسرون التوحيد بالربوبية. فلهذا خبط الناس خبط عشواء في الشرك بالله جل وعلا، بسبب أنهم ما يعرفون أن هذا شرك؛ لأنهم لا يعلمهم هؤلاء سادتهم. وفي ذلك الأزمان انتشرت الأشعرية انتشارًا كما يقولون: كانتشار الهشيم، أو كانتشار النار في الهشيم. الهشيم هو الزرع الرطب، بسرعة تنتشر فيه النار مثل التبن. التبن الذي يصلحونه كان في الطين، هذا إذا جاءت فيه النار بسرعة تحرقه كله. وهكذا انتشار الأشعرية انتشرت كثيرًا جدًا عند الناس، حتى ما كان يعرفون دينًا أو عقيدة إلا عقيدة الأشاعرة. فتولد من هذه العقيدة هذا الاعتقاد: أنه لا شرك في الألوهية، وإنما شرك في الربوبية، مع أنهم أيضًا حتى وقعوا في شرك في الربوبية؛ لأنهم يعتقدون أفعالًا من أفعال الله عز وجل، ومن خصائص الله سبحانه وتعالى، صرفوها لغير الله، لغير الله وجعلوها للمقبورين. فلهذا انتشرت هذه العقيدة، عقيدة الغلو في الصالحين، وعقيدة القبورية أيما انتشار، حتى كما قال الشيخ هنا: قال: إن من فهم هذا الباب وبابين بعده، تبين غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب. يعني كيف هؤلاء صارت قلوبهم مع أناس، ومع مخلوقين مثلهم، فلماذا لا يتوجهون إلى الخالق جل وعلا؟ لا يتوجهون إلى ربهم سبحانه وتعالى؟ يربطون قلوبهم بالله، لكن لما فسدت القلوب ارتبطت بغير الله. وهذا من سنة الله عز وجل في هذا الكون، فإذا فسد القلب ارتبط بغير الله، سواء كان بمخلوق يعبده أو يحبه، أو كذلك غيرها من هذه الارتباطات. فإذا فسد القلب ارتبط بغير الله جل وعلا، وكلما استيقظ القلب كلما ارتبط بالله. الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض، أنه كان بشبهة الصالحين، أي الغلو فيهم. وأن هؤلاء قوم صالحون. الثالثة: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك؟ مع معرفة أن الله أرسلهم. لأن السلف رحمه الله يقولون: كما جاء عن ابن عباس وعن غيره، أن هذا الشرك لم يحدث إلا في قوم نوح، وإلا ما كان قبل نوح كانوا الناس على التوحيد. ثم قال ابن عباس: بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على التوحيد، كلهم على التوحيد، ثم حصل هذا الشرك بعد جهل الناس، بعدما جهلوا الناس العلم ونسي العلم، عبدت الأصنام. فجاء ناس أولًا تعلقت قلوبهم بالصالحين، فبنوا على قبورهم، وصوروا تلك الصور، ثم عظموهم تعظيمًا حتى جاء من بعدهم فعبدهم من دون الله، فحصل هذا الشرك في قوم نوح عليه السلام. الرابعة: معرفة سبب قبول البدع مع كون الشرائع والفطرة تردها. لماذا؟ لأنها إذا شرئبت هذه العقائد في القلوب فلا تنكر. هؤلاء أهل البدع بدع كثيرة، معنا من يصدق أن الرافضة تكون من أهل الإسلام، بعيدة عن الإسلام جدًا، مبادئهم بعيدة عن الإسلام، إلا أنهم يذكرون الله فقط، وإلا فهم بعيدون عن الإسلام، لا حظ لهم في الإسلام. مع ذلك تجد أن الناس يدخلون في هذا الدين الشيعي، بل انتشر انتشارًا عظيمًا في هذه الأزمان. وهذا يدل على جهل الناس بدينهم. معنا الذي يعتقد اعتقادًا ويسري فيه هذا الاعتقاد، مثل ما قال: ذكر ابن وضاح عن ابن عيينة سفيان بن عيينة، أنه قيل: يا أبا محمد، أما ترى تجلد أهل البدع لبدعهم، تجلدون لبدعهم وانشطون لبدعهم ولا يتركونها؟ قال: ما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب زيغهم، أشربوا عبادة العجل. وإلا لو كانوا مثلًا فكروا قبل عبادة العجل، كيف يعبدون عجلًا، بقرة يعبدونها أو حيوانًا؟ بل إنهم صنعوه، يعني ليس أنه حيوان حي، لا، صنعوه. الله عز وجل يقول: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. حتى قول ما يرجع لهم القول. ولقد قال لهم هارون من قبل: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. فالمهم أن كيف يعبدون هذا الصنع، أو كيف يعبدون هذا الحيوان المصنوع؟ معنا ما يفكرون أنه ما يكلمهم أصلا، أي إله هذا؟ ما يتكلم، ولا يرد لهم إذا كلموا، ولا يسمع لهم. فكل هذه الأوصاف كيف يتخذونه إلهًا؟ لو تفكر هؤلاء عباد الأصنام أو عباد القبور أو عباد الحيوانات، أو كما هو مشهور الآن في الهند وفي غيرها عبادات كثيرة، لو تفكروا قبل أن يعبدوه لرأوا أنهم على ضلال. لكن وشربت في قلوبهم هذا الكفر، وشرب في قلوبهم البدع، صارت عندهم البدع مثل الماء، معناه يرونها أنها دين يدان به. وأيضًا كذلك أهل الشرك. فلهذا لما قيل لأبي محمد سفيان بن عيينة: أما ترى أهل البدع يتجلدون لبدعهم؟ قال: ما سمعت قول الله عز وجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. فلهذا تشربت قلوبهم البدع، تشربت قلوبهم الشرك. فهذا مقصد الشيخ رحمه الله. قال الخامس: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل. فالأول محبة الصالحين، والثاني فعل أناس من أهل العلم والدين شيئًا أرادوا به خيرًا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره. السادس: تفسير الآية التي في سورة نوح، في الأصنام: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. السابع: معرفة جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد. هذا العبد فيه إنه كان ظلومًا جهولًا. هذا العبد في الإنسان أنه ظلوم جهول، فإذا تعلم وسلك العدل، فإنه ينجو من الجبلة التي هو عليه، ويخرج من هذه الجبلة التي هو عليها. فبالعدل والعلم تقام الشرائع، تقام أيضًا الإصلاح في الناس، وبالظلم والجهل لا تقام الشرائع، ولا أيضًا يلتمس الخير. الثامنة: في إشعار لما نقل عن بعض السلف أن البدع سبب للكفر. أن البدع هو يريد الشيخ مسألة الغلو في الصالحين الآن، عباد القبور، هؤلاء عندهم غلو في مشايخهم، حتى أنه يقولون: أن المريد، يعني الطالب، يكون عند شيخه مثل المغسل، مثل الميت عند المغسل. الميت ما له حول ولا قوة، ولا شيء، ما يستطيع يفعل شيء، يقلبه الميت كيف شاء. فيقول الآن: أن المريد لا يسأل شيخه لما فعل هذا، ولما قال هذا، ولما كذا، لا يسأله أبدًا. فيكون مثل الميت عند المغسل، ما يعني يستطيع أن يقلبه كيف شاء هذا الشيخ. وهذا الذي أوقع هؤلاء في الباطل، حتى صار هؤلاء المشايخ عندهم محبة للتعظيم، للتعظيم من أنفسهم. التاسع: معرفة الشيطان بما تقول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل. معرفة الشيطان بما تقول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل، يعني ليس المراد بحسن الفعل، يعني قد يكون هؤلاء حب الصالحين، لكن لما غلوا فيهم، فإن هذا الغلو هو الذي أوقعهم فيما أوقعهم فيه. ولهذا قال: ﴿إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ﴾. أهلك من كان قبلكم الغلو. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فيأتي هذا الغلو من أشياء مشروعة أولًا، محبة الشخص، محبة الصالح، هذا ثم يتحول هذه المحبة إلى أمر أعظم في الغلو. العاشر: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه. أن الغلو في الأفاضل من أوسع أودية الباطل. الغلو في الأفاضل. الحادي عشر: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح. أن هذا العكوف يأتي بعد ذلك بما هو أعظم منه. لهذا قال: عكفوا أول شيء عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تلك الصور، ثم عبدت من دون الله. لما نسي العلم، والشيطان كان له دور في هذا الباب، فقال: له منصب في مجالسهم أنصابًا. الثاني عشر: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها؛ لأن النهي لأن التماثيل سبب من أسباب الشرك. وصوروا تلك الصور مرات، صوروها يجعلوها تماثيل، ثم عبدت من دون الله. فيقول: هذا تعظيم تعظيم الصور إلى عبادة غير الله. الثالث عشر: معرفة عظم شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها، عن قصة قوم نوح. هذه القصة لابد أن تعرف حتى لا يغفل عن هذه الأمور. وهذا الذي حصل أيضًا لبني إسرائيل، أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله. الرابع عشر: وهي أعجب العجب، قراءتهم أي هذه البدع إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله عز وجل حال بينهم وبين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال. هذا في غلاة أهل التصوف، كابن عربي وابن سبعين وغيرهما، اعتقدوا هذه الاعتقادات، اعتقدوا أن ما نهى رسوله فهو الكفر المبيح للدم. الخامس عشر: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة. التصريح بأنهم لم يريدوا إلا شفاعة، هؤلاء وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم شيء ولا يضرهم، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. السابع عشر: البيان العظيم في قوله: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم»، فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين. نهى عن الإطراء الذي يفضي إلى ما لا يحل من الكلمات الكبيرة. فهذا الإطراء كلما زاد الإطراء، كلما زادت هذه الكلمات والعبارات. الثامن عشر: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين. قال التاسع عشر: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم. ففيها بيان معرفة وجوده ومضرة فقده. التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، هذا يدل على أن العلم له أهمية، إذا وجد في الأمة وجد الخير ووجد الصلاح، وإذا رفع من الأمة تخبطت الأمة. لهذا قال هذا أوان نبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أوان يرفع العلم». قالوا: كيف؟ قال: «الأبيض وكيف يرفع يا رسول الله؟ وقد قرأنا القرآن وقرأناه نساءنا وأولادنا». فقالت: «تكلتك أمك يا أبيض، إن كنت لا ظنك أفقه أهل المدينة». فهؤلاء أهل الكتاب، فما أغنت عنهم كتبهم؟ ماذا أغنت عنهم؟ لأن علماءهم قد ذهبوا، وعلماءهم قد حرفوا، فماذا أغنت عنهم هذه الكتب؟ فلهذا هؤلاء العلم هو أوعية العلم، فإذا ذهب الوعاء، يعني إذا انكسر مثلًا الوعاء أو ذهب تلاشى هذا الوعاء، خلاص هذا الماء سيذهب كله. فلهذا فأهل العلم أوعية العلوم لهذه الحياة، إذا فقدوا جاء الأمة من الاختلاف وغيره. فلهذا العلماء هم صمام أمان أيضًا لهذه الأمة. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر صحيحين. قال: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من قلوب الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». إذا ذهب العلم كثر الجهال، وإذا قل العلم أيضًا كثر أهل الجهل، فيصير الفساد أعظم، يفتون الناس بغير علم، فيضلون ويضلون، ويضلون أنفسهم وغيرهم.