الدرس في كتاب الطهارة 24، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد، ويعد ذلك محرماً سواء أراد الاغتسال منه أم لا. الأصل في النهي هو التحريم لما فيه من ذريعة إلى تنجسه.
الماء الراكد نهي عن البول فيه لما فيه من ذريعة إلى تنجسه، بينما الماء الجاري لا بأس بالبول فيه. الماء لا يتنجس إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة وهو الراجح عند العلماء.
يناقش المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم، ويبين كيفية الاغتسال بشكل صحيح وتجنب القذر، ويشير إلى جواز الاغتسال في الماء الجاري.
يختتم المتحدث بالتنويه إلى مسألة سيتم التطرق إليها لاحقاً ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى أهمية اتباع سنته.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين، أن إسحاق القشيري رحمه الله، بصحيحه، قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، ومحمد بن رمح، وهو ابن المهاجر التجيبي، مولاهما المصري، ثقة ثبت، قال: أخبرنا الليث، وهو ابن سعد، أبو الحارث الفهمي. قال: وحدثنا قتيبة، ابن سعيد، من مراد. قتيبة من مشايخ الإمام مسلم، فهو الآن حول السند، وذكر الحديث بسند آخر، أو من طريق أخرى، من شيخ آخر. قال: وحدثنا قتيبة، وابن سعيد، ابن جميل، من طريف، أبو رجاء البغلي، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد، عن أبي الزبير، واسمه محمد بن مسلم، من تابعي ثقة، إلا أنه مدلس، وهو كثير الرواية عن جابر بن عبد الله بن حرام، رضي الله تعالى عنهما. وقبل العلماء تدليسه إذا روى عن جابر بالعنعنة، إذا كان الراوي عنه الليث بن سعد، كما في هذا السند، الليث عن أبي الزبير عن جابر، إذا كان الراوي عن أبي الزبير الليث، فإنه تقبل عنعنة أبي الزبير، لأن الليث سأله أن يحدثه بما سمعه من جابر، فأخبره به، فتحمل عنعنته على السماع، قال: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه نهى أن يبال في الماء الراكد. قال: وحدثني زهير بن حرب، أبو خيثمة، من نسائي، قال: حدثنا جرير، أبو عبد الحميد، عن هشام، وهو ابن عروة، عن ابن سيرين، وهو محمد بن سيرين، أبو بكر، وهو ثقة ثبت، من كبار التابعين، وكان إماما في السنة، قال: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يغتسل منه. قال: وحدثنا محمد بن رافع، وهو القشيري النيسابوري، ثقة عابد، وهو من مشايخ البخاري ومسلم، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، قال: حدثنا معمر، وهو ابن راشد، نزيل اليمن، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تبول في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم تغتسل منه. هذا الحديث، أو هذه الأحاديث، حديث جاء برواية أبي هريرة، في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن البول في الماء الراكد. والماء الراكد الذي لا يتحرك، كما جاء في رواية أبي هريرة: الماء الدائم الذي لا يجري، هذا تفسير وتوضيح لمعنى الدائم، أنه الماء غير الجاري، كالبرك ونحوها من الماء الذي لا يجري، فهذا الماء لا يجوز للإنسان أن يبول فيه، لا يجوز أن يبول فيه، نهى أن يبال في الماء الراكد، سواء أراد الاغتسال فيه أو لم يرد. وهكذا أيضا لا يجوز أن يبول فيه ثم يغتسل منه، فيجمع بين الأمرين، هذا أيضا لا يجوز. ولأن مثل هذا الفعل هو من الأفعال الدالة على سفه فاعله وقلة عقله، كيف يريد أن يستعمل ماء يغتسل منه ويتنظف منه ويبول فيه؟ يبول في الماء ثم يغتسل منه، هذا لا شك أنه فعل خاطئ، فلا يجوز مثل ذلك. وهل هذا النهي للكراهة أو للتحريم؟ الأصل في النهي أنه للتحريم، الأصل في النهي أنه للتحريم. وإن قال بعض العلماء أن المراد بالنهي هنا الكراهة، لكن الأصل في النهي أنه للتحريم، فالصحيح أن النهي في هذه الأحاديث على التحريم، يحرم على الإنسان أن يبول في الماء الراكد. وهل إذا بال يتنجس هذا الماء بمجرد البول؟ قال بهذا بعض أهل العلم، إلا أنهم فرقوا بين الماء الكثير والماء القليل، قالوا: فإن كان الماء قليلا فإنه ينجس بمجرد البول فيه، وإن لم تتغير أحد أوصافه الثلاثة. وإن كان كثيرا فإنه لا ينجس. ثم اختلفوا في تحديد القليل والكثير، فقال الشافعية: القليل ما كان دون القلتين، والكثير ما كان فوق القلتين. وقال الحنفية: القليل الذي إذا حرك أحد طرفيه تحرك الطرف الآخر، والكثير إذا حرك أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر. فإذا وقع البول في الماء القليل تنجس، إذا كان دون القلتين على هذا القول، أو ما كان يتحرك الطرف الآخر بتحرك الطرف الأول على القول الآخر. وإذا كان كثيرا فإنه لا يضر ولا يتنجس. والصحيح أن الماء قل أو كثر لا يتنجس إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة، لونه أو طعمه أو ريحه، سواء كان دون القلتين أو كان أكثر من القلتين. فالعبرة في تنجس الماء بتغير أحد أوصافه الثلاثة. فإذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة بهذه النجاسة فهو نجس، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء». وجاء بأحاديث إلى ما غير ريحه أو طعمه أو لونه، وهو ضعيف، لكن أجمع أهل العلم على معنى هذه الزيادة. إذن العبرة هو بالتغير، إن تغير بآلته النجاسة فهو نجس، وإن لم يتغير فهو طاهر. فإن قيل: فكيف نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد وإذا بال قلنا يجوز لك استعماله؟ نقول: وإن لم يتنجس، فإن البول فيه ذريعة إلى تنجسه، يعني إذا بال الأول ثم بال الثاني ثم الثالث، فستؤثر فيه النجاسة، ويصبح بعد ذلك نجسا. وكذلك أيضا أن البول فيه يقذر الماء، ويستقذر الإنسان يستعمل الماء الذي بال فيه أو بال به إنسان، فهو بهذا الفعل يقذر هذا الماء، ويمنع غيره من الاستعمال والانتفاع به، فلأجل هذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. وهذا النهي عن البول في الماء سواء كان مباشرة أن يبول في الماء مباشرة، أو أن يبول بجانب محل الماء ثم يسيل هذا البول ويقع في الماء، أو يبول في قصعة ثم يسكبها في الماء، كل ذلك منهي عنه، لا فرق بين أن يبول مباشرة أو أن يصب البول في الماء. وأشد منه الغائط، إذا كان البول لا يجوز وهو نجس، فالغائط من باب أولى، وهو نجس وأشد نجاسة من البول. هذا قول عامة أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية، فالظاهرية قالوا: أنه إنما هو خاص بالبول في الماء الراكد، أما إذا بال في قصعة وصبها في الماء ما يضر، وهكذا التغوط، قالوا: ما يضر. اللفظ «لا يبول» خاص بالبول، أما الغائط ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا لا شك أنه من الجمود الذي عندهم في الأخذ بظواهر النصوص من غير نظر إلى المعاني، وهذا لا شك أنه خطأ، وخالف فيه جماهير أهل العلم في تحريم مثل ذلك، وهو الصحيح. وقوله عليه الصلاة والسلام: «أن يبال في الماء الراكد»، مفهوم المخالفة أن الماء الجاري لا بأس أن يبال فيه، وهو كذلك، كماء البحر وماء الأنهار الجارية، هذه لا تؤثر فيها النجاسة، فلهذا كان النهي خاصا بالماء الراكد الذي لا يجري، إذا الماء الجاري لا بأس بالبول فيه، ماء البحر، ماء النهر. قال رحمه الله: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، وهو أبو جعفر، نزيل مصر، ثقة فاضل، قال: وأبو الطاهر، وهو أحمد بن عمر، ثقة. وأبو الطاهر أخرج له إمام مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. قال: وأحمد بن عيسى، وهو ابن حسان المصري، يعرف بابن التستري. وهم الرجال البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. وهناك أحمد بن عيسى التنيسي المصري، وهو ليس بالقوي، هذا التستري، وذاك التنيسي، قالا جميعا عن ابن وهب، هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، أبو محمد المصري، قال فيه الحافظ رحمه الله: الفقيه، ثقة، حافظ، عابد، وقد روى له الجماعة. قال هارون: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث، وابن يعقوب الأنصاري، مولاهما المصري، أبو أيوب، ثقة، فقيه، حافظ. وكذلك أيضا عمر بن الحارث أخرج له الجماعة، عن بكير بن الأشج، وهو بكير بن عبد الله بن الأشج، مولى بني مخزوم، أبو عبد الله، يقال أبو يوسف المدني، نزيل مصر، وأيضا ثقة، وأخرج له الجماعة، أن أبا السائب، مولى هشام بن زهرة، وأبو السائب لا يعرف اسمه، ومشهور بكنيته. والسند كما ترون كله مصريون. قال: أنه حدث أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». قال: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا. هذا الحديث فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن اغتسال المرء إذا كان جنبا في الماء الدائم، يعني الماء الذي لا يجري، يأتي فيغتسل فيه وهو على جنابة، كالبرك ونحوها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» وهو جنب جملة اسمية من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، يعني حال كونه جنبا. فهذا النهي إذا كان الإنسان على جنابة فلا يغتسل في الماء الدائم، لا يغتسل في الماء الدائم. كيف يفعل إذا؟ قال: أن يغتسل كما قال أبو هريرة: يتناوله تناولا، يغرف من الماء ويصب على جسده حتى يغتسل. وهل ذلك لأجل تنجيس الماء؟ الجواب أنه لو اغتسل فإن الماء لا ينجس كما علمنا أن الماء لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة، والمؤمن لا ينجس كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما لقي أبا هريرة، فذهب أبو هريرة رضي الله عنه فاغتسل ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لما سأله أبو سلمة: إن ذهب؟ قال: كنت على جنابة، فكرهت أن ألقاه وأنا على جنابة، أو قال: أنا على نجاسة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن لا ينجس»، إن المؤمن لا ينجس، إذا المؤمن طاهر حتى ولو كان على جنابة. لكن هذا لأجل عدم تقدير الماء، هو إن لم يتنجس الماء ربما يحصل فيه شيء من القذر من بقايا الجنابة أو نحو ذلك، فإذا حصل التتابع وانتقال هذا وهذا وهذا فيحصل شيء من التقدير للماء، فلأجل ذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. فالحل أنه يغتسل خارج الماء ثم يغتسل داخل الماء بعد أن يغتسل في الخارج، فلو بعد ذلك إذا زالت الجنابة أن يغتسل في الماء الدائم. وقوله «في الماء الدائم» مفهومه أن الماء الجاري لا بأس يغتسل في الماء الجاري، في ماء البحر أو النهر أو نحو ذلك وهو على جنابة، ليس بهذا مانع. وهل هذا فيه دليل على عدم استعمال الماء المستعمل؟ الجواب: ليس فيه دليل، فالماء المستعمل على الصحيح أنه طاهر، ويجوز للإنسان أن يستعمله، سواء كان برفع الحدث الأكبر أو الأصغر، على الصحيح. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يغتسل هو وأزواجه من إناء واحد، يغترفان منه جميعا. واغتسل النبي صلى الله عليه وسلم بفضل ميمونة. ولعل الكلام على هذه المسألة تأتي إن شاء الله في موضعها. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.