كتاب الطهارة 25

كتاب الطهارة 25

الدرس في كتاب الطهارة 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

قصة الأعرابي وتعامل النبي معه

يروي أنس بن مالك قصة الأعرابي الذي بال في المسجد وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الموقف بترك الأعرابي يكمل بوله ثم تطهير المكان. هذا يدل على الرفق في التعامل مع الناس.

دلالات قصة الأعرابي في المسجد

القصة تحمل دروساً حول الرفق في التعامل ومراعاة حال الناس، حيث نهى النبي عن قطع البول على الأعرابي وأمر بتطهير المكان بالماء بعد ذلك. هذا يعلم المسلمين كيفية التعامل برفق مع المخطئين.

تطهير الأرض من النجاسات

يتم تطهير الأرض من النجاسات بصب الماء على موضع النجاسة، وإذا كانت النجاسة لها جرم فيزال أولاً ثم يغسل المحل بالماء. هذا مأخوذ من تعامل النبي مع بول الأعرابي في المسجد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق والمسلمين أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حدثنا قتيبة بن سعيد وهو ابن جليل بن طريف أبو رجاء البغلاني قال: حدثنا حماد وهو ابن زيد حماد بن زيد نعم ابن درهم بن جهر من أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت قال: عن ثابت وهو ابن أسلم البناني أبو محمد البصري ثقة عابد عن أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصاري: أن أعرابياً بال في المسجد فقام إليه بعض القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه ولا تنزعجوه». قال: فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبه عليه. وما «لا تنزعجوه» يعني لا تقطعوا عليه بوله. قال: حدثنا محمد بن المثنى وهو أبو موسى العنزي الملقب بالزمن مشهور باسمه وقبيلته قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان وهو يحيى بن سعيد بن فروخ أبو سعيد القطان إمام من أئمة الجرح والتعديل قال: عن يحيى بن سعيد الأنصاري وهو يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري أبو سعيد قاضي ثقة ثبت قال: حدثنا يحيى بن يحيى وحدثنا يحيى بن يحيى وهو التميمي وقتيبة بن سعيد جميعاً عن الدراوردي وهو عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي أبو محمد مدني. قال يحيى بن يحيى: أخبرنا عبد العزيز بن محمد المدني وهو الدراوردي قال: عن يحيى بن سعيد أنه سمع أنس بن مالك يذكر: أن أعرابياً قام إلى ناحية في المسجد فبال فيها فزجره الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه». فلما فرغ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنوب فصب على بوله. قال: حدثنا سعيد بن حرب أبو خيثمة النسائي قال: حدثنا عمر بن يونس وابن القاسم اليماني ثقة قال: حدثنا عكرمة بن عمار وهو العجلي أبو عمار اليماني وأصله من البصرة قال: حدثنا إسحاق بن أبي طلحة وهو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني قال: حدثني أنس بن مالك وهو عم إسحاق قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه. يعني هذه كلمة إنكار ومعناها كف عن هذا كلمة زجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنزعجوه دعوه». فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن». أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه. هذا حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بقصة الأعرابي الذي بال في المسجد. كما سمعنا أن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا عليه بوله في المسجد حتى أرادوا أن يمنعوه فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يمنعوه من إكمال بوله حتى فرغ من بوله. فدعا النبي عليه الصلاة والسلام بذنوب من ماء فصب على هذا البول. وفي الرواية الأخيرة بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه المساجد لا تصلح فيها لشيء من هذه النجاسات من بول أو قذر نحوها وإنما أقيمت لذكر الله جل وعلا والصلاة وقراءة القرآن. وهذا الحديث فيه أولاً: النهي عن البول وما كان بمعنى من أمور النجاسات أن تفعل في المسجد. فلا يجوز للإنسان أن يلوث المسجد بشيء من نجاسات ببول أو غائط نحو ذلك من النجاسات. وهذا فيه معنى وجوب تطهير المسجد والمحافظة على طهارته ونظافته وذلك لأن المساجد بيوت الله وهي أشرف البيوت وأفضلها وأكملها. وإذا كان الإنسان لا يرضى بوضع النجاسة ببيته فكيف ببيت الله جل وعلا وهي أقيمت لذكر الله جل وعلا وعبادته وطاعته. وأكد أيضاً فيما عليه الأعراب من غلبة الجفاء والجهل. والأعراب وسكان البادية الذين يسكنون في البوادي يغلب عليهم الجفاء والجهل لبعدهم عن المدن وعن مجالس العلم إلا من رحم الله سبحانه وتعالى منهم. وفيه كذلك أيضاً الإنكار على من فعل نحو ذلك من وضع شيء من النجاسات في المسجد. الأصل أنه ينكر ذلك لأن وضع النجاسة في المسجد هذا أمر منكر. لكن بعد ذلك يراعى مسألة المصالح والمفاسد كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع هذا الأعرابي. ورد الصحابة منعه كان في منعه مفسدة أعظم من تركه يبول حتى يكمل بوله. فراعى النبي عليه الصلاة والسلام دفع هذه المفسدة أو التنازل بفعل هذه المفسدة لدفع مفسدة أعلى منها. ولهذا تدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة من قواعد الشرعية وهي ارتكاب أذنى المفسدتين لدفع أعلاهما. ووجه ذلك أن هذا الأعرابي إذا منع من البول في أثناء البول سيقطع فينتشر البول في ألف من الموضع. فبدلاً من أن تكون النجاسة في موضع واحد ستكون في مواضع متعددة ولا شك أن هذه المفسدة أعظم. وهذا أيضاً أنه ربما يقطع بوله فيتأذى صحياً كما ذكر أهل الطب أن قطع البول وعدم إكماله سبب لإصابة الإنسان بشيء من الأمراض. فلهذا كان من المصلحة أن يكمل بوله. كذلك أيضاً أمر ثالث وهو فيه الرفق معه بالتعامل لأنه قد يكون عنده شيء من الجهل. فتركه ليكمل بوله هذا فيه رفق به وعدم غضب عليه حتى لا يكون سبباً في نفوره وعدم قبول النصيحة وبيان الحق والهدى له. فلأجل هذه المفاسد تركه النبي عليه الصلاة والسلام يكمل بوله حتى انتهى. فهو دليل واضح على هذه القاعدة الشرعية ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. وفيه كذلك أيضاً مكانة النبي عليه الصلاة والسلام من الرفق والشفقة والحكمة في دعوته والتعامل مع الناس. فهذا من رفقه عليه الصلاة والسلام وحكمته أنه تركه يكمل بوله حتى انتهى ثم بين له حرمة هذا الفعل. فكان هذا سبب استجابته وقبوله ذلك حتى جاء في بعض الروايات أن هذا الأعرابي قال لما بين له النبي صلى الله عليه وسلم حرمة هذا الفعل: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً». لماذا؟ لما رأى من حسن معاملة النبي عليه الصلاة والسلام والرفق والرحمة به. وفيه بيان أن هذه المساجد وبيوت الله جل وعلا لم تبن إلا لذكر الله وعبادته وطاعته. وهذا رد وإبطال لما يفعله أهل البدع والأهواء في بيوت الله جل وعلا من البدع والمحدثات والطواف والرقص والغناء وغير ذلك من مثل هذه الأمور المحرمة. فإن هذا لم تبن له المساجد. لم تبن المساجد لأجل التغني والإنشاد وضرب الطبول والدفوف وكذلك الرقص والتحريك كما يفعله المتصوفة. هذا من البدع والمحدثات المنكرة التي ينبغي أن تنزه عنها المساجد. فإن هذه المساجد أقيمت لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن. وفيه أيضاً تطهير النجاسة بالماء. تطهير البول ونحوه من نجاسات بالماء. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعد أن بال هذا الأعرابي بدلو من ماء فصب على موضع البول. وهذا إذا كانت الأرض رخوة كأرض من حصر أو رمل فإذا أريد تطهيرها من البول ونحوه من نجاسات التي ليس لها جرم فإنه يصب عليها الماء صباً فتنزل النجاسة إلى أسفل مع الماء ويحصل بذلك تطهيرها. وأما إن كانت الأرض صلبة كالأرض البلاط أو الأرض المفروشة فهذه يصب عليها الماء ويغسل حتى تزول النجاسة. فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان مفروشاً بالحصى فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصب الماء على موضع البول فيخرج الماء مع البول إلى الأسفل ويحصل بذلك تطهير الأرض. وإن كانت صلبة فتغسل يصب عليها الماء وتغسل. وإن كان لهذه النجاسة جرم كالغائط فإنه يزال هذا الجرم ثم يغسل بخية المحل بالماء ويحصل بذلك تطهيره. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.