الدرس في كتاب الصلاة 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتم تعريف الصلاة والأذان في اللغة والشرع، حيث تُعرّف الصلاة بأنها الدعاء لغةً وعبادة ذات أقوال وأفعال شرعًا. الأذان يُعرّف بالإعلام لغةً والإعلام بدخول وقت الصلاة شرعًا.
يشرح المقطع قصة الأذان الأول وتشاور المسلمين في كيفية الإعلام بوقت الصلاة، واستقرار الأمر على نداء بلال بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. كما يبرز أهمية التشاور بين المسلمين.
يناقش المقطع مشروعية الأذان واستحبابه، والحكمة من مشروعيته في الإسلام، مثل الإعلام بدخول وقت الصلاة والدعوة إلى الجماعة لتحقيق فلاح الناس وسعادتهم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم: من الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صيحة كتاب الصلاة: وكتاب على وزن فعال، بمعنى مفعول، فكتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في ذكر أحاديث الصلاة. والصلاة لغة بمعنى الدعاء. الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، قال الله جل وعلا: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾، صل عليهم يعني أدع لهم. وهكذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم»، فليصل يعني يدعو لصاحب الطعام. وتقول القائلة: يا رب جنب، تقول ابنتي، يقول القائل: تقول ابنتي، وقد قررت مرتحلة، يا رب جنب أبي الأنصاب والوجع، عليك مثل الذي صليت، فاغتنمي نوما، فإن لجنب المرء مضطجعا، الشاهد قوله: عليك مثل الذي صليت، يعني مثل الذي دعوت. فالصلاة في اللغة بمعنى الدعاء. وأما في الشرع، فهي عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. وهنا سيذكر المؤلف رحمه الله الأحاديث المتعلقة بكتاب الصلاة، وأول ما سيبدأ بذكر أحاديث الأذان المتعلقة بالأذان. والأذان في اللغة الإعلام، قال الله جل وعلا: ﴿وأذان من الله ورسوله﴾، أي إعلام من الله ورسوله. فالأذان هو الإعلام شرعا، الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة. قال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وهو إسحاق بن راهويه، قال: حدثنا محمد بن بكر، وهو ابن عثمان، أبو عبد الله، ويقال أبو عثمان البصري، قال ابن معين: كان غريفا، صاحب أدب، ووثقه ابن معين رحمه الله. وحدثنا محمد بن رافع، وهو ابن أبي زيد، واسمه أبي زيد سابور القشيري، وروى عنه الجماعة سواء ابن ماجة. من المراد بالجماعة؟ أصحاب الكتب الستة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، إلا أنه قال: سواء ابن ماجة، الإمام ابن ماجة ما روى عنه، وروى عنه البقية. والبخاري روى له سبعة عشر حديثا، والإمام مسلم روى عنه ثلاثمائة وستون حديثا. قال: حدثنا عبد الرزاق وابن همام الصنعاني، صاحب المصنف، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: يعني عبد الرزاق ومحمد بن بكر في السند الأول، قالا: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك ابن جريج، ثقة إلا أنه مدلس. وحدثني هارون بن عبد الله، واللفظ له، وهو ابن مروان البغدادي، أبو موسى البزاز، الحافظ، البزاز نسبة إلى بيع البز، وهو ثياب. معنى هذا أن هارون بن عبد الله كان يبيع الثياب، وكثير من المحدثين تجدهم يذكرون وينسبون إلى بعض الحرف: البزاز، الزياب، الحناط، الحذاء، ونحو ذلك. فكانوا رحمهم الله يعملون ويكتسبون بأيديهم، ولم يعد ذلك عيبا ولا نقصا في حقهم، بل كانوا يفتخرون بذلك أنهم يعملون ويكتسبون من المال الحلال ما يسد حاجتهم، ويطلبون العلم حتى صاروا علماء. قال: حدثني هارون بن عبد الله، وهو كما قلنا ابن مروان البغدادي، أبو موسى البزاز، الحافظ، روى عنه الجماعة سوى البخاري، قال: واللفظ له، قال: حدثنا حجاج بن محمد، وهو المصيصي الأعور، وحجاج بن محمد قرأ على ابن جريج، يعني لم يسمع منه، وإنما قرأ عليه، أي عرض عليه أحاديثه. ولهذا كثير ما يقول: قال ابن جريج، وسمع التفسير من ابن جريج إملاء، وقرأ عليه بقية الكتب، وهو ثقة إلا أنه اختلط في آخر أمره. قال: قال ابن جريج: أخبرني نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلوات، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بلال، قم فنادي بالصلاة». هذا الحديث يخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن المسلمين لما قدموا المدينة، كانوا يجتمعون فيتحينون الصلوات، معنى يتحينون يعني يلتمسون ويقدرون وقت الصلاة، لم يكن في ذلك الوقت أذان، فكانوا يتحينون ويقدرون وقت الصلاة، فيأتون إليها، وليس ينادي بها أحد، يعني لم يكن هناك نداء للصلاة الذي هو الأذان. فتكلموا يوما في ذلك، يعني تشاوروا ما نصنع حتى نعلم بوقت الصلاة ونجتمع لها، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، الناقوس الذي يضرب به النصارى لأوقات الصلاة، وهي مثل الحديدة تضرب في حديدة فتصدر صوتا، فإذا سمع يعلم أن المطلوب الآن الاجتماع. فقال بعضهم: نفعل مثل النصارى، وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود، والقرن البوق الذي ينفخ فيه فيصاح فيه حتى يعلم وقت الصلاة. فقال عمر رضي الله عنه: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ يعني ابعثوا رجلا ينادي الصلاة الصلاة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا بلال، قم فنادي بالصلاة». ظاهر هذا الحديث أن هذا النداء قبل أن يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بلالا أن ينادي للصلاة بأذان الصلاة المعروفة بألفاظ الأذان المعروفة التي رآها عبد الله بن زيد بن عبد ربه في منامه، وقرأ النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في سنن أبي داود والترمذي، في حديث عبد الله بن الزيد بن عبد ربه، أنه نام فرأى مناديا ينادي بالصلاة بألفاظ الأذان المعروفة، فجاء للنبي عليه الصلاة والسلام فأخبره بذلك، ووافق ذلك كذلك عمر رضي الله عنه، أنه رأى مثل ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أعلمها بلالا، فإنه أندى صوتا منك»، يعني صوته أقوى وأعلى، فعلمه هذه الألفاظ حتى ينادي بها. وإلا قبل ذلك كما سمعنا لم يكن ينادى للصلاة. وهذا الحديث فيه مشروعية التشاور بين المسلمين، والنظر في الأصلح في أمورهم مما يحتاجون فيه إلى مشاورة. والله عز وجل يقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، وأمرهم شورى بينهم. وكذلك أيضا يقول الله عز وجل آمرا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك: ﴿وشاورهم في الأمر﴾، وشاورهم في الأمر. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام في كثير من الوقائع لا يقدم على أمر حتى يشاور أصحابه وكبار الصحابة كأمثال أبي بكر وعمر ونحوهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والشورى ليست هي كالانتخابات، لأن الانتخابات أولا هي أمر محدث، ما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة ولا من بعدهم للقرون المفضلة، وإنما شيء أحدث بعد ذلك. بخلاف الشورى فهي مشروعة، ثم إن الانتخابات تساوي بين قول الرجل والمرأة، تجعل قول الرجل مثل قول المرأة، والله عز وجل يقول: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾، وتساوي بين قول الفاجر والصالح، والله عز وجل يقول: ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾، قليلا ما تتذكرون. وأيضا تكون مع كل من هب ودب، مع الجاهل والفاسق والعاصي والصالح، خلاف الشورى تكون مع أهل الحل والعقد، ففرق كبير بين الانتخابات وبين الشورى. ومن التلبيس أن يقال: إن الانتخابات من الشورى، يسدلها بأدلة الشورى، ففرق بين الأمرين. وفيه كذلك أيضا مخالفة هذه الشريعة العظيمة لليهود والنصارى، مخالفة هذه الشريعة لليهود والنصارى في كثير من الأحكام، خال فيها النبي عليه الصلاة والسلام اليهود والنصارى، ومنها كذلك أيضا في أمر الأذان، فالنصارى كانوا يضربون بالناقوس، واليهود يستعملون البوق في اجتماعهم لعبادتهم. وشرع لنا في الإسلام أن نجتمع لها عن طريق الأذان، وهذه مخالفة لليهود والنصارى في عباداتهم. ولهذا وردت الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة الآمرة بمخالفة الكفار وأهل الكتاب، وعدم متابعة اليهود والنصارى. واستدل به بعض أهل العلم كذلك على أن من قام للأذان أو أراد أن يؤذن وجب عليه أن يقوم قائما. واستدل بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «يا بلال، قم فنادي بالصلاة»، يا بلال قم فنادي بالصلاة، قالوا: هذا أمر لبلال بالقيام، فيدل على وجوب القيام عند الأذان. لكن هذا كما سمعنا لم يكن عند ذكر بلال لألفاظ الأذان، وإنما كان المقصود هو الإعلام بوقت الصلاة بالمناداة لها. لأن قد يستدل على مشروعية القيام بأدلة أخرى، مثل حديث ما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، لأنه رأى بلالا رضي الله عنه يؤذن قائما، أنه يؤذن قائما الحديث. وكذلك أيضا يؤذن غيره من الأحاديث الواردة في ذكر أذان بلال قائما. وهذه أقل ما تدل على الاستحباب، وعلى هذا فالصحيح أن القيام في الأذان مستحب، فمن أذن وهو جالس فأذانه صحيح، لأن الإعلام حصل بألفاظ الأذان، لكن المستحب أن يؤذن وهو قائم، إن كان معذورا فلا بأس أن يجلس ويؤذن وهو جالس. وكذلك أيضا استحباب اتخاذ مؤذن ذي صوت مرتفع وقوي حتى يحصل به المقصود من التبليغ بالأذان. ولهذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم بلالا لأجل هذا، كما في سنن أبي داود، قال: «علمه الأذان، فإنه أندى صوتا منك»، أندى صوتا منك. وذكر الإمام النووي رحمه الله ناقلا عن أهل العلم الحكمة من مشروعية الأذان، قال: ذكر العلماء أربعة أشياء تدل على الحكمة من الأذان. أولها: إظهار شعار الإسلام، فالأذان من شعار الإسلام، بل هو من أعظم شعارات الإسلام الظاهرة التي تدل على أن هذه البلدة بلدة إسلام. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يغير على بلد انتظر في الفجر، فإن سمع أذانا ترك، وإن لم يسمع أذانا أغار، إذا سمع أذانا هذا علامة على أنها بلدة إسلام، أن أهل هذه القرية مسلمون. والأمر الثاني كذلك: إعلاء كلمة التوحيد، لأن الأذان اجتمع على كلمتي التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، تعلن ويرفع بها الأذان، ويرفع بها الصوت، وتكرر في كل يوم خمس مرات. والأمر الثالث: الإعلام بدخول وقت الصلاة، وأيضا بمكانها، أن هذا المكان معد للصلاة، فيعلم عن طريق الأذان أن وقت الصلاة قد دخل، وأن هذا الموضع مكانا معدا للصلاة. والأمر الرابع: الدعاء إلى الجماعة، فالمنادي المؤذن ينادي الناس إلى صلاة الجماعة: حيا على الصلاة، حيا على الفلاح، حيا أقبلوا، ألموا، تعالوا إلى ما فيه فلاحكم، وما فيه نجاتكم، وما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة. فهذه من حكم مشروعية الأذان. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.