شرح عقيدة السلف للصابوني 71

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 71، ألقاها

مقدمة في مسائل اجتهادية في الصلاة

يتناول المقطع آراء الإمام الصابون في مسائل اجتهادية متعلقة بالصلاة، ويبين أهمية المسارعة إلى الخيرات. يشمل ذلك أمورًا تتجاوز العقائد إلى الأحكام العملية في الصلاة.

وجوب قراءة فاتحة الكتاب والطمأنينة في الصلاة

اختلف العلماء في قراءة الإمام في الصلاة الجهرية، والأظهر وجوب قراءة فاتحة الكتاب. اتفق جمهور العلماء على وجوب الطمأنينة في الصلاة، وخالف أبو حنيفة في ذلك.

أسباب ورود مسائل فقهية في كتب الاعتقاد والإنكار في مسائل الخلاف

يتناول المقطع أسباب ورود مسائل فقهية في كتب الاعتقاد، ويبين أن الإنكار يكون في مسائل الخلاف التي تخالف نصًا صحيحًا صريحًا. يشمل ذلك تقسيم العلماء للخلاف إلى أقسام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادِ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أصابون رحمه الله: «ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات، ويوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام، ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتمًا واجبًا، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما، والارتفاع من الركوع والانتصاب منه والطمأنينة فيه، وكذلك الارتفاع من السجود والجلوس بين السجدتين مطمئنًا فيه، من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها». الإمام الصابون رحمه الله تعالى تطرق واستطرد في ذكر المسائل الاجتهادية ومسائل الأحكام ضمن هذا المعتقد. وفي هذا بيان من أن عقيدة أهل السنة والجماعة ليست هي مجرد أمور العقائد فحسب، بل هي أعم من ذلك، فيدخل فيها بهذا الاعتبار كل ما يجب على الإنسان أن يعتقد وجوبه، أو ما يعتقد استحبابه مما أمر الله جل وعلا به، سواء كان أمر إيجاب أم أمر استحباب. وبهذا الاعتبار اعتقاد ذلك من جملة ما يدخل في باب العقيدة. لذا، كما ترون، قال: «ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات وإقامتها في أول الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات». وهذه مسألة، كما تعلمون، مسألة اجتهادية. ولكن لعله - والله أعلى وأعلم - أراد لفت النظر إلى ما تقدم ذكره من أن أهل السنة والجماعة من عقائدهم المسارعة في الخيرات، امتثالًا لأمر الله تبارك وتعالى. وإن كان بعضهم ربما يتأخر لأمر أو لآخر، لسبب أو لآخر، ولكن من حيث الاعتقاد يرون أن المسارعة في أعمال الخيرات هو الأفضل، وهو الأحسن، وهو الأعظم. فهو باعتبار الاعتقاد متفقون على هذا المعنى، وإن كان من حيث العمل ربما يتخلف الإنسان عن شيء من ذلك لأمر أو لآخر. وقوله رحمه الله تعالى: «ويوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام، ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتمًا واجبًا» إلى آخر ما ذكره رحمه الله، هذه المسألة كذلك من مسائل الاجتهادية. والذي عليه الجمهور، كما هو معلوم في باب الفقه، أن قراءة الفاتحة واجبة، ولا سيما إذا كان في صلاة السرية، واجبة على الإمام وعلى المأموم. فقوله: «خلف الإمام» يُحمل على الصلاة السرية. فإنهم - أي جمهور العلماء - على أن الصلاة السرية، أي صلاة الظهر والعصر، يجب على الإمام والمأموم أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، خلافًا للحنفية. وأما في الصلاة الجهرية، فوقع خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى. فمنهم من يرى أن قراءة الإمام في الصلاة الجهرية له قراءة، ومنهم من يرى التعميم والعموم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وهذا عام، سواء كان في الصلاة الجهرية أو السرية، وسواء كان منفردًا أو كان في جماعة. وهذا هو الأظهر من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى. فقوله رحمه الله تعالى: «ويوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام» إلى آخر ما ذكره رحمه الله، يُحمل على ما تقدم ذكره. وقوله رحمه الله تعالى: «ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتمًا واجبًا، ويعدون إتمام الركوع والسجود» إلى آخره، أما هذا الأمر فهو محل اتفاق بين جمهور العلماء أيضًا. أي الجماهير، جماهير العلماء أو أكثر وعامة العلماء رحمهم الله تعالى متفقون على هذا المعنى، أي على وجوب الطمأنينة في الصلاة، في الركوع والرفع من الركوع، والسجود والرفع من السجود، إلى غير ذلك، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، في حديث المسيء في صلاته، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقمت الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها». فأشهد من هذا أن هذه أركان، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، المذكورة في حديث المسيء في صلاته، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء عند أبي داود وغيره من حديث رفاعة بن رافع. وهذا، كما سمعتم، جماهير العلماء ذهبوا إلى هذا المعنى، خلافًا لأبي حنيفة ومن ذهب إلى مذهبه. فإنهم في هذا الباب عندهم، كما يقال، شيء من المخالفة، باعتبار أنهم لا يرون الطمأنينة في مسألة الركوع والسجود. وهذا في الحقيقة الخلاف من الخلاف الذي يخالف النص. وبالنسبة لأصحاب أبي حنيفة، هذا مذهب فقه مشهور من مذاهب الفقهاء رحمهم الله تعالى. لكن الخطب كل الخطب أن هذا الفعل صار شعارًا للرافضة. لعل الإمام الصابون رحمه الله تعالى أراد أن يلفت النظر إلى هذه المسألة لأجل خلاف الرافضة فيها. فإن الرافضة لا يرون الإطمئنان في الصلاة، فتراهم ينقرون الصلاة نقرًا، لا طمأنينة في الركوع، ولا السجود، ولا القيام، ولا غير ذلك. وفي الحقيقة أن من كانت صلاته كذلك، فصلاته باطلة. جاء في صحيح البخاري أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه رأى رجلًا يصلي لا يطمئن في ركوعه ولا سجوده، فقال له حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه: «أما إنك لو مت على هذه الصلاة لمت على خلاف الفطرة»، أو قال: «لمت على غير الفطرة». وهذا فيه إشارة إلى أن صلاته ليست بصحيحة ولا مقبولة. فلعل الإمام أصابون رحمه الله تعالى نظر إلى هذا المعنى، إلى خلاف الرافضة، فذكر هذا المبحث وهذه المسائل في كتاب الاعتقاد للفت النظر إلى خلاف الرافضة فيها. كما أن غيرهم من العلماء من الأئمة رحمهم الله تعالى ربما ذكروا بعض المسائل الخلافية أو المسائل الاجتهادية أو المسائل الفقهية في كتب الاعتقاد، بسبب ما وقع فيها من خلاف أهل البدع، أو صار شعارًا لأهل البدع، كمسألة المسح على الخفين. كثير من من ألف في كتب الاعتقاد يذكر هذه المسألة، يقول: «ويعتقد أهل السنة والجماعة جواز المسح على الخفين». لماذا؟ لخلاف الرافضة. فلعله رحمه الله تعالى أراد لفت النظر إلى هذا المعنى. والله أعلى وأعلم، هذا احتمال. واحتمال أول، أو احتمال آخر، وما ذكر أولًا أن هذه المسألة وإن كانت فقهية، إلا أنها من باب الاعتقاد، من حيث أن الإنسان يجب عليه أن يعتقد ما أوجبه الله، يعتقد وجوبه، وما جعله الله جل وعلا مستحبًا يعتقد استحبابه، وما شابه ذلك. هذا متعلق بماذا؟ بالعقائد. هذا معنى ثاني. ومعنى ثالث، قد يوجه إليه كلام الصابون رحمه الله تعالى، بأن يقال: بأن الخلاف، كما هو معلوم، يذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن العلماء يقسمون الخلاف أو الاختلاف بين العلماء إلى ثلاثة أقسام: إلى خلاف أفهام، وإلى خلاف تنوع، وإلى خلاف تضاد. والأول والثاني جائز وسائغ، والممنوع والمحظور والمحرم هو النوع الثالث. ما هو النوع الثالث؟ النوع الثالث هو خلاف التضاد. وخلاف التضاد، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، هو أن يخالف نصًا واضحًا صريحًا، أو أن يخالف إنسان نصًا صريحًا واضحًا. فلعل الإمام الصابون رحمه الله تعالى كذلك لفت إلى هذا المعنى، إلى أن من خالف في هذه المسائل فإن قوله مردود، وقوله مما ينكر، لأن المسائل ليست كل مسألة يسوغ فيها الخلاف. يقال: الخلاف فيها سائغ، الخلاف فيها واسع. ليست كل مسألة وقع فيها الخلاف، الخلاف فيها سائغ ولا جائز. ومن باب الفائدة والتنبيه، ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى فائدة، وهي أن هناك فرقًا بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف. فقال: «مسائل الاجتهاد لا ينكر فيها على المخالف». مسائل الاجتهاد لا ينكر فيها على المخالف، ومسائل الاجتهاد هي من النوعين السابقين، إما من خلاف الأفهام أو من خلاف التنوع. فهذا لا يجوز فيها في تلك المسائل أن ينكر على المخالف. لماذا؟ لا احتمال الصواب أن يكون معه. وأما مسائل الخلاف، فإنهم ينكرون فيها على المخالف. ومسائل الخلاف، كما ذكر رحمه الله تعالى، قال: «كأن يخالف نصًا واضحًا صريحًا ثابتًا». أن يخالف نصًا صحيحًا صريحًا، فمثل هذا ينكر فيها على المخالف. لا يقول: «هذه مسألة اجتهادية والأمر فيها واسع». لا ينكر فيها على من خالف. فمثلًا إذا جاءنا إنسان فرأيناه مثلًا يقول: «مسألة الطمأنينة في الصلاة الأمر واسع فيها»، نقول: «لا، الطمأنينة في الصلاة واجب، ومن خالف ذلك فقوله مردود». واضح، جماعة قوله مردود. لماذا قوله مردود؟ لأنه خالف نصًا صحيحًا صريحًا. فالإنكار في مسائل الخلاف، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على