كتاب المساجد ومواضع الصلاة 4

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 4

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

بناء مسجد الرسول وتاريخه

نزل رسول الله في حي بني عمرو بن عوف، ثم أمر ببناء المسجد في حائط لبني النجار بعد تنازلهم عن ثمنه. تم إعداد الموقع بإزالة النخل وقبور المشركين والخراب.

أهمية المسجد في الإسلام

المسجد له أهمية كبيرة في الإسلام كموضع للصلاة والعبادة والعلم، وكان النبي يصلي في أي موضع طاهر قبل بناء المسجد. أمر الله تعالى بالصلاة وجعلها فريضة على المسلمين.

أحكام التعامل مع المقابر والكفار

يجوز قطع النخل وتحريقه تنكيلا بالكفار، ونبش قبور المشركين لإقامة مصالح المسلمين، وبيع الأرض بعد إزالة القبور إذا لم تكن وقفا. كما يجوز الارتجاز لتحميس الناس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وشيبان بن فروخ، كلاهما عن عبد الوارث، قال يحيى: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي التياح الضبعي، وهو يزيد الأنصاري، قال: حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فنزل في علو المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم إنه أرسل إلى ملأ بني النجار -يعني إلى أشرافهم- فجاءوا متقلدين بسيوفهم -أي واضعين السيوف على أكتافهم- إظهارا لنصرتهم للنبي عليه الصلاة والسلام، وإغاظة لأعدائه من اليهود والمشركين. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، وأبو بكر ردفه -يعني راكبا خلفه- وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب -يعني الساحة التي أمام البيت- أبو أيوب وهو خالد بن زيد الأنصاري، صحابي جليل. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة -يعني إذا جاء وقت الصلاة في أي موضع صلى فيه النبي عليه الصلاة والسلام لأنه لم يبن المسجد بعد- قال: ويصلي في مرابض الغنم. مرابض الغنم هي المواضع التي تبرك فيها الأغنام وتجلس فيها. قال: ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا، فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا -ثامنوني يعني بيعوه لي، كم تريدون ثمنا مقابل هذا الحائط وهذه الأرض؟- قال: هذا. قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله -يعني يريدون الأجر والثواب من الله، لا يريدون شيئا من عرض الدنيا-. قال أنس: فكان فيه ما أقول، كان فيه نخل، وقبور المشركين، وخرب. الخرب: بالفتح وكسر الراء، وبكسر الخاء وفتح الراء، يقال: خرب وخرب، والخرب هي البناء الآيل للخراب، وتكسر. قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخراب فسويت. قال: فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة -عضادتيه يعني جانبي الباب، جعلوا جانبي الباب حجارة- قال: فكانوا يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، وهم يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة. قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثني أبو التياح، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد. قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا خالد -يعني ابن الحارث- قال: حدثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أنسا يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في ذكره لقصة بناء النبي عليه الصلاة والسلام للمسجد، فأخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن مكث وأقام في المدينة أربع عشرة ليلة، عزم عليه الصلاة والسلام على بناء المسجد. وكما ذكر أنه طلب من بني النجار أن يبيعوا له حائطهم حتى يبني به المسجد. وانظروا الفترة التي مكث فيها النبي عليه الصلاة والسلام وبين أمره ببناء المسجد قدر أربعة عشر يوما، وهذا يدل على أهمية المسجد في الإسلام. أمر النبي عليه الصلاة والسلام ببنائه لما للمسجد من أهمية عظيمة، فهو موضع الصلاة والعبادة التي يجتمع فيها المسلمون لأداء الفرائض الخمس التي فرضها الله جل وعلا. وهو كذلك موضع العلم والتعليم، فالمساجد وبيوت الله جل وعلا هي مواضع التي يتعلم فيها الجاهل من العالم. وهكذا أيضا كانت المساجد في ذلك الوقت هي مواضع التي يتجهز فيها الجيوش للقتال في سبيل الله جل وعلا وإعلاء راية التوحيد. وكان النبي عليه الصلاة والسلام، كما سمعنا، يصلي قبل بناء المسجد في أي موضع أدركته الصلاة، لأن الأصل كما مر معنا طهارة الأرض. وهذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يوجد المسجد، لأنه موضع اجتماع المسلمين لأداء فريضة الصلاة. وكان يصلي كذلك في مرابض الغنم، وهذا استدل به الإمام أحمد رحمه الله، وكذا الإمام مالك، على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه من الحيوانات، لأن مرابض الغنم لا تسلم من البول والروث. فكونه يصلي فيها يدل على أن بولها وروثها طاهر، وهذا هو الصحيح. فلذلك صلى النبي عليه الصلاة والسلام في مرابض الغنم، ونهى عن الصلاة في مرابض الإبل، ليس لكون بولها وروثها نجس، بل هما طاهران، لكن لأن الإبل خلقت من الشياطين، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تؤذي من صلى بجانبها، وربما تكون سببا في جرحه أو كسره أو موته، لما فيها من الشيطنة، بخلاف الغنم فهي أليفة. فلذلك صلى عليه الصلاة والسلام في مرابض الغنم، ونهى عن الصلاة في مرابض الإبل. وهكذا أيضا فيه فضيلة لبني النجار، إذ طلب النبي عليه الصلاة والسلام منهم أن يبيعوا له حائطهم، فأبوا أن يأخذوا ثمنا عليه، وأوقفوه لله جل وعلا، وأرادوا الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا فيه أنه ينبغي إقامة المسجد، ولو كان المسجد من عريش النخل، يعني لا يلزم أن يبنى بالحجر والحصى، إن لم يتيسر ذلك، فيبنى بجذوع النخل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في بناء مسجده. فالمقصود هو إقامة مسجد يجتمع فيه المسلمون لأداء الصلاة. وكذلك أيضا فيه جواز قطع النخل، ولو كان فيه ثمر، إذا كان في ذلك مصلحة، كإرادة الانتفاع من جذوعها في بناء مسجد مثلا، أو مدرسة لتعليم علوم الشريعة، أو لقصد بناء مسجد في ذلك الموضع، أو غير ذلك من المصالح. حتى وإن كان المقصود إغاظة الكفار والتنكيل بهم، جاز قطع النخل وتحريقه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود بني النضير، أمر بحرق النخل تنكيلا بهم. وأقر الله جل وعلا هذا العمل بقوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم تنكيلا بهم. وهكذا أيضا جواز نبش قبور المشركين إذا أريد الانتفاع من هذه الأرض بإقامة مسجد، أو بناء مدرسة، أو غير ذلك من المصالح. وكما ذكر الإمام النووي رحمه الله: أن نبش القبور للمشركين وإزالتها لا يؤثر في طهارة الأرض، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبش قبور المشركين، ثم اتخذ هذا الموضع مسجدا، فلا يضر ذلك. وكذلك أيضا فيه دليل على أن المقبرة إذا أزيلت منها القبور، ولم تكن وقفا، فإنه يجوز بيعها، إلا إذا وقفت، فإنه لا يجوز، لأن الوقف لا يجوز الرجوع فيه ببيع أو هبة، أو غير ذلك من التصرفات. لكن إن لم تكن وقفا، فهي ملك لصاحبها. حتى قبور المسلمين يجوز نبشها إذا درست ومرت عليها السنين الطويلة، واحتيج أو اضطر المسلمون إلى دفن أحد آخر، لكون المدينة ضيقة، لا يوجد مكان مثلا يدفن فيه الأموات إلا في هذه المقبرة، وقد امتلأت، فيجوز أن تنبش القبور التي قد درست ومضى عليها السنون العديدة، ثم يدفن فيها غيرهم من المسلمين. وقوله: "فكانوا يرتجزون" هذا أيضا فيه جواز الارتجاز، أو قول الرجز، وهو يعني نوع من الشعر. وبعض أهل العلم وأهل العروض لا يعدون قول البيت أو البيتين لغير قصد الشعر شعرا. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام محرم عليه قول الشعر، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. فما قاله النبي عليه الصلاة والسلام من بعض الأبيات في بعض المواضع، كقوله هنا: "اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة"، وهكذا قوله يوم حنين: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب"، ونحو ذلك، هل يعد هذا شعرا؟ قال أهل العلم: لا يعد شعرا قول البيت أو البيتين لغير قصد الشعر، وإنما قالها القائل، فجاءت موزونة من غير قصد الشعر، لا يعد ذلك شعرا. والرجز هو الإتيان ببعض الأبيات التي تحمس وتنشط الإنسان في عمله، يأتي بأبيات فيقولون تنشطهم وترفع من هممهم لإقامة هذا العمل. فهذا الرجز جائز إذا كانت أبيات، يعني كلماتها طيبة، ليست فيها مخالفة للشرع، فلا بأس بذلك. فقد فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم مع النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع عند بناء المسجد، وعند حفر الخندق، وغيرها من المواضع. المستفاد من هذا الحديث، كما سمعنا، هو إقامة النبي عليه الصلاة والسلام لمسجده، والأمر ببنائه، والاهتمام بذلك، وبيان أهمية هذا الأمر، وهو بناء المساجد لإقامة الصلاة فيها، وبتحقيق فريضة الصلاة، أمر الله سبحانه وتعالى بها. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.