الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع الأول مسألة الإقعاء بين السجدتين في الصلاة، حيث أوضح ابن عباس أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والإقعاء يعني نصب القدمين والاتكاء على العقبين.
يدلل المقطع الثاني على مشروعية الإقعاء بنقل ابن عباس ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عن بعض الصحابة، مع الإشارة إلى أن الافتراش هو الأكثر والأشهر في الجلوس بين السجدتين.
يشرح المقطع الثالث كيفية الجمع بين الأحاديث التي تنهى عن الإقعاء وتلك التي تثبت مشروعيته، مع توضيح الفرق بين نوعي الإقعاء المختلفين في الأحاديث.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ الحجاج أبو الحسين أني سابور القشيري -رحمه الله- في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا محمد بن بكر، قال: وحدثنا الحسن بن حلواني، قال: حدثنا عبد الرزاق، ومن همام الصنعاني، صاحب المصنف، قالوا: تقاربا في اللفظ، قالا جميعا: أخبرنا ابن جريج -وهو عبد الملك- قال: أخبرني أبو الزبير، ومحمد بن تدرس، أنه سمع طاووسا، ومن كيسان اليماني يقول: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، فقال: هي السنة، فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل، قال ابن عباس: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث أو أثر ابن عباس أنه سئل -رضي الله تعالى عنه- عن الإقعاء على القدمين، يعني في الجلوس بين السجدتين، وذلك أن ينصب المصلي قدميه ويتكئ على عقبيه، ينصب قدميه، يجعلهما منصوبتين ويتكئ عليهما، يضع يديه على عقبيه. فسئل ابن عباس عن ذلك، فقال: هي السنة، يعني سنة النبي عليه الصلاة والسلام. والصحابي إذا قال: من السنة كذا، أي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، في قول جمهور أهل العلم. فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل، يعني فيه شيء من التعب والمشقة، فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. فدل هذا الأثر على مشروعية الإقعاء على العقبين في الجلوس بين السجدتين، وأن هذا مما يشرع فعله، فابن عباس نقل ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وصح نحو ذلك أيضا عن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهم-. صح ذلك عنهم عند البيهقي، وعبد الرزاق المصنف وغيرهم. ولما سئل طاوس، ومن كيسان عن ذلك لما رأوه يقعي، قال: رأيت ثلاثة من العباد يفعلون ذلك، فذكر عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، فصح عنهم -رضي الله عنهم- هذه السنة. ويكون هذا مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام فعله بين السجدتين، كما ثبت عنه الافتراش، وهو أن ينصب اليمنى ويفرش رجله اليسرى ويتكئ على اليسرى، هذه الجلسة ثابتة عند حميد الساعد -رضي الله عنه- وهي الأكثر والأشهر، وقد رواها بضعة عشر أصحاب النبي عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك فهذه الجلسة -أيضا- ثابتة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الافتراش -يعني- هي الأكثر التي كان يواظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في بعض الأحاديث أن النهي عن الإقعاء، وهذه الأحاديث الواردة أكثرها ضعيفة، كما نقل الإمام النووي -رحمه الله- تضعيف هذه الأحاديث، وكذلك أيضا الإمام الألباني -رحمه الله- في كتابه «صفة صلاة النبي» عليه الصلاة والسلام، كذلك أشار إلى ضعف هذه الأحاديث. وحينئذ لا تعارض بين ما ورد من النهي عن الإقعاء وهذه السنة الثابتة في الإقعاء بين السجدتين. وعلى صحة هذه الأحاديث لو صحت، فهي محمولة على إقعاء آخر صفته غير صفة هذا الإقعاء المستحب، لأنه جاء فيها إقعاء كإقعاء الكلب، وإقعاء الكلب أن يضع الإنسان إليتيه على الأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، هذا الإقعاء المنهي عنه كما فسره أبو عبيد ومعمر بن المثنى، وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم من أهل اللغة، يضع إليتيه على الأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض. والحديث الوارد في النهي عن الإقعاء يحمل على هذه الصفة، وأما هذه الصفة التي في حديث ابن عباس فهي من السنة. وحينئذ لا إشكال، وبهذا يعني حمل أهل العلم أو جمعوا بين الحديث الوارد في النهي عن الإقعاء وهذا الحديث الوارد والثابت في مشروعية الإقعاء على القدمين، كالإمام أحمد -يرحمه الله- والبيهقي وغيرهم. والإمام الطحاوي -رحمه الله- ذهب إلى النسخ، وهذا يعني ليس بصحيح، لأنه النسخ إنما يصار إليه عند عدم إمكان الجمع كما بين أهل العلم، ومدام أن الجمع ممكن فحينئذ لا يصار إلى النسخ. فهذا هو الصحيح أن يحمل الإقعاء المنهي عنه على هذه الصفة، والإقعاء المشروع هو على هذه الصفة الأخرى التي هي نصب القدمين والاتكاء على العقبين. وحينئذ لا تعارض بين هذه الأحاديث. وهذه الجلسة كما سمعنا تعتبر من الجلسات المستحبة في الجلوس بين السجدتين، كما أنه شرع الافتراش، كذلك أيضا يشرع الإقعاء. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.