كتاب المساجد ومواضع الصلاة 10

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 10

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية الجد في طلب العلم

يؤكد الشيخ على أهمية الجد والاجتهاد في طلب العلم، ويبين أن العلم يحتاج إلى التعب والمشقة والصبر. العلماء مثل الإمام الشافعي والزمخشري استشهدوا بأهمية التحمل في طلب العلم.

تعليم النبي لتحريم الكلام في الصلاة

يروي معاوية بن الحكم السلمي قصة تعلمه من النبي تحريم الكلام في الصلاة، حيث أخطأ في الصلاة ورد عليه القوم، ثم علمه النبي أن الصلاة لا يصلح فيها كلام الناس. الحديث يبين أيضًا جواز حمد الله عند العطس في الصلاة.

حكم الكلام أثناء الصلاة وأحكامه

المقطع يبين حكم الكلام أثناء الصلاة، حيث يحرم الكلام في الصلاة إذا لم يكن لمصلحة الصلاة، ويُستثنى من ذلك الكلام لمصلحة الصلاة. من يتكلم في الصلاة عامدًا ذاكرًا تبطل صلاته ويجب عليه إعادة الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة، وتقاربا في لفظ الحديث، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير، وهو القارئ رحمه الله: «لا ينال العلم براحة الجسد»، لا ينال العلم براحة الجسد. ويقول: «شربت بولي في طلب الحديث ثلاث مرات»، يعني اضطر أن يصيبه العطش حتى شرب بوله في سفره ورحلته لطلب الحديث. فطلب العلم لا بد فيه من جد واجتهاد وتعب ومشقة وسهر وجوع. نعم، لا ينال هذا العلم كما قال الإمام الشافعي رحمه الله إلا بالفقر والجوع. كما قال رحمه الله: فلا بد من التعب والمشقة والجد والسهر. أما يريد طالبًا يتحصل على العلم بالراحة والسكون وإغفاء الأوقات؟ ما يمكن. كما تمنيت أن تصبح فقيهًا مناظرًا بغير عناء. والجنون فنون، والجنون فنون. هذا من الجنون، أنت تتمنى أن تكون عالما من غير جهد، من غير تعب، من غير مشقة. فلا ينال هذا العلم براحة الجسد، لابد من التعب والسهر ومفارقة الأوطان والأهل. وهكذا أيضًا ما يصيب الطالب أحيانًا من قلة ذات اليد والفقر والجوع، فإذا صبر على ذلك نال العلم بإذن الله. وما أحسن تلك الأبيات التي كان شيخنا مقبل رحمه الله كثيرًا ما يكررها، وهي للزمخشري المعتزلي، التي يقول فيها: السهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل عانقة، وطيب عناقي وتمايلي طربًا لحل عويصة أشهى وأحلى من مدامة ساقي. وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لأرق الرمل عن أوراقي. أبيت سهران الدجى، وتبيته نومًا، وتبغي بعد ذاك لحاقي. يعني هل يستوي من هو في جهد وتعب ومشقة وسهر في طلب العلم وتحصيله، ومن حاله النوم والكسل والخمول؟ كيف سيصل لدرجة المجتهد؟ لا شك أنهما لا يستويان. فكلما اجتهد طالب العلم في الطلب، واستغل أوقاته في الحفظ والمذاكرة والمراجعة، فإنه لا شك سينال من العلم الشيء الكثير الذي سيحرمه من كان كسولًا خمولًا مضيعًا لأوقاته، كثير الكسل والنوم. فهذا لا شك سيحرم من كثير من العلم. قال رحمه الله: عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: «بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إلي؟ قال: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله، إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام، وإنا منا رجالًا يأتون الكهان. قال: «فلا تأتهم». قال: ومنا رجال يتطيرون. قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنهم». قال ابن الصباح: «فلا يصدنكم». قال: قلت: ومنا رجال يخطون. قال: «كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك». وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوانية -بالتشديد-، ورجل بالتخفيف، والجوانية لكن هذا الأشهر كما قال النووي رحمه الله. قال: فاطلعت ذات يوم، فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها. وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، أي أغضب كما يغضبون. قال: لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم ذلك علي. قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها». فأتيته بها، فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة». قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عيسى بن يونس قال: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد نحوه. هذا الحديث العظيم، حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه، وفيه هذه الجمل والمسائل التي ذكرها رحمه الله، ورضي الله عنه في هذا الحديث. ومن أولها ما يتعلق بالكلام في الصلاة، فذكر رضي الله عنه أنه صلى مع النبي عليه الصلاة والسلام، فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، أي شمته وفي الصلاة، وهو لا يعلم أن الكلام في الصلاة لا يصلح ولا يجوز. قال: فرماني القوم بأبصارهم، يعني منكرين على كلامي في الصلاة. قال: فقلت: واثكل أمياه، ومعناها: أي فقدت المرأة ولدها، وهي كلمة قد تستعملها العرب في تعظيم الأمر وتفخيمه. قال: ما شأنكم تنظرون إلي؟ تكلم مرة أخرى، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، يريدون أن يسكت. ففهم ذلك فسكت. فلما صلى النبي عليه الصلاة والسلام، علمه عليه الصلاة والسلام أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. فهذه الجملة من الحديث فيها أن الإنسان إذا عطس في الصلاة فيجوز أن يحمد الله، وذلك أن حمد الله جل وعلا من ذكر الله، والصلاة عبارة عن ذكر وقراءة للقرآن. والنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر على الذي حمد الله الذي عطس، وحمد الله هو لما شمته سمعه لعله يحمد الله، فشمته ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ودل على أن ذلك جائز. إذا عطس الإنسان في الصلاة لا بأس أن يحمد الله بصوت منخفض، فإنه من ذكر الله جل وعلا. وفيه كذلك أن الحركة اليسيرة للحاجة لا تضر بالصلاة، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم جعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، وهذه حركة قليلة للحاجة، أرادوا أن ينبهوه أنه لا ينبغي أن يتكلم في الصلاة. وإذا كانت الحركة قليلة للحاجة فلا بأس بها، وإن كانت غير حاجة فيكرهون الحركة القليلة لغير حاجة، وإن كانت كثيرة لغير حاجة ولا ضرورة فإنها تبطل الصلاة. وفيه أيضًا أن التشميت لا يصلح في الصلاة، أن يشمت المصلي غيره في الصلاة ويقول: يرحمك الله، هذا لا يصلح؛ لأنه تشميت فيه مخاطبة ودعاء للعاطس، وهو في الصلاة منشغل بها، لا يشغل بغيرها. والقاعدة الشرعية أن المشغول لا يشغل، فهو مشغول في الصلاة بقراءة القرآن وبذكر الله جل وعلا وتضرع بين يدي الله، فلا ينشغل بغيرها. وفيه كذلك حسن تعليم النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا الصحابي رضي الله عنه كان يجهل هذا الحكم، وهو تحريم الكلام في الصلاة، فعلمه النبي عليه الصلاة والسلام برفق ولين، من غير زجر. قال: ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، ما عيره ولا شتمه ولا رفع صوته عليه، بل علمه برفق ولين. ولهذا انتفع رضي الله عنه بهذه النصيحة وهذا التعليم وهذا التوجيه. فقال: بأبي وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني. قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس»، هكذا علمه أن الكلام الذي يتكلم فيه الإنسان خارج الصلاة ما يصلح أن يتكلم به في داخل الصلاة؛ لأنه في عبادة ومناجاة لله سبحانه وتعالى. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، يعني الصلاة مجتمعة على ذلك: قراءة للقرآن، وتسبيح وتكبير، تسبيح في الركوع والسجود، وتكبير في الانتقالات، وتكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن حال القيام. والصلاة مجتمعة على قراءة للقرآن وتسبيح وتكبير، وكذلك أيضًا دعاء لله جل وعلا في السجود وفي التشهد والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. فالمقصود هو أن نبهه على أن الصلاة مجتمعة على ذكر لله جل وعلا، لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. ففيه دليل على تحريم الكلام في الصلاة، تحريم الكلام في الصلاة، وهذا مجمع عليه بين أهل العلم إذا كان الكلام في غير مصلحة الصلاة. لا يجوز أن يتكلم المصلي في الصلاة في غير مصلحة الصلاة. أما إذا كان في مصلحة الصلاة، هذا في خلاف بين أهل العلم، هل يجوز له أن يتكلم في مصلحة الصلاة؟ شيء يتعلق بالصلاة. فكثير من أهل العلم أنه لا يجوز ذلك، وهو الصحيح. وذهب بعضهم أنه لا بأس أن يتكلم في الصلاة لمصلحة الصلاة، كأن ينسى الإمام شيئًا فلا يتنبه إلا أن يكلمه من خلفه فيقول: نسيت كذا. فيقول: هذا كلام في مصلحة الصلاة، وهذا لا يضر في صحة الصلاة. ويستدل بقصة ذي اليدين، قصة ذي اليدين في الصحيحين، لما سلم النبي عليه الصلاة والسلام من ركعتين من إحدى صلاتي العشي -الظهر والعصر- ثم جلس النبي صلى الله عليه وسلم وشبك بين أصابعه، فقال له ذي اليدين: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تقصر، لم أنسى». ثم قال: «أكما يقول ذي اليدين؟» قال: نعم يا رسول الله. فقام فصلى ركعتين عليه الصلاة والسلام، ثم سلم، ثم سجد للسهو. قالوا: فهنا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلم ذي اليدين، وهذا الكلام في مصلحة الصلاة، فلم تبطل الصلاة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أكمل ما تبقى من الصلاة، ولم يستأنف الصلاة من جديد. دل هذا على أن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها. والصحيح أنه ليس في هذا دليل على ذلك؛ لأن كلام ذي اليدين إنما تكلم وهو يظن أن الصلاة قد انتهت، وقد سلموا من الصلاة، فتكلم بعد خروجه من الصلاة، لم يتكلم في داخل الصلاة. فليس في هذا دليل على أنه يجوز الكلام لمصلحة الصلاة في الصلاة. والصحيح أنه لا يجوز، لا الكلام في غير مصلحة الصلاة، ولا الكلام كذلك في مصلحة الصلاة. وفيه أن الإنسان إذا تكلم جاهلًا بحرمة الكلام في الصلاة أن صلاته صحيحة، أن صلاته صحيحة، فلا تبطل، وليس عليه إعادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر معاوية السلمي رضي الله عنه أن يعيد الصلاة، لم يأمره بذلك. فدل هذا على أن الصلاة صحيحة؛ لأنه معذور بالجهل، معذور بالجهل. وهكذا مثله النسيان على الصحيح، لو نسي في الصلاة فتكلم، فصلاته صحيحة. قد يحصل للإنسان يغفل في أثناء الصلاة، يكلمه إنسان فيجيب، ناسيًا أنه في الصلاة. نقول: استمر في صلاتك، صلاتك صحيحة؛ لأن النسيان عذر. ربنا تأخذنا إن نسينا أو أخطأنا. وبهذا استدل أهل العلم على أن فعل الإنسان المحظور جاهلًا أو ناسيًا يسقط الإثم ويسقط الحكم. إذا فعل الإنسان محظورًا في العبادة جاهلًا بحرمته، أو ناسيًا له أنه في هذه العبادة، فعبادته صحيحة. ومن ذلك الكلام في الصلاة محظور، إذا تكلم جاهلًا أو تكلم ناسيًا فصلاته صحيحة. وهكذا إذا أكل الصائم ناسيًا أنه صائم أو شرب، فصومه صحيح، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». وأما من تكلم ذاكرًا عامدًا في الصلاة، فصلاته باطلة، وصلاته تبطل، وعليه إعادة الصلاة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.