الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 56، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
رحل الإمام الشافعي إلى الإمام مالك في المدينة لطلب العلم، حيث أظهر فصاحة وبراعة في قراءة الموطأ ونال قبول الإمام مالك. كان الإمام مالك يعتبره حجة الله على خلقه بعد التابعين.
تناول المقطع رواية أبي هريرة لحديث تعاقب الملائكة في صلاتي الفجر والعصر، ومسألة نحوية تتعلق بلغة بني الحارث في إلحاق ضمير الجمع بالفعل المتقدم. كما تحدث عن الأعرج أحد رواة الحديث النبوي.
شرح إعراب جملة يتعاقبون فيكم ملائكة وبيان دلالة الحديث على فضل صلاتي الفجر والعصر لشهود الملائكة لهما، واستدلال الحديث على علو الله تعالى. يُظهر فضل المحافظة على هاتين الصلاتين.
يُبين فضل المحافظة على صلاتي الفجر والعصر، حيث تشهد الملائكة للمسلم عند الله بحضوره للصلاة ومحافظته عليها، مما يُعد فضيلة عظيمة. يُظهر ذلك تعظيم الله لعباده المحافظين على الصلاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: قرأته على مالك، وهو ابن أنس إمام دار الهجرة. قال الإمام الشافعي رحمه الله: إذا جاء الأثر، فمالك النجم، وذلك لشرفه وعظيم منزلته. وكان الإمام الشافعي رحمه الله يجله بجلالا عظيما، هو شيخ الإمام الشافعي. الإمام مالك شيخ الإمام الشافعي، رحل إليه الإمام الشافعي عندما كان بمكة، وكان مشتغلا بالشعر ورواياته، فقيل له: لو اشتغلت بالفقه. وقيل له: تذهب وترحل إلى الإمام مالك في المدينة، فقال الإمام الشافعي: ومن يعني يشفع لي عند الإمام مالك؟ فقال والي المدينة: أنا أشفع له، وكتب له كتابا ورسالة إلى الإمام مالك. فلما جاء إلى بيت الإمام مالك، ودق عليه الباب، واستأذن، وأعطى لمن عنده عند الإمام مالك الرسالة، فلما قرأها الإمام مالك غضب رحمه الله، وقال: من يعني يشفع في العلم؟ أو نحو ذلك. ثم أبى في أول الأمر أن يأذن له الإمام الشافعي، فقال: يا إمام، جيتك من مكان بعيد، أطلب العلم عندك، فإذن لي ولو وقتا يسيرا. فقال: اقرأ. فقرأ عليه شيئا من الموطأ، موطأ الإمام مالك. وكان الإمام الشافعي فصيحا، فصيح اللسان، فلما قرأ عليه عجب الإمام مالك بقراءة الإمام الشافعي، فكان يقول له كلما قرأ: هيا زد، زد، حتى قرأ شيئا كثيرا على الإمام مالك. ثم لازمه بعد ذلك. وكان الإمام مالك رحمه الله يقول: الإمام الشافعي حجة الله على خلقه بعد التابعين. فكان الإمام مالك رحمه الله من الأئمة إماما في الحديث، وإماما في الفقه، وكذلك إماما في السنة. قال عن أبي الزناد، وهو عبد الله بن ذكوان القرشي، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز بن كيسان أبو داود المدني: كان الأعرج كما ذكر الإمام الذهبي رحمه الله في تاريخ الإسلام ممن يشتغل بكتابة المصاحف وتعليم القرآن، وكان ثقة عالما، وهو أيضا من ممن روى كثيرا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فهو عالم بحديثه عن أبي هريرة رضي الله عنه. اسم أبي هريرة: عبد الرحمن بن الصخر على الأشهر، وإلا مختلف في اسمه، اختلف في اسمه واسم أبيه إلى نحو ثلاثين قولا، وأشهر هذه الأقوال أنه عبد الرحمن بن الصخر. نعم، هو من دوس، من اليمن، قدم على النبي عليه الصلاة والسلام عند فتح خيبر في السنة السابعة، فلازم النبي صلى الله عليه وسلم حتى حافظ كثيرا من الحديث، ولقبه الحافظ بن حجر في التقريب بحافظ الصحابة. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ وهو أعلم بهم. فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون». قال: وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن همام، عن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والملائكة يتعاقبون فيكم، بمثل حديث أبي الزناد. فقول عليه الصلاة والسلام في الرواية الأولى: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار». هذه الرواية احتج بها بعض أهل اللغة والنحاة في مسألة نحوية، وهي: إذا تقدم الفعل، هل يجوز أن يلحق به ضمير الجمع أو التثنية؟ كما في هذا الحديث: «يتعاقبون فيكم ملائكة». الأصل: يتعاقب فيكم ملائكة. أن يكون الفعل مفردا، لا يلحق به ضمير الجمع أو التثنية. وفي هذه الرواية ألحق ضمير الجمع بالفعل مع تقدمه، فقال: «يتعاقبون فيكم ملائكة». وهذه لغة مشهورة لبني الحارث، وحكي عنهم أنهم يقولون: أكلوني البراغيث. وهي مشهورة في كتب النحو بلغة أكلوني البراغيث. كيف يكون إعراب هذه الجملة: «يتعاقبون فيكم ملائكة»؟ على لغة أكلوني البراغيث، الواو ضمير جمع، والفاعل: الملائكة. نعم، يتعاقبون فيكم ملائكة. وعلى لغة أخرى، ومذهب سيبويه وأكثر النحاة، سيكون الفاعل: الملائكة، والواو: بدل. نعم. قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة»، بمعنى يتناوبون، تأتي طائفة من الملائكة، وتصعد طائفة أخرى. «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر»، أي يتجمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر. قال: «ثم يعرج الذين باتوا فيكم»، يعني إلى السماء، «فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ وهو أعلم بهم»، يعني أعلم بحال عباده. «فيسألهم» ليس سؤال من يجهل، وإنما السؤال تعبد، وهو يعلم جل وعلا حال العباد، وكيف أتوا إليهم، وكيف تركوهم، لكن من باب إظهار فضيلة هؤلاء العباد المحافظين على هاتين الصلاتين. كيف تشهد لهم الملائكة؟ «فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون». فهذا الحديث فيه فضيلة لصلاتي الفجر والعصر، وأن من فضائل هاتين الصلاتين أن الملائكة تشهدهما، فتجتمع في صلاة الفجر، وتجتمع كذلك في صلاة العصر. وهذا يدل على فضل هاتين الصلاتين، أنها الصلاة تشهدها الملائكة، وتجتمع عندها الملائكة. وأيضا في هذا الحديث دليل على علو الله جل وعلا، وأن الله عز وجل في العلو، وفي السماء، لقوله: «ثم يعرج الذين باتوا فيكم». والعروج يكون من الأسفل إلى الأعلى. ففي هذا دليل من مئات الأدلة الدالة على علو الله جل وعلا. وعلو الله عز وجل صفة ذاتية، صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل وعلا، فهو متصف جل وعلا بالعلو، صفة لا تنفك عنه جل وعلا، بخلاف صفة الاستواء، فهي صفة فعلية متعلقة بالمشية، متى ما شاء فعلها. أما العلو فهي صفة ذاتية متعلقة بذات الله جل وعلا. وهكذا أيضا فيه سؤال الله عز وجل لملائكته، وهو أعلم جل وعلا بحالهم وحال عباده، كما ذكرنا، من باب تعبدهم بذلك، وإظهار فضل هؤلاء العباد المحافظين على هاتين الصلاتين، وكيف تشهد لهم الملائكة أنهم أتوهم وهم يصلون، يعني صلاة الفجر، وتركوهم يعني في العصر وهم يصلون. ففي كل الأحوال هم محافظين على الصلاة. وهذه فضيلة عظيمة يتحصل عليها المسلم المحافظ على هاتين الصلاتين، أن تشهد له الملائكة عند الله جل وعلا بحضوره للصلاة ومحافظته عليها. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.