الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 55، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع تفسير الآية الكريمة حول الصلاة الوسطى وآراء العلماء حولها، مع شرح لحديث عائشة وبيان أن القراءة الشاذة لا تصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. كما يستعرض آراء العلماء حول تحديد الصلاة الوسطى.
يشرح المقطع حديث البراء بن عازب ويبين أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، مع ذكر قراءة الصحابة للآية قبل نسخها. كما يذكر حديث جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب في غزوة الخندق.
يشرح المقطع قضاء الصلاة الفائتة لعذر مثل النوم أو النسيان، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى صلاة العصر بعد غروب الشمس في غزوة الخندق، مع استدلال على أن الصلوات الفائتة تقضى على الترتيب.
يتناول المقطع حكم قضاء الصلاة بعد خروج وقتها، ويبين أنه لا ينفع قضاء الصلاة إذا تركها الإنسان متعمدًا دون عذر، ويجب التوبة الصادقة في هذه الحالة. كما يشير إلى أن الفوائت تقضى إذا تركها الإنسان لعذر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسي البوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك، وهمنا أنس، إمام دار الهجرة، عن زيد بن أسلم، وهو القرشي أبو أسامة، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: عن القعقاع بن حكيم، وهو الكناني، عن أبي يونس، مولى عائشة، أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني -يعني أعلمني وأخبرني- قال: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾، فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين﴾. قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها في قراءتها لهذه الآية: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين﴾، وأخبرت أنها سمعت ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذه القراءة لم تثبت في المصحف، فتعد من القراءات الشاذة التي لا تصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. واستدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر، وإنما هي غيرها، لأن في هذه القراءة: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر﴾، عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى، والعطف يقتضي المغايرة. ومعنى هذا أن صلاة العصر غير الصلاة الوسطى. لكن هذه القراءة -كما علمنا- أنها شاذة، وإذا كانت شاذة فإنه لا يثبت بها هذا الحكم، أو لا يستدل بها؛ لأن القراءة الشاذة لا يحتج بها على الصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم، خلافًا لأبي حنيفة. والقراءة الصحيحة المثبتة في المصحف العثماني: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾. ومر معنا في الحديث الذي مضى في الدرس الذي قبل هذا حديث علي رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما صرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر». وهذا نص صريح في أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ليس غيرها. قال رحمه الله: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدثنا يحيى بن آدم، وهو أبو زكريا القرشي، كان محدثًا ومقرئًا من الحفاظ الثقات، قال: حدثنا الفضيل بن مرزوق، وهو أبو عبد الرحمن الرقاشي. والفضيل بن مرزوق هذا فيه كلام، بعض أهل العلم ضعفه، كأبي حاتم وأبي زرعة وأبي عدي أو ابن عدي، وهكذا ابن حبان ذكره في كتابه المجروحين. وبعضهم وثقه، كالذهبي وابن عيينة والإمام أحمد. يقول: ليس به بأس. والحافظ ابن حجر رحمه الله توسط فيه، فقال: صدوق يهم، صدوق يهم، رمي بالتشيع. ومثله يحسن حديثه، إن لم يكن هذا الحديث من أوهامه. قال: عن شقيق بن عقبة، وهو العبدي الكوفي، وهو ثقة، عن البراء بن عازب، وهو الأنصاري الأوسي، صحابي ابن صحابي، قال: نزلت هذه الآية: ﴿حافظوا على الصلوات وصلاة العصر﴾، فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾. فقال رجل كان جالسًا عند شقيق: هي إذن صلاة العصر؟ فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله، والله أعلم. قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن الأسود بن قيس، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: قرأناها مع النبي صلى الله عليه وسلم زمانًا، بمثل حديث فضيل بن مرزوق. هذا الحديث حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما في هذه الآية: ﴿حافظوا على الصلوات وصلاة العصر﴾، أخبر أنهم قرأوها -ما شاء الله- يعني بهذه القراءة الصريحة في أن الصلاة المعطوفة على الصلوات هي صلاة العصر: ﴿حافظوا على الصلوات وصلاة العصر﴾، ثم نسخ هذا اللفظ بقوله جل وعلا: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾. إذن هذا الحديث يبين أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، كما كان مصرحًا بها في القراءة التي قبل أن تنسخ: أنها صلاة العصر، ثم نسخ اللفظ بقوله: ﴿والصلاة الوسطى﴾ بدل «صلاة العصر»، وهي المثبتة الآن في المصاحف. فيدل هذا على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وعطف الصلاة الوسطى على الصلوات من باب عطف الخاص على العام؛ لأن قول الله عز وجل: ﴿حافظوا على الصلوات﴾ يشمل جميع الصلوات، ومنها صلاة العصر، لكن خصت بالذكر، وعطفت على جهة الخصوص؛ لبيان فضلها، وعظيم منزلتها، وكذلك عظيم الاعتناء بها. فكما مر معنا: الصحيح أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. قال رحمه الله: حدثني أبو غسان المسمعي، قال: ومحمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، قال أبو غسان: حدثنا معاذ بن هشام، وابن أبي عبد الله الدستوائي البصري، قال: حدثني أبي، وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، أبو بكر الحافظ البصري، يقال له: هشام صاحب الدستوائي، قال: عن يحيى بن أبي كثير، وهو اليمامي، ثقة ثبت، كما قال الحافظ، إلا أنه كان يدلس ويرسل، قال: حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو ابن عوف القرشي الزهري، وهو ثقة، إلا أن حديثه عن أبيه مرسل، قال: عن جابر بن عبد الله، وهو ابن عمرو، جابر بن عبد الله بن عمرو الأنصاري، شهد مع النبي عليه الصلاة والسلام الخندق، وما بعدها من المشاهد، ولم يشهد بدرًا ولا أحدًا؛ لأن أباه طلب منه أن يبقى مع إخوته، وكان معه أو له تسع أخوات. ثم قتل أبوه عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه في غزوة أحد، قتل في غزوة أحد، ودفن مع غيره؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر؛ لأنه قتل سبعون من الصحابة رضوان الله عليهم في تلك المعركة، فكان يدفن النبي صلى الله عليه وسلم الاثنين والثلاثة في قبر واحد. فجابر دفن أبوه عبد الله مع غيره في قبر واحد، ثم بعد أشهر -نحو سبعة أشهر أو نحوها- أراد جابر أن يخرجه ويدفنه وحده، قال: لم تطب نفسه أن يبقى مع غيره، فحفر قبره وأخرجه، قال: فلم يتغير منه شيء -يعني وجد أباه عبد الله بن عمرو كما يوم أن دفن، بعد بضعة أشهر لم يتغير منه شيء- ثم دفنه وحده رضي الله تعالى عنهما. قال: أن عمر بن الخطاب يوم الخندق جعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، والله ما كدت أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فوالله ما صليتها». فنزلنا إلى بطحان -وهو وادٍ في المدينة- قال: فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوضأنا، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، قال أبو بكر: حدثنا، وقال إسحاق: أخبرنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، في هذا الإسناد، بمثله. وهذا الحديث فيه بيان النبي عليه الصلاة والسلام لما شغل عن صلاة العصر في غزوة الخندق؛ لما تجمعت قبائل العرب على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ومحاصرة المدينة، وكان ذلك في السنة الخامسة، نعم، بعد أحد، أحد في السنة الثالثة، والخندق كانت في السنة الخامسة، فشغل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر، فلم يصلها حتى غربت الشمس. وكان ذلك -كما ذكرنا- قبل نزول مشروعية صلاة الخوف. فعمر رضي الله عنه جعل يسب كفار قريش؛ لأنهم شغلوه عن الصلاة، أن يؤديها في وقتها، حتى يعني كادت أن تغرب الشمس. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: «فوالله ما صليتها» -يعني أراد أن يطيب خاطر عمر بأنه هو كذلك ما صلى، وشغل عنها- حتى يخفف عنه -يعني من الحزن والألم على عدم صلاتها في وقتها-. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أتقى الناس لله وأخشى الناس لله، لم يصل صلاة العصر بسبب الانشغال بهذه الغزوة أو المعركة، ويكون له بذلك أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم. ثم بعد أن تهيأوا لصلاة العصر غربت الشمس، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. وهذا فيه دليل على أن الصلاة الفائتة لعذر -كنوم أو نسيان أو نحو ذلك من الأعذار- أنها تصلى على الترتيب، فيبدأ -مثلًا- إذا كان نام عن صلاة الظهر والعصر والمغرب، يبدأ بالظهر ثم العصر ثم المغرب، يبدأ بالظهر ثم العصر ثم المغرب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا، بدأ أولًا بصلاة العصر، ثم صلى بعدها المغرب. وهذا القول هو الصحيح: أن الصلوات الفائتة تقضى وتصلى مرتبة، ويكون هذا الترتيب واجبًا، يكون هذا الترتيب واجبًا؛ إلا إذا جهل الإنسان الحكم أو نسي، أو ضاق وقت الحاضرة، فحينئذ يسقط الترتيب. مثاله: إنسان يجهل أن الترتيب واجب، بدأ أولًا بصلاة العصر ثم صلى الظهر، فقيل له: كان الواجب أن ترتب، تبدأ أولًا بالظهر ثم العصر. قال: ما علمت. إذن أنت معذور، ما ذمت جاهلًا بالحكم، فصلاتك مجزئة. وهكذا إذا نسي، فبدأ بالعصر قبل الظهر نسيانًا، ثم ذكره وهو يصلي الظهر، فحينئذ يستمر في صلاته، ويسقط الترتيب بسبب النسيان. وهكذا أيضًا إذا ضاق وقت الحاضرة، نام عن الظهر والعصر، استيقظ في وقت المغرب، ولا يسع الوقت لصلاة الظهر والعصر؛ إن صلى الظهر والعصر خرج وقت المغرب، فهنا نقول: تبدأ بالمغرب، تبدأ بالمغرب؛ حتى تدرك وقتها، فلا تكون جميع الصلوات في بعد انتهاء وقتها، فتصلي المغرب، ثم تصلي الظهر، ثم العصر، وتصلي الظهر ثم العصر. هذا إذا كانت هذه الفوائت لعذر. فإن كانت لغير عذر، فهنا لا ينفع القضاء، لا ينفع قضاؤها على الصحيح. إنسان ترك صلاة الظهر متعمدًا، ما عنده عذر، هو ذاكر، ليس بناسي، وعالم، ليس بجاهل، وليس عنده عذر من الأعذار، حتى خرج وقت صلاة الظهر، ثم جاء وقت العصر، فقال: أقضي الظهر، أصلي الظهر ثم العصر. نقول: ما ينفعك القضاء، ولو صليت الظهر مئة مرة، ما ينفع؛ وقد خرج وقتها من غير عذر، فقد فات وقتها. وحينئذ عليك بالتوبة الصادقة. وإنما تقضى الفوائت وتصلى إذا تركها الإنسان لعذر. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.