الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استعرض الشيخ أسانيد حديث «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة...» الوارد في صحيح مسلم، مبيناً رجال الإسناد وأحوالهم في الجرح والتعديل، مع الإشارة إلى اختلاف يسير في اللفظ بين الروايات، وشرح معنى «كتاب الصيام» لغةً واصطلاحاً.
عرّف الصيام لغةً بالإمساك عن الحركة، وشرعاً بالإمساك عن المفطرات من الفجر إلى المغرب تعبداً، وذكر أن فرضه كان في السنة الثانية للهجرة ناسخاً لصيام عاشوراء، واستعرض حديث أبي هريرة في فضل رمضان بفتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين، وناقش جواز إطلاق اسم «رمضان» مفرداً.
فصّل في فضائل رمضان بفتح أبواب الجنة الثمانية وغلق أبواب النار السبعة وتصفيد مردة الشياطين كإعانة إلهية على الطاعة، ونبّه إلى ضعف حديث النهي عن قول «رمضان» مفرداً، مؤكداً أن المشروع قول «شهر رمضان» عملاً بالحديث الصحيح ومذهب البخاري والنووي.
اختتم الدرس بمجموعة من الأدعية الجامعة سائلاً الله بلوغ شهر رمضان، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، والعصمة من الشيطان ووساوسه، مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه، كتاب الصيام: حدثنا يحيى بن أيوب، وهو أبو زكريا البغدادي الزاهد، هو ثقة، وقتيبة، وهو ابن سعيد، من جميل، من طريف، أبو رجاء البغلاني. وقال ابن حجر: هو علي بن حجر بن إلياس، أبو الحسن البغدادي المروزي، قال الحافظ رحمه الله: فيه ثقة حافظ. قالوا: حدثنا إسماعيل، وهو ابن جعفر، كنيته أبو إسحاق المدني، قارئ أهل المدينة، وهو أخو محمد بن جعفر المشهور، وله أيضا ثلاثة من الإخوة: يعقوب، ويحيى، وكثير، كلهم أبناء جعفر، وكلهم صادقون، يعني من قيل فيه صدوق، وإسماعيل بن جعفر ثقة ثبت كما قال الحافظ رحمه الله. قال: عن أبي سهيل، عن أبيه. أبو سهيل هو نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، عم مالك بن أنس إمام دار الهجرة. أبو سهيل هذا نافع بن مالك عمه، وهو أخو يونس بن مالك والربيع بن مالك، وهو ثقة، ويقال له ابن أبي أنس. عن أبيه، وهو مالك بن أبي عامر، جد مالك بن أنس، وهو ثقة. قال: عن أبي هريرة، عبد الرحمن بن صخر الدوسي، على أشهر الأقوال، وإلا مختلف في اسمه إلى نحو ثلاثين قولا، أشهرها عبد الرحمن بن صخر، مشهور بكنيته، رضي الله عنه، حافظ الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». وقال: حدثني حرملة بن يحيى، وهو التجيبي، أبو حفص، قال: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني يونس، وهو ابن يزيد، أبو يزيد القرشي، عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن ابن أبي أنس، وهو نافع بن أبي أنس أبو سهيل، أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب جهنم، وسُلسلت الشياطين». وقال: حدثني محمد بن حاتم، وهو البغدادي، أبو عبد الله المؤدب، كان يعرف بالسمين، وهو صدوق، قال فيه الحافظ: صدوق ربما وهم، وذلك لأنه وثقه الإمام الدارقطني ولينه ابن معين، فتوسط الحافظ فيه فقال: صدوق ربما وهم. ومع ذلك فهو مقرون هنا بالحلواني. الحلواني هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة ثبت كما قال الحافظ رحمه الله. قال: حدثنا يعقوب، ويعقوب هو ابن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبو يوسف، وهو ثقة فاضل. قال: حدثنا أبي، وهو إبراهيم بن سعد، أبو إسحاق، وهو أيضا ثقة حجة كما قال الحافظ. عن صالح، وهو ابن كيسان المدني، من فقهاء المدينة، وكان مؤدب عمر بن عبد العزيز. قال ابن حجر: فيه ثقة ثبت فقيه. عن ابن شهاب، قال: حدثني نافع بن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل رمضان» بمثله هذا الحديث أو قبل ذلك. قول المصنف: كتاب الصيام. ومر معنا أن «كتاب» على وزن فعال بمعنى مفعول، فكتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في ذكر أحاديث الصيام. والصيام في اللغة: الإمساك، الإمساك عن الكلام أو عن الحركة. يقال: صامت الخيل إذا أمسكت عن الحركة والجري، كما في قول القائل: خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج أخرى تعلي كل جمع. وهكذا في قول مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، يعني سكوتا عن الكلام، سكوتا عن الكلام. وشرعا فالصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس تعبدا لله تعالى. هذا هو الصيام: أن يمسك الإنسان عن سائر المفطرات التي يفطر بها الصائم من أكل وشرب وجماع وغيرها من طلوع الفجر الصادق إلى أن تغرب الشمس، يفعل ذلك تعبدا لله، وهي من العبادات العظيمة الجليلة. وقد فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة، في السنة الثانية من الهجرة، لما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام، في السنة الأولى فرض صيام عاشوراء، ثم في السنة الثانية فرض صيام رمضان ونسخ صيام عاشوراء، وصام النبي صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات. ذكر المصنف في بداية هذا الكتاب حديث أبي هريرة رضي الله عنه في ذكر شيء من فضائل رمضان. وقد نبهنا من قبل على أن التبويبات هذه من وضع الإمام النووي رحمه الله، وليس من وضع الإمام مسلم. الإمام مسلم ذكر الأحاديث سردا من غير أن يذكر فيها كتبا أو أبوابا، فالذي وضع هذه الأبواب والكتب وفصل بين الأحاديث بذلك هو الإمام النووي رحمه الله. ذكر الإمام مسلم في أول أحاديث الصيام حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». هذا الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاء رمضان» فيه دليل لما ذهب إليه جماعة من المحققين من أهل العلم من أنه يجوز أن تقول: رمضان، يجوز أن تقول: رمضان من غير ذكر الشهر، وذلك أن بعض أهل العلم كره أن يقال: رمضان، قالوا: إنما يقال: شهر رمضان، ولا تقول: رمضان من غير إضافة الشهر إليه. وبعضهم استدل بحديث أن رمضان من أسماء الله، فلا يقال: رمضان، جاء بحديث: «لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله». هذا الحديث الوارد ضعيف لا يصح، الحديث الضعيف هو من رواية أبي هريرة، وفيه أبو جعفر نجيح السندي وهو ضعيف، والأحاديث الصحيحة تدل على جواز ذلك. ومذهب الإمام البخاري رحمه الله وجماعة من المحققين، وهو الذي جنح إليه الإمام النووي رحمه الله في شرحه، أنه يجوز أن تقول: رمضان، ولو لم تقل: شهر رمضان، وأنه لا كراهة في ذلك، كما في هذا الحديث: «إذا جاء رمضان»، دل هذا على جواز مثل ذلك. قال: «فتحت أبواب الجنة». إذا جاء رمضان يعني إذا دخل شهر رمضان، من فضائل هذا الشهر أنه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب النار. «وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». وصفدت بمعنى غلت، غلت بالأغلال والسلاسل حتى لا تغوي المؤمنين. ففي هذا الحديث أن أبواب الجنة الثمانية تفتح في شهر رمضان، وفي الرواية الأخرى: «فتحت أبواب الرحمة»، وهذا فيه دلالة على أن شهر رمضان شهر رحمة، شهر رحمة وخير وبركة، وهو من الأسباب التي ينال بها العبد رحمة الله والتي يفوز بها بجنة الله جل وعلا. فهذه أبواب الجنة مفتوحة، من يريد الجنة فليقبل في هذا الشهر على طاعة الله، على الصيام والقيام، وإقبال على الذكر، على أفعال البر والطاعة. فهذه أبواب الجنة قد فتحت. جاء في رواية خارج الصحيح وينادي مناد: «يا باغي الخير أقبل، يا باغي الشر أقصر». من يريد الخير أقبل، هذا موسم عظيم، مواسم الخير التي ينبغي للمسلم أن يستغلها. قال: «فتحت أبواب الجنة»، في دليل أن الجنة لها أبواب، وأبواب الجنة عظيمة، عظيمة وكبيرة. وكم أبواب الجنة؟ ثمانية أبواب. والدليل: حيث عمر في الذكر بعد الوضوء، من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله»، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء. إذن أبواب الجنة ثمانية. باب يقال له الريان هو للصائمين، وباب للمجاهدين، وباب لأهل الصلاة، وباب لأهل الصدقة، أبواب لأهل البر والطاعة. كما فيه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، سمع ذلك أبو بكر، قال: يا رسول الله، ما على أحد من حرج، هل أحد يدخل من جميع هذه الأبواب؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، وأرجو أن تكون منهم». يعني أن ينادى من جميع أبواب الجنة إذا كان الإنسان كثير الفعل الخير والبر، في باب الصلاة له فيه نصيب، في باب الصيام، في باب الصدقة، في يوم القيامة ينادى من جميع هذه الأبواب: من باب الريان، وباب الصدقة، وباب الصلاة. نعم هذا خير عظيم. نعم هنا ذكر أخونا الحديث: «لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان من أسماء الله، فقولوا: شهر رمضان». نعم هذا الحديث ضعيف من طريق أبي معشر، أبو معشر اسمه نجيح، مولى عبد الرحمن السندي. طيب، زاد الله خيرا. قال: «وغلقت أبواب النار». نعم، تغلق أبواب النار في شهر رمضان، تغلق إشارة ودلالة على أن هذا الشهر ليس شهر ذنوب ومعاصي، ولا شهر كذلك غضب وسخط من الله جل وعلا، بل هو شهر رحمة ومغفرة. فتفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار. في الحديث الذي خارج الصحيح وينادي مناد: «يا باغي الشر أقصر، أقصر عن الشر، ابتعد واجتنب، ولا تفعل، وانتهِ». فإن هذا الشهر عبادة وطاعة وبر وإحسان، فلتكن من أهل الإحسان، فلتكن من أهل الإحسان. و«غلقت أبواب النار» وهذا إعانة للعبد على الطاعة وعلى الخير وعلى ما فيه النفع له في دينه ودنياه في آخرته، أن جعل الله عز وجل شهر رمضان موسما عظيما، مواسم البر والطاعة التي يتسابق فيها المتسابقون لنيل رحمة الله ورضوانه وجنته. و«غلقت أبواب النار» كذلك النار لها أبواب، كم أبواب النار؟ سبعة. والدليل: لها سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم. قال: «وصفدت الشياطين». قلنا: أي صفدت بمعنى غلت بالأغلال والسلاسل. في الرواية الأخرى: «وسُلسلت الشياطين»، أي جعلت عليها السلاسل حتى لا تغوي عباد الله جل وعلا. في بعض الروايات: «مردت الشياطين»، يعني كبار الشياطين. وهذه الرواية تبين أن الشياطين التي تغل هي مردة الشياطين. وقد يوجد بعض الشياطين يعني لم تغل بالسلاسل، لكن تجد الغالب على الناس أن يقبلوا على الخير، تجد الخير أكثر والشر أقل، والإقبال على الطاعة والبر والإحسان أكثر. وهذا كله كما سمعتم هو من إعانة الله سبحانه وتعالى للعبد على طاعته. هذه أسباب جعلها الله سبحانه وتعالى للعبد إعانة له على طاعة ربه وإحسان العمل لله سبحانه وتعالى. فجعل الله عز وجل هذا موسما من مواسم الخير والبر، وهيأ في هذا الموسم أسبابا عظيمة للإقبال على الطاعة وفعل الصالحات، ونيل مغفرة الله سبحانه وتعالى ورحمته، ومن ذلك تفتح أبواب الجنة وإغلاق أبواب النار وتصفيد الشياطين. نسأل الله عز وجل أن يبلغنا وإياكم شهر رمضان المبارك، ونسأله سبحانه أن يجعلنا من أهل الجنة، وأن ينجينا من النار، وأن يعصمنا من الشيطان ووساوسه وإغوائه. هذا ما يتعلق بهذا الدرس. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.