الدرس في كتاب الصيام 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يسرد الإمام مسلم في صحيحه أسانيد متعددة لحديث عائشة رضي الله عنها التي كانت تقضي صوم رمضان في شعبان لانشغالها بالنبي صلى الله عليه وسلم. تتنوع الروايات في ذكر علة التأخير مع توثيق أحوال الرواة وتصحيح مسالك الحديث.
استدل العلماء بحديث عائشة على جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، مما يدل على أن القضاء على التراخي لا على الفور خلافاً لقول داود الظاهري. لا يجوز تأخير القضاء حتى رمضان آخر إلا بعذر كمرض مستمر، ومن أخر تكاسلاً فعليه القضاء والتوبة دون وجوب إطعام عند الراجح.
من أفطر في رمضان لمرض واستمر به حتى مات لا قضاء عليه ولا إطعام لسقوط وجوب الصيام بالعجز. يجوز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان كما فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لمراعاة حقه، لكن لا يجوز تأخيره بعد شعبان بغير عذر، والقضاء يبقى على التراخي.
يجوز تفريق قضاء الصوم ولا يشترط ترتيبه، فيجزئ صيام يومي الاثنين والخميس بنية القضاء. الأمر في ذلك واسع بين الترتيب والتفريق حسب يسر المكلف وطاقته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، النيسابوري، القشيري، رحمه الله، في صحيحه: قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، وهو التميمي، أبو عبد الله الكوفي. قال الإمام الذهبي رحمه الله: الإمام الحجة الحافظ، كان عارفًا بحديث بلده، يعني أهل الكوفة. قال: حدثنا زهير، وهو ابن معاوية، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وهو كذلك ثقة ثبت، إلا في روايته عن أبي إسحاق؛ فإنه روى عنه بعد الاختلاط. وكان أهل العراق يفتخرون به، أي بزهير بن معاوية، يقولون: إذا مات الثوري ففي زهير خلف، يعني عنه. وكانوا يفتخرون كذلك بالإمام الثوري رحمه الله، ويقدمونه على غيره في الإتقان والحفظ. قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو ابن قيس الأنصاري، وهو أيضًا من الأئمة الثقات الحفاظ. قال: عن أبي سلمة، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف القرشي، لم يسمع من أبيه، فحديثه عن أبيه مرسل، كما قال أبو حاتم، ويرويه أحد الحفاظ. قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، شغلًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو برسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: وحدثنا، وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وهو الحنظلي، المشهور بابن راهويه، أبو يعقوب، إمام من أئمة المسلمين. سئل عنه الإمام أحمد رحمه الله، فقال: إمام من أئمة المسلمين. قال: أخبرنا بشر بن عمر الزهراني، وأبو محمد الأزدي البصري، ثقة. قال: حدثني سليمان بن بلال، وهو القرشي، فقيه إمام ثقة. قال: حدثنا يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، غير أنه قال: وذلك لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثني محمد بن رافع، وهو النيسابوري القشيري. قال: حدثنا عبد الرزاق، عن همام الصنعاني. قال: أخبرنا ابن جريج، هو عبد الملك. قال: حدثني يحيى بن سعيد بهذا الإسناد. قال: فظننت أن ذلك لمكانها من النبي صلى الله عليه وسلم. يحيى يقوله، أي يحيى بن سعيد. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي. قال: حدثنا عبد الوهاب، وهو ابن عبد المجيد الثقفي. وحدثنا عمر الناقد، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي. قال: كلاهما عن يحيى بهذا الإسناد، ولم يذكرا في الحديث: الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثني محمد بن أبي عمر المكي. قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وهو صدوق. قال: عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، وهو الليثي، أبو عبد الله. قال: عن محمد بن إبراهيم، وهو ابن الحارث القرشي. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: «إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يأتي شعبان». هذا الحديث استدل به جمهور أهل العلم من السلف والخلف، منهم أئمة الأربعة، على أن قضاء رمضان على التراخي، وأن قضاء رمضان على التراخي وليس على الفور. وذلك أن عائشة رضي الله عنها أخبرت أنه يكون عليها الصوم من رمضان، يعني تقضي أو تفطر أيامًا من رمضان، ولا تقضي هذه الأيام إلا في شعبان، لا تقضي ما عليها من الصيام إلا في شعبان. فدل ذلك على أنه يجوز تأخير القضاء، ولو كان القضاء على الفور لما جاز لها أن تؤخر القضاء إلى شعبان. فدل ذلك على أنه ليس على الفور، خلافًا لداود؛ فإنه ذهب إلى أنه يجب القضاء بعد يوم العيد، بعد يوم عيد الفطر. قال: يجب حينئذ قضاء ما على الإنسان من صيام من رمضان. وهذا الحديث يرد قوله؛ فإنه يدل على جواز التأخير، يدل على جواز تأخير القضاء. إلا أنه من كان عليه قضاء من رمضان، لا يجوز له أن يؤخر القضاء حتى يأتي رمضان الآخر، لا يجوز له أن يؤخر القضاء حتى يأتي رمضان الآخر، إلا إذا كان معذورًا؛ ما زال المرض الذي أفطر بسببه يعاني منه، لم يشفَ منه بعد حتى جاء رمضان الآخر، فهو معذور. فمتى ما شُفي وعُوفي من هذا المرض، قضاء ما عليه من الصيام، وليس عليه إلا القضاء. وأما إذا أخر القضاء تكاسلًا، يقول: غدًا أصوم، بعد غدٍ، وهكذا يتكاسل حتى جاء رمضان الآخر، فهذا قال بعض أهل العلم: عليه القضاء والإطعام، يقضي ما عليه من أيام من رمضان الأول، ثم يطعم كذلك مع القضاء كفارة لما حصل له من التأخير عن قضاء ما عليه قبل رمضان. وقال جماعة من أهل العلم: ليس عليه إلا القضاء. وهذا، والصحيح أنه لا يلزمه إلا القضاء، وعليه التوبة، عليه أن يتوب من هذا التأخير الذي حصل منه من غير عذر، فيتوب إلى الله جل وعلا، ويقضي ما عليه من الصيام. وأما من أفطر لعذر في رمضان، ثم استمر به العذر، يعني إنسان مرض فأفطر، وبقي مريضًا بعد رمضان، ثم مات، ولم يشفَ من هذا المرض، فهذا: هل يقضى عليه ما عليه من الصيام، أو يطعم عنه؟ الجواب: ليس عليه شيء، ليس على ورثته وأوليائه شيء، لا يقضون عنه الصيام، ولا يطعمون عنه. لماذا؟ لأن الصوم لم يجب عليه لكونه مريضًا عاجزًا عن الصيام، واستمر به المرض حتى مات، فهذا لم يجب عليه الصيام، فهو معذور، فهو معذور، لا يجب عليه قضاء، ولا كذلك أيضًا لا يجب عنه إطعام، كما سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها بعد هذه الأحاديث. وفي هذه الأحاديث تخبر عائشة رضي الله عنها أنها يكون عليها الصيام من رمضان، هي وغيرها من أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، فما تستطيع أو لا تتمكن من القضاء إلا في شعبان. لماذا؟ لأنهن رضي الله عنهن يحبن من النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يفوتهن الليالي التي تكون لهن من النبي عليه الصلاة والسلام. وقد يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم لهن الاستمتاع بهن في النهار أو في غير ذلك من الأوقات، فربما لو صامت حرمت النبي عليه الصلاة والسلام من حاجته، وربما أيضًا كذلك حرمت نفسها من حاجتها من النبي عليه الصلاة والسلام. وما هي إلا أيام معدودة وأيام قليلة. يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام كان عنده تسع نسوة، وكان يقسم عليه الصلاة والسلام بالليالي، يعني لا تأتي الواحدة منهن ليلتها إلا بعد ثماني ليال، إلا بعد ثماني ليال، فهي تتهيأ لهذه الليلة التي سيأتي إليها النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يعني تستمتع معه ويستمتع بها، وربما تشغل عن الصيام بسبب ذلك، حتى يأتي شعبان. فكان النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان يصوم أكثر شعبان، وربما صام شعبان كله، فحينئذ لا يكون له رغبة عليه الصلاة والسلام وحاجة إلى نسائه، لهذا كنّ يقضين ما عليهن من الصيام في شعبان. هذا معنى قول عائشة رضي الله عنها: لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. دل الحديث، كما سمعتم، على جواز تأخير القضاء إلى شعبان، لكن لا يجوز تأخيره إلى بعد شعبان من غير عذر، وأن قضاء الصيام من رمضان على التراخي وليس على الفور. وهل يجب قضاء الصيام على الترتيب؟ إنسان مثلًا أفطر خمسة أيام من رمضان، هل يجب عليه أن يقضيها بعد رمضان على الترتيب؟ الجواب: لا، ما يجب عليه أن يقضيها على الترتيب، بل يجوز أن يفرقها، يصوم مثلًا الاثنين والخميس، ويعتبرها من القضاء، لا بأس، لا يجب ولا يلزم أن يصومها مرتبة، بل الأمر في ذلك واسع، إن شاء رتبها، وإن شاء فرقها، ويجزئ ذلك عنه. طيب، هذا ما يتعلق بهذا الحديث إلى هنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.