الدرس في كتاب الطهارة 14، ألقاها
يبدأ الشرح بتوضيح أهمية إسباغ الوضوء وتخليل الأصابع كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويناقش تقسيم إسباغ الوضوء إلى واجب ومستحب.
يتطرق الشرح إلى تفاصيل الوضوء مثل غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل القدمين، مع توضيح الفرق بين الواجب والمستحب في أفعال الوضوء.
يناقش آراء أهل العلم في تخليل اللحية ودلك الأعضاء أثناء الوضوء، مع توضيح الخلافات الفقهية حول واجب أو استحباب هذه الأفعال.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، في حديث أبي هريرة المذكور بروايتيه: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا»، وحديث: «استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء»، ذكرنا أن قول الجمهور أن هذا يعم نوم الليل ونوم النهار. وأما بالنسبة لوجوب الاستنثار ووجوب غسلها قبل وضعها في الإناء، ذكرنا أن هذا القول بالوجوب يقول به الجمهور. إذا كنت قلت ذلك، فهذا وهم، والجمهور على الاستحباب. جمهور أهل العلم على استحباب غسل اليدين قبل وضعهما في الإناء، وعلى استحباب كذلك الاستنثار بعد الاستيقاظ من النوم. والقول بالوجوب قول الإمام أحمد رحمه الله. قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب الوضوء: «وعن لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما». أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة. ولأبي داود في رواية: «إذا توضأت فمضمض». هذا الحديث لثقيط بن صبرة حديث صحيح، وقضته جمع من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله. فيه أمر النبي عليه الصلاة والسلام بإسباغ الوضوء. والإسباغ بمعنى الإتمام والإكمال. قال الله جل وعلا: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ يعني أتمها وأكملها. والوضوء بالضم مراد به الفعل، المراد به فعل الوضوء، أي إذا توضأتم فأسبغوا هذا الوضوء، فأكملوه وأتموه. التخليل بين الأصابع، التخليل يعني التفريق بين الأصابع لإدخال الماء فيما بينها، تخليلها بالأصابع ليمر الماء فيما بين الأصابع. فأقول: عليه الصلاة والسلام أمر بإسباغ الوضوء. إسباغ الوضوء على نوعين: إسباغ واجب، وإسباغ مستحب. فالإسباغ الواجب ما لا يتم الوضوء إلا به، فهذا واجب، بإعطاء كل عضو حقه من الغسل. وما يتم الوضوء بغير فعله من الإسباغ فهو مستحب. هذا هو النوع الثاني. فالنوع الأول ما لا يتم الوضوء إلا به فهذا واجب، مثلا في غسل الوجه تغسل الوجه كاملا، حد الوجه، في اليد تغسل اليد إلى المرفق، تمسح الرأس باستيعاب، تغسل القدم إلى الكعبين، هذا واجب. ما زاد على ذلك فهو مستحب، كأن تتوضأ مثلا ثلاثا ثلاثا، هذا من الإسباغ المستحب. وقوله: «وخلل بين الأصابع»، التخليل بين الأصابع كما علمنا التفريج بين الأصابع ليصل الماء إلى ما بين الأصابع. وهذا التخليل كذلك منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب. فالواجب هو إيصال الماء إلى ما بين الأصابع. فإذا كان الماء لا يصل إلى ما بين الأصابع إلا بتخليلها فتخليلها واجب. ويتأكد ذلك في حق من كانت أصابعه متقاربة شديدة الالتصاق بعضها ببعض، فهذا يتأكد في حقه تخليلها حتى يصل الماء إلى ما بين الأصابع. قال: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما». عرفنا أن الاستنشاق إدخال الماء إلى الأنف. المبالغة يعني أن تبالغ في إدخال الماء، يعني تدخل الماء بأنفك بقوة. فهذه المبالغة مستحبة. ما هو الصارف لهذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب؟ الصارف هو قوله: «إلا أن تكون صائما»، يعني إذا كنت صائما فلا تبالغ خشية أن يدخل الماء من الأنف إلى الحلق، يصل إلى الجوف. فلما قال: «إلا أن تكون صائما»، دل هذا على أن المبالغة مستحبة وليست واجبة. في حديث آخر عند أبي داود: «إذا توضأت فمضمض». هذا فيه الأمر بالمضمضة. فهل المضمضة واجبة أو مستحبة؟ وهكذا الاستنشاق في هذا خلاف بين أهل العلم. فذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب المضمضة والاستنشاق في الوضوء. واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ قالوا: أمر الله جل وعلا بغسل الوجه، والوجه ما تحصل به المواجهة، فيدل ذلك على غسل ما ظهر من الوجه، ولا يجب غسل ما بطن كالفم والأنف. قال رحمه الله: «وعن عثمان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء». أخرجه الترمذي وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وصفة وضوئه. وفي هذه الرواية التي عند الترمذي قال: «وكان يخلل لحيته في الوضوء»، أي النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى يخلل لحيته يعني يوصل الماء إلى أصول شعر اللحية. اختلف أهل العلم في تخليل اللحية. وأمثل هذه الأحاديث حديث عثمان. ومع ذلك حديث عثمان هذا ضعيف، فيه عامر بن الشقيق وهو ضعيف. فبعض أهل العلم ذهب إلى أن هذه الأحاديث بمجموعها مع ما فيها من ضعف تدل على أن لتخليل اللحية أصل. فقالوا باستحباب تخليل اللحية أحيانا. نأتي إلى حكم تخليل اللحية. نقول: إذا كانت اللحية كثيفة لا ترى البشرة من تحتها، فهذه لا يجب تخليلها. وأما إن كانت البشرة ترى من تحت اللحية، اللحية خفيفة والبشرة ترى من تحتها، فهنا يجب غسل ما تحت اللحية؛ لأن البشرة الظاهرة هي من الوجه، فوجب غسلها بقول الله جل وعلا: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. قال رحمه الله: «وعن عبد الله بن زيد قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه». أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة. والحديث رواه أحمد، وابن خزيمة، وسنده صحيح. إلا أن بعض الحفاظ كالإمام أبو زرعة رحمه الله رجح أن الحديث الصحيح أنه من حديث أم عمارة بنت كعب. فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ بقدر ثلثي مد. المد ربع الصاع النبوي. فهذا يدل على استحباب التقليل في استعمال الماء في الوضوء. وفي حديث أنس بالصحيحين قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد». إذن هذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء أنه يقتصد في استعمال الماء إلى نحو المد أو أقل من المد. قال بعض العلم: هذا الحديث فيه دليل على الحد المفرق بين المسح وبين الغسل. أن يكون استعمال الماء قدر ثلثي مد فيكون هذا غسلا. فإن كان أقل من ذلك فيكون ذلك مسحا وليس بغسلا. قوله: «فجعل يدلك ذراعيه»، الدلك هو وضع اليد على العضو مع الغسل، تحريك اليد على العضو مع الغسل. فالدلك شيء زائد عن الغسل. هل الدلك يجب في الوضوء؟ ذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أنه يجب. وذهب الإمام محمد وقول الجمهور أنه لا يجب دلك الأعضاء عند الوضوء. والصحيح أن دلك الأعضاء عند الوضوء لا يجب. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.