الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة وصلى ركعتين ركعتين في الطريق، وأقام بمكة عشر أيام يقصر الصلاة، مما يدل على أن المسافر يقصر ما لم ينوِ الإقامة، ولا يثبت تحديد القصر بأربعة أيام بدليل صريح.
يبيّن المقطع أن المسافر هو من خرج لحاجة ولم ينوِ الإقامة، وإن طالت مدته وتنقل بين المواضع، بينما يعد مقيماً من نوى الإقامة في موضع وأعجبه البقاء فيه، ويستدل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث أقام بمكة عشراً وهو يقصر لعدم نيته الإقامة.
أقام النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك عشرين يوماً وهو يقصر الصلاة، وهذا يُعد دليلاً على جواز قصر الصلاة للمسافر خلال هذه المدة، والله أعلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التيمي، وهو أبو زكريا النيسابوري، قال: أخبرنا هشيم، وهو ابن بشير أبو معاوية السلمي، قال فيه الذهبي: حافظ بغداد، وكذلك أيضا قال فيه الحافظ: ثقة ثقة ثبت، إلا أنه كثير التدريس. قال: عن يحيى بن أبي إسحاق، وهو الحضرمي مولاهم المصري، وهو صدوق ربما أخطأ. قال: عن أنس بن مالك، وهو أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع. قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرا. وقال: وحدثنا قتيبة، وهو ابن سعيد بن جميل بن طريف أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو وضاح بن عبد الله اليشكري. وقال: وحدثناه أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، قال: حدثنا ابن علية، ما اسمه؟ آه، ما اسمه ابن علية؟ إسماعيل، نعم، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بابن علية. قال: جميعا عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث هشيم. وقال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثني يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: خرجنا من المدينة إلى الحج، ثم ذكر مثله. وقال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي. وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو سام، جميعا عن الثوري عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، ولم يذكر الحج، يعني: من هذه الطريق لم يقل: خرجنا من المدينة إلى الحج، وإنما فيها ذكر الخروج من المدينة مع النبي عليه الصلاة والسلام. في هذا الحديث يخبر أنس رضي الله عنه أنهم خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع، يعني: إلى المدينة. قلت: كم أقام بمكة؟ قال: عشرا، يعني: عشرة أيام. وفي هذا الحديث أن المسافر إذا خرج من بلده ضاربا في الأرض ناويا السفر، وغادر مواطن بلده، فله أن يقصر الصلاة، وأن يترخص برخص السفر. فالنبي عليه الصلاة والسلام خرج من المدينة ناويا السفر إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين، أي: منذ أن خرج من المدينة وهو يصلي ركعتين. وكذلك أيضا فيه دلالة على أن المسافر إذا لم ينوِ إقامة فله أن يقصر الصلاة، وإن كان مكثه أكثر من أربعة أيام. فالنبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشرا وهو يقصر الصلاة، ما زال يقصر الصلاة حتى رجع إلى المدينة. فتقييد القصر بأن يقيم الإنسان مدة أقل من أربعة أيام، هذا ليس عليه دليل صحيح صريح، بل الأدلة تدل على أن المسافر إذا لم ينوِ إقامة، وخرج للسفر ولقضاء حاجة، فله أن يقصر الصلاة، ولو جلس في تلك البلدة أكثر من أربعة أيام، لأنه في حكم المسافر. كمن سافر مثلا لمعاملة تستغرق أكثر من أربعة أيام، أسبوع أو أكثر، ويذهب من مقر إلى مقر ومن إدارة إلى أخرى، فهو مسافر. وهكذا من سافر للعلاج، هو سيعالج عند الأطباء من مستشفى إلى أخرى، وينتقل من موضع إلى آخر، وربما يسكن في فندق أو في شقة، وهكذا حاله حال المسافر وليس المستقر، وإن طالت مدته، ما دام أنه لم ينوِ إقامة، وذهب لحاجة، فهو مسافر حتى يرجع. بخلاف من سافر إلى موضع من المواضع، بلاد من البلاد، لغرض من الأغراض، ثم نوى الإقامة، أعجبه المكان وأراد أن يقيم، كمن يسافر من بلده مثلا إلى مركز من مراكز العلم لطلب العلم، فيجلس ويعجبه المركز وينوي أن يبقى وأن يجلس، فهذا يكون في حكم المقيم، لأنه قطع نية السفر بنية الإقامة والجلوس، وكذلك أيضا البقاء في هذا الموضع، فحينئذ يكون مقيما. فإذا كان في حال الإنسان معنى السفر، معنى السفر: كون الإنسان غير مستقر، يسكن في الفنادق، يأكل في المطاعم، يذهب يقضي حاجته والغرض الذي لأجله ذهب إلى تلك البلاد، من موضع إلى آخر، هذا مسافر، وإن طالت مدته، وإن طالت مدته. بخلاف من، كما سمعتم، أقام في موضع وأعجبه البقاء فيه، وأراد أو نوى أن يستمر في الجلوس في تلك البلاد، هذا في حكم المقيم، هذا يعتبر مقيما. وعلى هذا تدل هذه الأدلة، ومن هذا الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة يقصر الصلاة ويصلي ركعتين حتى رجع، حتى رجع إلى المدينة وهو يصلي ركعتين عليه الصلاة والسلام، وأقام عشرا وهو يقصر الصلاة. وهكذا أيضا في جلوسه عليه الصلاة والسلام في تبوك، أقام عشرين يوما وهو يقصر الصلاة عليه الصلاة والسلام. فهذه الأدلة تدل على هذا المعنى الذي ذكر، والله تعالى أعلم. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.