الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي الحديث أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، فاسترجع عبد الله بن مسعود وذكر أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ركعتين فقط، داعياً أن تُقبل منه الأربع. وتعددت أسانيد هذه الرواية عن الأعمش بإسناد متواتر يثبت صحة النقل.
يقرر الأثر أن السنة في السفر قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين اقتداءً بالنبي والخلفاء الراشدين، وأن الإتمام في السفر مكروه لكن صحيح. ويبين جواز الصلاة خلف من يتم صلاته في السفر حتى لو رأى المأموم القصر أفضل، لانتفاء المفسدة في المتابعة.
يستعرض المقطع فقه ابن مسعود في متابعة عثمان في الإتمام رغم رؤيته القصر، مقدماً مصلحة الوحدة ونبذ الفرقة على فعل الأفضل. ويستخلص قاعدة أن الداعية وطالب العلم قد يترك الفعل الأفضل للمفضول المشروع لجمع الكلمة، بشرط ألا يبلغ الأمر حد البدعة أو التحريم.
يقرر المقطع أن القنوت في صلاة الفجر يُعد بدعة، لذا لا يُشرع فعله لتحقيق التآلف والوحدة بين المصلين. ويوضح الفرق بين فعل المفضول المشروع الذي يُترك للأفضل جمعاً للكلمة، وبين البدعة التي لا تُفعل أصلاً حتى لو كان القصد التآلف.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني، قال: حدثنا عبد الواحد، وهو ابن زياد أبو بشر، وهو ثقة، عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي المحدث المقرئ، كان يلقب بالمصحف، نعم كان يلقب بالمصحف لقوة حفظه للقرآن. قال: حدثنا إبراهيم، وهو النخعي ابن يزيد ابن قيس النخعي. قال الإمام الذهبي رحمه الله: فقيه العراق، وكان عجباً في الورع وكثرة الخير، وهو ثقة إلا أنه كثير الإرسال. قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، وهو أيضاً نخعي أبو بكر، وهو أخ الأسود بن يزيد النخعي، وابن أخي علقمة، علقمة بن قيس النخعي. قال: يقول: صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع، يعني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فاسترجع اختصار لهذه الكلمات، ومثله الحوقلة اختصار لقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، والبسملة اختصار لبسم الله الرحمن الرحيم، والتحميد اختصار للحمد لله رب العالمين، ونحو ذلك. فقال: فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعتين متقبلتين. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وأبو كريب، ومحمد بن العلاء، قالوا: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير. وحدثنا عثمان بن أبي شيبة - وهما أخوان، وهناك ثالث أيضاً إخوانهم، اسمه القاسم بن أبي شيبة، القاسم فيه ضعف، وأبو بكر وعثمان ثقتان - قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد. وحدثنا إسحاق، وهو الحنظلي إسحاق بن إبراهيم، مشهور بابن راهويه. ومن خُشَيْم، وهو علي بن خُشَيْم، قال: أخبرنا عيسى، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق، ثقة كان من الحفاظ العباد. قال: قال كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه. هذا الحديث يخبر عبد الرحمن بن يزيد رحمه الله أن عثمان رضي الله عنه صلى بهم بمنى أربع ركعات، يعني أتم الصلاة، فذكر ذلك لعبد الله بن مسعود الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة رضوان الله عليهم، وأحد حفظة كتاب الله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، يعني ابن مسعود رضي الله عنه. فذكر ذلك لابن مسعود فاسترجع، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقال ذلك لأنه يعني فعل شيء خلاف الأفضل، فصلاة الركعتين بمنى أفضل من صلاة أربع ركعات لأنه هدي النبي عليه الصلاة والسلام ومن بعده من خلفاء الراشدين. ثم قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وهكذا ذكر أنه صلى مع أبي بكر، وهكذا صلى مع عمر رضي الله عنه، ثم قال: فليت حظي من أربع ركعتين ركعتان متقبلتان، يعني لو أني أصلي ركعتين هذا أحب إلي وكذلك أفضل عندي من صلاة أربع ركعات. ففي هذا الأثر بيان أن السنة بمنى أن تصلى الصلوات ركعتين: الظهر والعصر، وهكذا العشاء، أنها تقصر وتصلى كل صلاة في وقتها من غير جمع، قصراً من غير جمع. وفيه كذلك أيضاً أن الإتمام في السفر خلاف الأفضل، وخلاف الأحسن والأكمل، لأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في السفر هو قصر الصلاة الرباعية، وأن إتمامها مكروه، وإن كانت الصلاة صحيحة كما هو قول جمهور أهل العلم. ويدل على هذا أيضاً أن ابن مسعود رضي الله عنه صلى خلف عثمان أربعاً مع أنه كان يرى أن هذا خلاف الأفضل وخلاف الأكمل، ومع هذا أتم وراءه. وفي هذا دليل على أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يرى أن الإتمام خلاف الأفضل، وأن السنة أن تصلى الصلاة بالسفر ركعتين. ولو كان يرى الوجوب والفرض لما اكتفى بصلاة، يعني بإتمام الصلاة خلف الإمام، إذا كان يرى أن الواجب أن يصلي ركعتين. لكن هذا يدل على أنه كان يرى أن يجوز إتمام الصلاة في السفر وإن كان خلاف الأفضل والأكمل. وفيه كذلك أيضاً فقه هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، إذ أنه فعل شيئاً يرى أنه مفضول، وترك الأفضل، وصلاة الركعتين هي الأفضل، وصلاة الأربع مفضول، لكن فعل هذا رضي الله عنه حرصاً منه على جمع الكلمة ونبذ أسباب الفرقة. ومن هذا نستفيد أن طالب العلم والداعي إلى الله سبحانه وتعالى يحرص على جمع الكلمة بالأمر المشروع، ولو كان مفضولاً وخلاف الأفضل، لو كان هذا الأمر الذي ستجتمع به الكلمة ويحصل به التآلف أمراً هو خلاف الأفضل، لكنه لا يصل إلى حد التحريم أو البدعة، فلا بأس بفعله، وأن يترك الأمر الفاضل حتى تجتمع الكلمة. فابن مسعود رضي الله عنه لما قيل له في ذلك: كيف تقول هذا وقد صليت خلف عثمان أربعاً؟ قال: الخلاف شر، يعني لو خالف عثمان وصلى ركعتين لحصل في هذا خلاف، وسيتابع ابن مسعود جماعة، وحينئذ سيخالفون عثمان رضي الله عنه، وكان الخليفة لزمانه، وهذا سيسبب فرقة واختلافاً، وكذلك خروج عن الجماعة وتفرق للكلمة، فكان من فقهه رضي الله عنه أنه تابعه وإن كان يرى أن هذا خلاف الأفضل. وهكذا يكون طالب العلم والداعي إلى الله سبحانه وتعالى حريصاً على جمع الكلمة، ولو كان بترك الأمر الفاضل. ومثال ذلك: لو أن مسجداً يقوم عليه جماعة وهم يرون أنه لابد من الجهر بالبسملة، ولا يرضون للإمام أن يصلي بهم ويسر بها، مع أن الإسرار هو الأفضل والأكمل والأحسن، والجهر بها خلاف الأفضل، ولا يصل إلى حد البدعة، لكن خلاف الأفضل. فهل يترك هذا المسجد، أو أنه يصلي بهم ويجهر بالبسملة ويحصل بذلك جمع الكلمة وحصول الألفة بهذا الأمر الذي هو أمر مفضول؟ الجواب هو الثاني: أنه يصلي بهم ويجهر بالبسملة، ولو كان هذا خلاف الأفضل، إذا كان بذلك تجتمع الكلمة، وكذلك تنبذ أسباب الفرقة والاختلاف، مادام أن الأمر لا يصل إلى حد البدعة. أما إذا كان الأمر يصل إلى حد البدعة، فلا يحصل التآلف والاجتماع على أمر محدث وعلى مخالفة لهدي النبي عليه الصلاة والسلام وسنته. بذلك مثلاً: لو قيل له: صل بنا واقنت في الفجر، اقنت في الفجر، لابد وإلا ما تصلي بنا. هل يصلي ويقنت أو يترك؟ نقول: يترك، لماذا؟ لأن القنوت في الفجر بدعة، القنوت في الفجر من البدع، فلا يحصل التآلف واجتماع الكلمة بأمر محدث. فمثل هذه الحال لا يفعل هذا الأمر. إذا كان في الأمر سعة، وكان أمراً يعني مشروعاً وإن كان خلاف الأفضل، فلا بأس أن يفعله الإنسان حرصاً على حصول التآلف وجمع الكلمة ونبذ أسباب الفرقة والاختلاف. نكتفي بهذا القدر. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.