الدرس في شرح ألفية العراقي 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقلوب هو ما قلب في إسناده أو متنه، ويشمل أنواعا وأسبابا مختلفة. يكون إما مشهورا أو غير مشهور وقد يكون متعمدا أو نتيجة وهم.
التغريب في رواية الأحاديث يهدف إلى إثراء المكتبة الإسلامية وتوفير أسانيد أخرى. علماء مثل الطبراني كانوا يهدفون إلى زيادة الأسانيد وتعدد الطرق للحديث الواحد.
خلط الأسانيد يؤثر على صحة الأحاديث ويصعب ربطها بمتنها الصحيح. بعض العلماء قاموا بخلط الأسانيد وتأثرت أعمالهم بسبب ذلك.
بعض رواة الحديث يحملون ألقابا مثل "الضرير" الذي يعني الأعمى. حماد بن زين الضرير البصري هو أحد هؤلاء الرواة.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى الحافظ العراقي: المقلوب قسمان: ما كان مشهورا براو أبدل بواحد نظيره؛ كي يرغب فيه للإغراب إذا ما استغرب. ومنه قلب سند لمثل، نحو «امتحانهم إمام الفن في مئة» لما أتى بغداد فردها وجود الإسناد. وقلب ما لم يقصد الرواة، نحو «إذا أقيمت الصلاة» حدثه في مجلس البنان حجاج -أعني ابن أبي عثمان- فظنه عن ثابت جرير، بيّنه حماد الضرير. الآن يقول في المقلوب: المقلوب هو ما قلب في إسناده أو في مثله. القلب يكون في الإسناد ويكون في المثل. يكون في الإسناد بأنواع، مثلا: يجعل الشيخ تلميذا والتلميذ شيخا، أو يقلب الاسم، يقلب اسم الراوي، مثلا يكون مثل ما حصل في «سفيان ابن أبي زهير» أو «زهير ابن أبي سفيان» -الصحابي الذي روى حديث «المدينة خيرا لهم لو كانوا يعلمون»- صانحين. ومنهم من قال «زهير ابن أبي سفيان»، ومنهم من قال «سفيان ابن أبي زهير». هذا يعتبر قلبا. أو يقلب الشيخ ويجعل التلميذ شيخا والشيخ تلميذا، مثل ما جاء في بعض الحديث «منصور عن سفيان»، وإنما هو «سفيان عن منصور» -سفيان ثوري عن منصور ابن المعتمر- لكن بعضهم قلبها فقال «منصور عن سفيان». وأيضا كذلك القلب يكون في المتن، يقلب المعنى، يقلب المعنى، مثل: حديث مسلمة الذي مثل به ابن الصلاح، وهو حديث فيه ضعف، لكن مثله ابن الصلاح. وهو أن «في المال حق سوى الزكاة». وجاء بلفظ «ليس في المال حق سوى الزكاة». يعني اللفظان متعاكسان، هناك قال «ليس في المال»، و«إن في المال حق سوى الزكاة» يعني يثبت أن في المال حقا غير الزكاة. وفي اللفظ الثاني «ليس في المال حق سوى الزكاة» يعني يثبت أنه لا حق في المال إلا الزكاة. بعضهم رواه هكذا، بعضهم رواه هكذا. لكن هذا الحديث أصله ضعيف، فلهذا مثل الحافظ ابن حجر في «النزهة» بحديث السبعة -السبعة الذين يظلهم الله في ظله- فبعض الرواة، وهو يحيى بن سعيد، قلب المتن معنى، قلب في لفظ اليد، فقال «حتى تعلم شماله ما أنفقت» أو «حتى تعلم يمينه ما أنفقت شماله». وإنما هو اللفظ «حتى لا تعلم يمينه أو شماله ما أنفقت يمينه». لكن هو قال «يمينه ما أنفقت شماله». فهذا قلب في المتن، ولكنه لا يضر؛ لأن المراد هو المثال فقط في الحديث. طيب هناك أيضا عدة أحاديث فيها قلب معنا في المتن، كما قلنا: حديث «زينوا القرآن بأصواتكم»، فقلبه بعضهم «زينوا أصواتكم بالقرآن». قلبه بعضهم، كأنه نظر إلى المعنى، رأى المعنى في المتبادر عنده أنه فيه خطأ، فقام قلبه. بعضهم أقول: كيف القرآن يزين بالأصوات؟ القرآن قد زينه الله عز وجل بفصاحته وبليغ كلامه، فقام قال «زينوا أصواتكم بالقرآن». وهذا خطأ. وهنا ذكر المؤلف رحمه الله أن القلب -أي سبب القلب- ينقسم إلى قسمين: إما يتعمد القلب، وإما يكون بوهم. معنى خطأ. وتعمد القلب هنا لأمرين، معنى فعله المحدثون لأمرين: إما للإغراب، وإما للامتحان. إما للإغراب، وإما للامتحان. كفعل الإغراب، معنى: يأتي بحديث ليس عند الناس، فيقلب إسناده حتى لا يعرف هذا الإسناد. وهذا يفعله بعضهم للتغريب على الناس، وهذا غير صحيح. وحيانا يدخل في الكذب. وغالبا مثلا يكون الحديث عن قتادة، فيغربه فيقول عن ثابت. أنا حصل عند بعض المحدثين مثل المرض في فترة من الفترات، أحب الاجتهاد جدا. أنا عنده مثل عيد إذا غرب على أخيه أو على المحدثين الآخر. ولهذا ذكر ابن العماد تلك المناظرة التي حصلت بين الطبراني والجعابي. وابن العماد هو وزير. لكن يقول: حضرت مناظرة بين الطبراني والجعابي، وكان الجعابي يغلب بحفظه، بذكائه، والطبراني يغلب بحفظه. حتى قال الجعابي: عندي حديث ليس عند أحد في الدنيا. قال: هات. فقال: حدثنا أبو خليفة، قال: حدثنا سليمان بن أحمد ابن أيوب، وساق الإسناد. فقال له الطبراني: سليمان بن أحمد ابن أيوب أنا وأبو خليفة أخذناه مني. فقال ابن العماد: هذا كأن الرئاسة لم تكن، وكنت أنا الطبراني. معنى تمنى أن يكون في موقف هذا مثل الطبراني. وهذا لشهرة مثل هذا النوع في ذلك الوقت، كانوا يتفاخرون بالتغريب، يتناظرون لأجل أن يغرب أحدهم عن الآخر، معنى: يأتي له بأحاديث ما يعرفها. ولهذا الطبراني من كثرة حفظه ألف كتبه على الغرابة. الآن لما تقرأ في المعجم الأوسط تجد أكثر الأحاديث غريبة. ولهذا كان يقول الطبراني: المعجم الأوسط هذا يقول: روحي أو قلبي، معنى: خلاص، معنى: أعظم شيء عندي المعجم الأوسط. فلماذا؟ لأنه أولا أخرجه عن مشايخه، وأخرجه عن ما استغرب عن مشايخه، معنى: الأحاديث التي غالبا لا توجد عند أحد. ولهذا غالبا إذا أسند إلى الأوسط، فغالبا يكون حديثا غريبا. بل حتى فعل في الكبير، ذكر أحاديث غريبة. وفعل هذا الطبراني ليس لأجل أنه يغرب على الناس، وإنما الطبراني يقول معناه: كأنه يقول الآن: هذه الكتب مشهورة -البخاري ومسلم وكذا- مشهورة عند الناس، وأحاديثها مشهورة عند الناس أيضا. فهو غالبا إذا جاء بحديث في البخاري ما يأتي بنفس الإسناد، يأتي له بإسناد آخر، معناه: قد لا تجد هذا الإسناد في الكتب الستة. قد لا تجد هذا الإسناد في الكتب الستة. وهذا لأجل أن يزود المكتبة الإسلامية بأسانيد أخرى، وليس لأجل أن يغرب على الناس لا، وإنما يزيد في هذه الأسانيد أسانيد أخرى تؤيدها. ولهذا الآن تجد العلماء الآن الذين يخرجون أكثر اعتمادهم في الشواهد في الطبراني أو في البزار؛ لأنهم اعتمدوا المفردات والغرائب. وهذا عمل عظيم. فأنا حتى يحفظوا هذه الأسانيد، وإلا هذه الأسانيد قد تضيع. أنا كيف يعرف الإنسان أن هذا الحديث له طرق؟ فالطرق غالبا ما دونها العلماء. أنا الآن تجد مثلا البخاري يذكر لك طرقا أو ألفاظا غير موجودة حتى في الكتب. من أين جاء بهذه الطرق؟ موجودة عنده. الدارقطني أيضا يذكر في كتابه «العلل» يقول: هذا فلان أخرجه عن فلان، فلان وفلان وفلان وفلان. أين هؤلاء؟ الآن الكتب أكثر الكتب قد طبعت، وما لم يطبع منها صوروا مخطوطاتها. هذا عمل عظيم فعلته المملكة، خاصة المملكة العربية السعودية. يعني عمل عظيم هذا الذي فعلته، خصصت أناسا يبحثون عن الكتب -كتب الإسلام- ويصوروها. وأيضا كذلك بعضها طبعت وحققت، وبعضها مخطوطات لكن موجودة. فمثل هؤلاء العلماء وألفوا مثل هذه الكتب الغريبة، فيها الغرائب -أي الأسانيد الغريبة التي لم تشتهر عند الناس ولم تشتهر في الكتب الستة- وهذا ليس كما يظنه بعضهم أن هذا من التغريب الذي ينتقد، لا ليس هذا كذلك. وإنما التغريب الذي ينتقد الذي يكون فيه كذب، الذي يغرب على الناس بالكذب. قال ومنه قلب سند لمثل نحو امتحانهم إمام الفن في مئة. أيضا هذا القلب الثاني، إسا القسم الثاني من القسم الأول، وهو تعمد القلب، لكن كما قلنا: تعمد القلب هذا إما أن يكون لأجل التغريب، وإما أن يكون لأجل الامتحان. فلأجل الامتحان مثل ما فعل مع البخاري. بل قد فعله قبل فعله حماد بن سلمة مع يزيد الرقاشي، أبان بن أبي عياش. فعله مع أبان بن أبي عياش، قلب عليه أحاديث أبان -أحاديث أبان نفسه- عن الحسن وعن أنس، منها ما هو مرفوع، ومنها ما هو مرسل عن الحسن، ومنها ما هو من كلام الحسن. فخلط بينها حماد بن سلمة، خلط على أبان. وأبان رجل عابد، معنى: قد نسي العلم الظاهر، معنى: سنوات وهو ما يراجع مثل هذه الأشياء أكثر انهماكا كان في العلم، معنى: وهو شاب وهو فتى كان يتعلم عند أنس ويأخذ عن الحسن. لكن بعد ذلك تفرغ للعبادة، فاحتاج الناس إليهم. أنا هؤلاء معهم حديث أنس، حديث الحسن عن أنس، أو عن مرسلات أو كلامه، احتاج الناس إليهم. فقال: فجئت أبان فقلبت عليه الأحاديث -مرسلات- فاختلطت عليه الأمور. فيقول: عن أنس، يقول: نعم، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: نعم. فيقول: هذا عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من كلام الحسن، يقول: نعم. المهم اختلطت عليه هذه الأحاديث. وهذا لعله أول ما حصل من القلب. وأيضا فعله شعبة، فعله شعبة مع أبان نفسه أيضا، خلط عليه بعض الأحاديث. فلما ذكر شعبة هذا الكلام، فقال له حزم بن عمار أو يحيى: أو يحل هذا أنك تقلب هذه الأسانيد؟ وفعله كذلك بعض طلبة الكوفة من العلماء الكبار، ذكرها هذا القصة يحيى بن سعيد القطان. قال: ذهبت إلى الكوفة، وكان هناك من يطلب العلم: المليح بن الجراح أخو وكيع، وعبد الله بن إدريس، وكذلك حفص بن غياث، وخالد بن يوسف السمتي. قال: فذهبنا إلى بن عجلان، فاتفق أولئك -أي أهل الكوفة خاصة- معنى: حفص بن غياث وخالد والجراح بن مليح على أنهم يدخلون على بن عجلان، ويقلبون عليه الأحاديث -أحاديث من أحاديث سعيد بن المقبري- سعيد بن أبي سعيد المقبري. فما كان عن سعيد عن أبي هريرة، فيجعلونها عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وما كان عن سعيد عن رجل عن أبي هريرة، فيجعلونها عن سعيد عن أبي هريرة. وهكذا. المهم خلطوا الأحاديث. فقال يحيى بن سعيد: أما عبد الله بن إدريس، فقال: أنا لا أستحل هذا. وجلس عند الباب. أنا عبد الله بن إدريس رفض أن يدخل معهم. قال يحيى: فجلست عنده. جلسوا عند الباب ثلاثة. هؤلاء دخلوا فخلطوا على ابن عجلان، فكان يرد حديثهم، معناه: يقول: هذا خطأ، كذا. لكن لما رأى كثرة هذا التخليط، حس. وأنا عرف أن الجماعة خلطوا عليه الحديث. فقال: «إن أردتم شيئا وكذا». فقال: «أما أنت يا حفص، لا تموت حتى يبليك الله في الدنيا والآخرة». «وأما أنت يا خالد، لا أماتك الله حتى تتزندق». وقال لخالد المليح ابن الجراح: «لا نفع الله بعلمه»، «لا نفعك الله بعلمه». فأما المليح: قد مات وهو شاب، ما انتفع أحد به، معناه: ما انتفع بعلمه أحد. هو أخو وكيع، لكنه مات وهو شاب. وأما خالد بن يوسف، معناه: استجاب الله عز وجل لابن عجلان، فما مات حتى تهم بالزندقة. فهو الآن ما يقبل في الحديث، متهم بالزندقة، بالكذب. وأما حفص بن غياث، وهو إمام وحافظ، لكن ابتلاه الله في الدنيا والآخرة: في الدنيا بالفالج، وفي الآخرة بالقضاء. فالج، معناه: أصيبه بالفالج، وهو هذا الذي يسمونه: يصاب بالجلطة. وأما في الآخرة: ابتليه بالقضاء. أنا قاض. لا أن تجد أن الحديث من يكون قاضيا إلا القليل، لكن حفص كان قاضي أهل الكوفة، لكن وفقه الله عز وجل في القضاء. قال العراقي: قال العراقي: أنا ما كنت أستغرب من البخاري أنه يعرف هذه الأسانيد أنها خطأ، لكن العجب: كيف يردها كل إسناد إلى متنه؟ أنا يقول: هذا العجب. أنا سهل أن الإنسان يعرف أن هذا الإسناد خطأ، لكن الأصعب: أنه يرد هذا الإسناد إلى متنه. هذا أصعب. قال وقلب ما لم يقصد الرواة نحو «إذا أقيمت الصلاة». أيضا هذا يعتبره من القلب. وبعضهم اعتبره من الإدراج. القصة هذه قد ذكرناها قبل، وهو أنه قيل لحماد بن زين: أن جرير بن حازم يقول: حديث «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». يقول: حدثنا ثابت عن أنس. حدثنا ثابت عن أنس. وهذا الإسناد ليس صحيح. فلما قالوا لحماد بن زين: قال: وهم جرير. وإنما كنا عند ثابت، فحدثنا حجاج بن أبي عثمان عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه؛ لأن هذا الحديث حديث ابن قتادة. قال: فحدثنا حجاج عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». فهنا جعل هذا الحافظ العراقي من القلب: أنه دخل الإسناد في إسناد، فجعله عن ثابت عن أنس. وإنما هو عن من؟ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. طيب فظنه عن ثابت جرير -جرير بن حازم- فبينه حماد الضرير -حماد بن زين الضرير- معنى: حماد بن زين ابن درهم الضرير البصري، الضرير: معنى الأعمى. طيب إن شاء الله نكتبه.