شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 5

الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 5، ألقاها

حكم تعلم منازل القمر والنجوم وتأثيرها

يتناول حكم تعلم منازل القمر والنجوم للاستدلال على فصول السنة، مع اختلاف آراء السلف بين الجواز والكراهة إذا ارتبط باعتقاد تأثيرها. يُستدل على الجواز بآثار الصحابة والتابعين مع التحذير من الشرك عند الاعتقاد بتأثيرها.

تعلم علم النجوم والتفريق بين علم التأثير وعلم التسيير

يناقش حكم تعلم علم النجوم وينقسم إلى قسمين: علم التأثير المحرم الذي يصل إلى الكفر الأكبر إذا اعتقد تأثير النجوم بذاتها، وعلم التسيير الجائز للاستدلال على فصول السنة.

استخدام الحروف الأبجدية في الحسابات وتسيير النجوم

يفرق بين استخدام الحروف الأبجدية في حساب الجمل الجائز إذا لم يرتبط بتسيير النجوم، واستخدامه لمعرفة الحوادث المستقبلية الذي يعتبر من الشرك والكفر.

تحريم ادعاء معرفة الغيب وعلم الأبراج

يحذر من ادعاء معرفة الأمور الغيبية مثل السعادة أو التعاسة، ويعتبرها من اختصاص الله تعالى، ويحرم علم التأثير والأبراج.

  • 26 جمادى الأولى 1436هـ - 16/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمامنا رجب رحمه الله: علم النجوم ومنازل القمر. قال: وخرجه ابن زنجويه من طريق آخر عن أبي هريرة مرفوعًا: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، ثم انتهوا، وتعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله، ثم انتهوا، وتعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، ثم انتهوا». وفي إسناد روايته ابن لهيعة، وابن لهيعة فيه ضعف. قال: وخرج أيضًا من رواية نعيم بن أبي هند، قال: قال عمر رضي الله عنه: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم، ثم أمسكوا، وتعلموا من النسبة ما تصلون به أرحامكم، وتعلموا ما يحل لكم من النساء وما يحرم عليكم، ثم انتهوا». وهذا ذكره النجاد في مسند عمر بن الخطاب. قال: وروى مسعر عن محمد بن عبيد الله، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق». والله أعلم بصحة هذا الأثر، وإن صح، فهو يدل، كما سيأتي، على جواز تعلم علم النجوم مما يستدل به في القبلة والطريق والجهات. وكان النخعي لا يرى بأسًا أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به. ورخص في تعليم منازل القمر الإمام أحمد وإسحاق، نقله عنهما حرب إسحاق -وهو ابن إبراهيم بن هويه- وحرب بن إسماعيل الكرماني له مسائل في مسائل الإمام أحمد. قال: وزاد إسحاق: ويتعلم من أسماء النجوم ما يهتدي به. وكره قتادة تعلم منازل القمر -قتادة بن دعامة أو القطابي السدوسي- ولم يرخص ابن عيينة فيه -أي سفيان بن عيينة- ذكره عنهما حرب تعلم منازل القمر. كما نرى الآن من السلف من أجازه، ومنهم من منعه. ومنهم من أجازه، ومنهم من منعه. تعلم منازل القمر له معنيان: المعنى الأول هو معرفة منزلة القمر. فالقمر له منازل في كل ليلة حتى يتم ثمانية وعشرين، فإذا بلغ تسعة وعشرين أو ثلاثين لم ير في الغالب. والمعنى الثاني لمعرفة منازل القمر هو معرفة وتعلم منازل النجوم. فيعرف مثلًا أن النجم الفلاني يخرج في اليوم الفلاني. وهذه النجوم جعلها الله عز وجل أوقاتًا للفصول، فيعرف بها فصول السنة: فصل الربيع، فصل الخريف، فصل الشتاء، فصل الصيف. ولذلك أن لها ثمانية وعشرين نجمًا، منها أربعة عشر نجمًا يمانيًا وأربعة عشر نجمًا شماليًا. فإذا وقعت الشمس وحلت في النجوم الشمالية صار الحر، وإذا حلت في النجوم اليمانية صار البرد، فيعرف بذلك فصول السنة. وعلى هذا، فتعلم منازل القمر ومعرفة النجوم للاستدلال بها على معرفة الفصول، فهذا جائز. وأما إن ارتبط بتعلمها اعتقاد أنها هي المؤثرة بنفسها في نزول المطر أو مجيء الرياح أو نحو ذلك مما يحصل، فهذا من الشرك. أما مجرد تعلمها ومعرفة دخول فصول السنة، فيدخل مثلًا في النجم الفلاني فصل الصيف، وفي النجم الفلاني فصل الشتاء، ونحو ذلك، فهذا جائز. فما روي من الكراهة من قول السلف، لعلهم أرادوا المعنى المحرم: الاستدلال بها على ما يحصل وما يحدث من نزول مطر أو مجيء رياح أو نحو ذلك، فهذا من الشرك لا يجوز. ومن رخص، فأراد المعنى الجائز من الاستدلال بها ومعرفتها لفصول السنة، وحينئذ لا إشكال فيما ورد عن السلف ممن أجاز وممن كره. وأيضًا ربما من كره أراد سد هذا الباب، يعني تعلمها ومعرفتها مما يؤدي إلى أن يفهم بعض العوام أنها أسباب أو مؤثرة في حصول ما يقع، فلذلك كره تعلمها. لكن الصحيح أنه جائز كما ذكرنا على هذا التفصيل. قال: وقال طاووس: «رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبا جاد ليس له عند الله من خلاق». خرجه حرب. وخرجه حميد بن زنجويه من رواية طاووس عن ابن عباس: «رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبا جاد ليس له عند الله من خلاق»، يعني من نصيب. ليس له عند الله من خلاق، أي من نصيب. وظاهر هذا كفر من تعلم علم النجوم، وكذلك تعلم حروف أبا جاد. وسيأتي أن في ذلك تفصيل. قالوا: هذا محمول على التأثيرات، لا علم التيسير. فإن علم التأثير باطل محرم، وفيه ورد الحديث المرفوع: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر». خرجه أبو داود من حديث ابن عباس مرفوع، والحديث صحيح. قوله: «ومتعلم حروف أبا جاد»: أولًا قوله: «رب ناظر في النجوم». تعلم علم النجوم ينقسم إلى قسمين: ينقسم إلى قسمين. القسم الأول يسمى بعلم التأثير، والقسم الثاني يسمى بعلم التسيير أو التسير. علم التأثير هو الاستدلال بالحركات الفلكية على الحوادث الأرضية. يُستدل بحركات النجوم والكواكب على أشياء تقع في الأرض، فيقال: بحركة النجم الفلاني يموت فلان أو يحيى فلان أو يحصل كذا وكذا من الأمور. هذا يُسمَّى علم التأثير. وهذا القسم مُحرَّم وباطل. وهو المراد في الحديث: «من اقتبس شعبة من النجوم اقتبس يعني تعلم تعلم شعبة وجزء من علم النجوم». والمراد به علم التأثير، والاستدلال بحركات الفلك على حوادث تقع في الأرض، سواء كان من إحياء أو إماتة حي أو حصول مصيبة أو نزول مطر أو مجيء رياح أو حصول سعادة أو حصول تعاسة إلى آخر ذلك من الأمور التي قد تقع. فهذا من السحر، يعني من أنواع السحر المُحرَّم؛ لأنها أمور خفية يستدل بها صاحبه على أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، فيستدل بهذه النجوم ويدعي أنها هي المُحدثة لها. قال: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر». زاد: ما زاد أي كلما تعلم وازداد تعلُّمًا من علم النجوم كلما زاد من السحر. هذا يسمى علم التأثير، وهذا محرَّم وباطل. إن اعتقد أن هذه النجوم مؤثرة بذاتها وهي التي تخلُق هذه الأشياء، فهو كافر كفرًا أكبر؛ لأنه اعتقد أن هناك خالق مع الله. وإن اعتقد أنها سبب، فإذا حدث شيء قال: هذا بسبب النجم الفلاني، إذا نزل المطر قال: هذا بسبب النجم الفلاني نزل بسبب النجم الفلاني، هذا من الشرك الأصغر والكفر الأصغر؛ لأنه جعل شيئًا سببًا ولم يجعله الشرع سببًا. وجاء في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه لما قال: مطرنا في يوم الحديبية، قال: صلينا الصبح على إثر سماء كانت من الليل، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح أقبل على أصحابه، فقال: «أتدرون ماذا قال الله أو ماذا قال ربكم؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب. ومن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب». فجعل ربنا جل وعلا من نسب الفعل إلى الكوكب -والمراد بالنوء هي الكواكب ومنازل القمر النجوم- من نسب الفعل إليها وقع في الكفر. قال: «فهو كافر بي مؤمن بالكوكب». ومن نسب الفعل إلى الله سبحانه وتعالى، قال: «فهو مؤمن بي كافر بالكوكب». طيب هذا النوع الذي يسمى بعلم التأثير، هذا محرم وباطل. والنوع الثاني وهو علم التيسير أو التسير، وهو معرفة وتعلم من النجوم ما يهتدى به في الطريق ويعرف به القبلة، فهذا جائز. فالله عز وجل يقول: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَبِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾. الله عز وجل جعل علامات في الأرض وعلامات في السماء. في الأرض الجبال والأودية وغيرها مما يستدل به على معرفة الجهات والطرق، ثم ذكر علامات في السماء وهي النجوم. قال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، فيعرفون الطرق ويعرفون الجهات عن طريق معرفة النجوم، هذا جائز. قتادة رحمه الله ثبت عنه كما في البخاري أنه قال: «خلق الله عز وجل النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن ابتغى غير ذلك، فقد أخطأ وأضاع نصيبه». فالله عز وجل جعل النجوم زينة للسماء: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَيَاطِينِ﴾. هكذا أخبر الله جل وعلا أنه جعلها رجومًا يرجم بها شياطين الجن التي تسترق السمع. وكذلك جعلها علامات يهتدى بها، هذا يسمى بعلم التيسير أو التسير، وهذا جائز. وقول طاووس: «ومتعلم حروف أبا جاد ليس له عند الله من خلاق». حروف أبا جاد هي الحروف الأبجدية: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ظغش. هذه حروف تستعمل في حساب الجمل. يعني بدل أن يحسب بالأعداد فيحسب بهذه الحروف. وهذه كذلك فيها تفصيل. إن استخدمت الحروف الأبجدية لمعرفة وتعلم حساب الجمل، وهذا جائز لا بأس به. وما زال العلماء قديمًا وحديثًا يستعملون هذه الأحرف في حساب الجمل، كثيرًا ما تستعمل في المنظومات العلمية، فتختم بهذه الأحرف في معرفة عدد هذه الأبيات مثلًا أو متى ألفت، فهذا جائز. والنوع الثاني من استعمال أبا جاد: أن تستعمل مرتبطة بتسيير وحركات النجوم، أن تستعمل مرتبطة بسير النجوم، فتربط بحركة النجوم وطلوعها وغروبها، فينظرون في النجوم ويستدلون بها على ما يقع من حوادث في الأرض من سيول أو جلب أو حصول مرض أو حصول مصيبة أو ما يحصل على جهة الخصوص لإنسان معين أنه سيحصل له مرض أو يحصل له فقر أو يحصل له غنى أو غير ذلك مما يستدل به. وهذا محرم ويدخل في القسم المحرم من علم النجوم، وهو علم التأثير، هذا لا يجوز. وهو المراد بقول طاووس وابن عباس: «ومتعلم حروف أبا جاد ليس له عند الله من خلاق». إذا تعلمها على هذا الوصف وعلى هذا المقصد، يستدل بها على حركات النجوم ثم يستدل به على ما يقع في الأرض من أمور، فهذا محرم. وهو كذلك أيضًا من الشرك والكفر كما مر، فهذا ممنوع. وكذلك أيضًا من علم النجوم المحرم الذي يستخدمه بعض الناس ما يسمى بالأبراج، يقال لفلان: أنت برجك الثور، وأنت برجك العقرب، أنت سيحصل لك كذا وكذا. هذا من السحر، يدخل في حديث ابن عباس في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر». لأن هذه أمور غيبية، ما أدرى أنه سيحصل لفلان كذا وكذا من سعادة أو من تعاسة أو من غنى أو من فقر أو من صحة أو مرض، هذه أمور لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. فهذه الأبراج من هذا القسم المحرم الذي هو علم التأثير. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على