الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 538

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 538

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 538، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث النبي عن الإنفاق

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول الإنفاق وترتيبه، حيث بدأ بمن يعول المرء مثل الأم والأب والأخت والأخ. يُوضح معنى "يد المعطي العليا" وأهمية الإنفاق على المحتاجين بدون سؤال.

أولوية الواجبات على المستحبات في الإنفاق والعبادات

يُشير إلى أهمية تقديم الواجبات على المستحبات في الأمور المالية والعبادية، مثل إنفاق المال على الأهل قبل التصدق به، وأداء الصلاة في وقتها قبل الاهتمام بالسنن والنوافل.

وجوب النفقة على الأقارب وتفاصيله

النفقة على الأقارب واجبة إذا كانوا محتاجين، مثل الأب والأم والزوجة والأولاد والإخوة والأخوات الفقراء. يجب تقديم هذه النفقة على غيرها من النفقات المستحبة مثل الصدقة.

تفسير معنى تعول في الحديث النبوي

تعول في الحديث تعني تعطي العيال النفقة، وهم الذين يبدأ بهم في الإنفاق حسب الحديث. هذا هو الخلاصة الرئيسية لما ورد في شرح هذا الحديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقرب من هذا الوعد، رحمه الله: قال الإمام النسائي، رحمه الله: أخبرنا يوسف بن عيسى، قال: أنبأنا الفضل بن موسى، وهو كما تقدم السيناني، ابن عم الأوزاعي، أبو عمر الأوزاعي، إمام أهل الشام، ابن عمه هذا الفضل بن موسى السيناني، قال: حدثنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق المحارب، قال: قدمنا المدينة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائم على المنبر يخطب الناس، وهو يقول: «يد المعطي العليا، وابتدئ بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك». قال: هذا حديث صحيح. وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني البخاري ومسلمًا أن يخرجاها، وهو كما تقدم لا يلزمهما. ألزم الدارقطني بإخراج مثل هذه الأحاديث، وهما لا يلزمهما؛ لأنهما لم يشترطا أن يخرجا كل حديث صحيح. وهذا الحديث قد تقدم معنا في الرواية التي ذكرها المؤلف من طريق ابن خزيمة، أو التي أخرجها ابن خزيمة، وذكرنا هذا، قلنا: نؤخره في الروايات الأخرى. فقوله صلى الله عليه وسلم: «يد المعطي العليا»، لأن المعطي هو المحسن، والمحسن يده العليا، ويد السائل هي السفلى. لكن يد المعطي الذي يعطي بدون سؤال، فهل تكون سفلى؟ فلا. الحديث الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سمى اليد المعطية عليا، واليد السائلة سفلى، ولم يذكر اليد التي تعطى بدون سؤال. وإن كان مفهوم الكلام في قول «يد المعطي العليا»، مفهومه أن غيرها سفلى، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر التي تعطى بدون سؤال. بل إن الله عز وجل أثنى على من هو محتاج، لكنه لا يسأل الناس، بل يعطى بدون سؤال: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾، أي: إن سألوا فإنهم لا يكررون السؤال، ولا يلحفون في المسألة. هذا إن احتاجوا، وصحت لهم المسألة، فهم لا يلحفون في السؤال. ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا﴾. وأيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنىً فيغنيه، ولا يتفطن له فيتصدق عليه». فلهذا فالذي يعطى بدون سؤال لم تذكر لديه هل هو من العليا أو من السفلى؟ لا شك أنه ليس من العليا؛ لأنه ليس محسنا. لكن هل هو من السفلى؟ قال به بعض أهل العلم. وبعض العلماء رأى أن التعبير بالسفلى فيه شيء من النقص. وهذا الذي يعطى جاءت الأحاديث في الثناء عليه، أي: الذي يعطى بدون السؤال. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن «يد المعطي العليا»، فلهذا المعطي -سواء كان أعطى لسائل أو أعطى لمسكين أو حتى لو أعطى لابنه أو حتى لو أعطى لأبيه ولأمه- فتعتبر يده العليا. لماذا؟ لأنه محسن. «يد المعطي العليا». «وأبدأ بمن تعول»، معنى إذا أنفقت وعندك مال، ابدأ بمن تعول. فما جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم: «دينار أنفقته على أهلك، ودينار تصدقت به، ودينار في سبيل الله، أفضلها الدينار الذي أنفقته على أهلك». وليس معنى ذلك أن الإنسان يسخر أمواله كلها لأهله، ويسرف في ذلك، ولا يتصدق. لا، إنما إن كان عندك مال يكفي أهلك، فهذا أفضل أن تعطيه أهلك. وإن كان عندك فضل على ما تعطيه أهلك، فالأفضل لك أن تتصدق به -سواء كان صدقة جارية أو صدقة ليست جارية أو كذلك صدقة في سبيل الله في الجهاد، أو في العلم، أو في غيرها من الصدقات- أو كذلك هدية وهبة، كل ذلك من أبواب الخير. لكن المراد أن الإنسان إذا لم يجد إلا شيئًا يسيرًا من المال، فإنه يقدم أهله قبل أي شيء. فإعطاء أهله هذا المال هو أفضل من أنك تعطيه مسكينًا، بل أفضل من أنك تنفقه في سبيل الله. لماذا؟ لأن هؤلاء نفقتهم واجبة، لأن هؤلاء نفقتهم واجبة، وغيرهم نفقتهم مستحبة. فلهذا فالواجب يقدم على المستحب، لا شك. والواجب أجره أعظم من المستحب، والمستحب إنما يأتي بعد الواجب. فإذا فرط في الواجب وأتى بالمستحب، فهو يذم. معنى الذي يأتي بالمستحب ويفرط في الواجب هذا مدموم. لماذا؟ لأن ذاك واجب عليه. الذي مثلًا يؤخر الصلاة -صلاة العصر مثلًا- ويصلي قبل العصر، أو مثلًا الفجر يؤخر الصلاة، ينام، يسهر الليل وينام بعد ذلك، ولا يقوم لصلاة الفجر، يقوم قرب طلوع الشمس، فيصلي سنة الفجر، ثم يصلي الفرض، فهذا حافظ على سنة الفجر، لكن تفريطه في صلاة الفجر فيه شيء، خاصة إذا أخرجها عن وقتها، فإنها تحرم. ويحرم كذلك سهره إذا كان يسهر، ولو على علم، ولو على خير، إذا كان يسهر ويضيع صلاة الفجر، فهذا السهر يكون عليه حرامًا. ولو كان مثلًا يصلي السنة -أن مثلًا يقوم بعد طلوع الشمس يصلي السنة ويصلي الفرض- فهذا لا يشفع له أن يكون فرضه مقبولًا، أو أنه غير مدموم. فلهذا لا يجوز أن يفرط في الواجب ويهتم بالمستحب، فهذا من تسويل الشيطان. وكذلك من تلاعب الشيطان بالعبد، فإنه يجعل -كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله- أن من خطوات الشيطان التي يفعلها إذا يئس من العبد من أين يأتيه؟ يأتيه من باب الشهوات، يجد أنه محافظ وملتزم بشرع الله، يأتيه من باب الشبهات أيضًا، عنده حنكة وعلم، فيأتيه من باب -كما قال الإمام ابن القيم- من تقديم المهم على الأهم، يقدم المهم على الأهم. فمثلًا تجد أنه مثلًا عنده اهتمام بالعلم، لكن اهتمامه بالعلم هذا يضيع عليه الجماعات، أو يفرط فيها، يأتي والإمام قد صلى، أو قد ركع ركعتين أو ثلاث، فهذا أيضًا من تقديم المهم على الأهم. وغيرها من هذه الأشياء، فيشغله بالمهم ويترك ما هو أهم من ذلك، ما هو أهم من هذا؛ لأن كل شيء من هذه الطاعات في وقتها. العلم لا شك أنه ليس له وقت معين، لكن في وقت غيره -مثل الصلوات الواجبة- لا بد أن يتفرغ لها. ولهذا كان بعض السلف -جاء عن شعبة، وعن مسعر بن كدام- ثبت عنهم أنهم كانوا يقولون: «يا أهل الحديث، إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟». والمرض يصدكم أن تفرطوا فيما هو واجب عليكم من صلاة الجماعة، وصلاة أيضًا في أوقاتها، وكذا. فلهذا الإنسان يحرص على أنه لا يجعل الأمور المهمة، أو يرتكب ويهتم بأمور مهمة، لكن يترك ما هو أهم منها. فإن هذا من خطوات الشيطان. فلهذا فلا ينبغي للمسلم أن يعطي الصدقة، ويعطي ما هو مستحب لأجل الواجب. فالواجب لا بد أن يأتي به. فلهذا فنفقة الأم والأب، وكذلك نفقة الزوجة، ونفقة الأولاد، هذه واجبة، هذه واجبة، لا بد أن يقدمها على غيرها من النفقات. قال: «وابدأ بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك». وهذا أيضًا فيه دليل لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وهي رواية أيضًا عند الحنابلة: أن النفقة على الإخوة والأخوات الذين لا يجدون من ينفق عليهم، والرجل يكون عنده فضل في نفقتهم، فهنا يجب عليه أن ينفق عليهم. ولهذا العلماء يقولون: إنه إذا كان أحد أقاربك يستحق الزكاة، فإن كان ممن ينفق عليه، فلا يعطيه الزكاة، وإنما واجب عليه أن يعطيه نفقة. وأما إن كان ممن لا ينفق عليه، فإنه يعطى زكاة. مثلًا رجل عنده ابنة، لكن هذه الابنة متزوجة، فهنا هل يجب عليه أن ينفق عليها؟ لا، إلا إذا كان زوجها فقيرًا معدما، ما عنده شيء، أو أنه مثلًا لا يستطيع أن ينفق عليها. أو يأتي بما يطعمه ويطعم عياله الذين عنده، وكذلك زوجته. فهل الآن إذا توفرت له زكاة هل يعطيها من الزكاة؟ نعم يعطيها إذا كان ما ينفق عليها. لكن إن كان عنده مال وعنده فضل مال على نفقته، وهذه ابنته وإن كانت متزوجة، لكن زوجها فقيرًا معدما، فيعطيها من النفقة، فيكون واجبًا عليه أن يعطيها من النفقة، ولا يعطيها من الزكاة. وأما إذا كان أخًا أو أختًا، فهذا على الصحيح -كما قلنا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- أي: قوله: إنه يجب عليه أن ينفق على أخيه إذا كان معدما ما عنده شيء، أو أخته -سواء كانت عنده أو عند غيره-. بعضهم الآن يعلم أن أخته ليس لها دخل، وليس لها زوج، مثلًا جالسة عند أخيه، أو جالسة في بيتهم عند أمه، فتجد أنه يتخلى عنها، لا يعطيها نفقة، وهو عنده مال، فيظن أنه ما ينفق عليها إلا إذا كانت عنده، فهذا خطأ. بل يعطيها نفقتها، ولو كانت في غير بيته إذا كان يستطيع. أما إذا كان لا يستطيع، لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها. أما إذا كان عنده مال يزيد على نفقته، ويزيد على حاجته، فيجب عليه أن ينفق على أخته، هذه يعطيها نفقتها الواجبة. أنا ما يعطيها مثلًا إرفاهًا، لا يعطيها وجبتها، أو نفقتها الواجبة من الطعام والكسوة وغيرها. فهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وابدأ بمن تعول: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك»، أي: لا تعط غيرهم أولًا، قدم هؤلاء، ابدأ بمن تعول. تعول، معنى: تعطيهم العيلة، وهو النفقة، تعطيهم نفقة. فهؤلاء هم الذين تبدأ بهم بمالك. فهذا خلاصة ما يذكر فيه هذا الحديث. والله تعالى أعلم.