شرح كتاب التوحيد 119

شرح كتاب التوحيد 119

الدرس في شرح كتاب التوحيد 119، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في حماية التوحيد

يبدأ الكلام بشرح باب حماية المصطفى جناب التوحيد، حيث يتحدث عن دور النبي صلى الله عليه وسلم في حماية التوحيد وسد الطرق المؤدية إلى الشرك. يُبين أن النبي كان حريصاً على حماية التوحيد.

أهمية قاعدة سد الذرائع

يشرح أهمية قاعدة سد الذرائع المؤدية للشرك والمنكرات، مستدلاً بالقرآن والسنة، ويبين أن النبي لم يكتف بمحاربة الشرك بل سد كل الطرق المؤدية إليه. يُؤكد على أهمية معرفة الغاية والطرق المؤدية إليها لإنكار المنكرات.

تحذير من الاقتراب من الشرك

يُحذر من خطورة الاقتراب من الشرك ووسائله، ويبين أن الشرع حذر من الشرك ومن كل طريق يوصل إليه. يجب على المسلم أن يبتعد عن وسائل الشرك ولا يتساهل في ذلك.

خاتمة الكتاب والتأكيد على أهميته

يختتم الكتاب بالتأكيد على أهمية أبوابه، ويدعو الله أن ينفع بما جاء فيه، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر حرص المؤلف على نفع القارئ وتوجيهه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله فيما كنا فيه في شرح كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-، قال: باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: هذا الباب، وهي من الأبواب المهمة والمفيدة في أن يتعلمها كل مسلم ومسلمة. فقال -رحمه الله تعالى-: باب. وقد مر معنا أن الباب هو المدخل والموصل للشيء، أي أن هذا مدخل إلى معرفة أحكام هذا الباب. قال: باب ما جاء، أي ما جاء في ضوء الكتاب والسنة، إذ أن المؤلف -رحمه الله تعالى- سار على هذه المنهجية في باب استدلاله لأبوابه بذكر الدليل من كتاب الله، ثم من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يتبعه إن احتاج إلى آثار السلفين وإلى قول العلماء الربانيين. قال -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد. من الذي يعنيه بالمصطفى؟ هو نبينا -صلى الله عليه وسلم-، فهو المصطفى وهو المجتبى، صلوات ربي وسلامه عليه. والمصطفى مأخوذ من الصفوة، وهو خيار الشيء، مأخوذ من خيار الشيء صفوة. فنبينا قد اصطفاه الله جل وعلا، فهو خيار اصطفاه من الناس، ليس هذا فحسب، بل اصطفاه كذلك من بين الرسل والأنبياء، فهو من أفضلهم على الإطلاق، عليه الصلاة والسلام. فهو مصطفى، هو مجتبى. وهل المصطفى اسم من أسمائه؟ قيل: هذا، كما ذكر ذلك جماعة من أهل العلم، كالحافظ بن حجر، على أن من أسمائه المشهورة -صلى الله عليه وسلم- أنه المصطفى، فهو من أسمائه. وقيل: أن وصف من صفاته، وأن الله عز وجل قد اصطفاه، فهو مصطفى. وعلى كل، تأتي مسألة إخواني في الله: هل يجوز لأحد منا أن يسمي أحد أولاده بالمصطفى؟ هل يجوز له ذلك؟ الجواب: لا، لا يجوز. كونك تسمي أحد أبنائك بالمصطفى بهذا التعريف، هذا لا يجوز. وعلى ذلك جاءت فتاوى العلماء، كاللجنة الدائمة للإفتاء، أن هذا لا يجوز، لأن هذه التسمية من خصائصه -عليه الصلاة والسلام- والتي لا يزاحم فيها أحد، فإن الله قد اصطفاه من بين البشر. وأيضا في هذه التسمية المصطفى، فيها التزكية، فيها التزكية لصاحبه. ولهذا التسمي بالمصطفى لا يجوز. البديل أن بحذف الأل، قل: مصطفى. أما التسمية بمصطفى، نعم هذه جائزة وواردة. وقد ذكر العلماء أنها من الأسماء التي لا غبار عليها ولا إشكال فيها. ففرق بين مصطفى، فهذا جائز، وبين المصطفى، فهذا لا يجوز. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب ما جاء في حماية المصطفى. الحماية هو جعل حام على الشيء. الحماية جعل حام على الشيء، كحال الرجل من كان عنده مزرعة، من كان عنده أراضي، فيجعل حولها حماية. فنبينا -صلى الله عليه وسلم- وضع حماية على ماذا؟ قال: على جناب التوحيد. قال: باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد، أي جوانبه. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- جعل لهذا التوحيد حماية. وهذا الذي سيدلل عليه المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب. قال: وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. أي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما اكتفى في الحماية فقط، بل وأيضا أغلق الأبواب، أغلق الأبواب المفضية إلى الشرك. وفي ذلك إشارة إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتنى بباب التوحيد، واهتم أيضا بباب الشرك. ففي التوحيد جعل عليه حماية، وفي باب الشرك سد جميع الطرق المفضية والموصلة إلى الشرك، سواء في الحال أو في المآل، الآن أو بعد حين. كل ما كان مؤديا إلى الوقوع في الشرك، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- منعه وحذَّر منه، وسد بابه وطرقه -عليه الصلاة والسلام-، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. فالشاهد أن هذا التوحيد، إخواني في الله، فيه الذي سمعتموه أن المؤلف -رحمه الله تعالى- سيذكر لنا الأدلة الدالة على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اهتم بالتوحيد بوضع حماية، وهكذا اهتم بأمر الشرك بأن سد كل طريق مفضية إلى الوقوع في شيء من صوره. هنا تأتي مسألة إخواني في الله، هذا المبحث على هذا الوصف الذي سمعتموه يعتبر من المسائل المهمة التي ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة، وخاصة من كان من أهل الدعوة، من كان من أهل الإصلاح للمجتمعات والأفراد، وخاصة من كان من المربين. فإن هذه القاعدة المهمة التي طرحها المؤلف، والتي سيدلل عليها، من المسائل التربوية المهمة، إذ أن أهميتها تكمن في أمور ثلاثة. الأمر الأول أن الناس عليهم أن يقتفوا أثر الرسول -عليه الصلاة والسلام-. ليس العبرة يا عبد الله بأن تنكر المنكر، وإنما العبرة أنك كذلك تلغي كل باب يوصل إلى هذا المنكر. لا يكن همك كداعية، كمصلح، كمربي، كوالد، كرجل آلت إليه الأمور في إصلاح الأفراد والمجتمعات، لا يكن همك يقتصر على أنك تنكر هذا المنكر الذي أمامك، بل عليك أن توسع مداركك، فتعلم ما هي الأشياء المفضية إلى هذا المنكر، فتقطع من أجنحتها، كفعله -عليه الصلاة والسلام-، أنه ليس فقط حذر من الشرك، بل سد كل طريق موصل إلى الشرك. وهذا الذي جاء به القرآن، قال ربنا جل في علاه: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾. لم يحرم الزنا كزنا، كأنه منكر على حد ذاته، وإنما حرم كل طريق، فقال: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾، دل على أن هناك أمور توصل إلى الزنا، هذه كذلك لا تقربها. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾. ليس أنت فقط منهي عن اتباع الشيطان، بل أنت كذلك مطالب بأنك تجتنب ما كان من خطواته التي توصل إلى طريقه. وهكذا قس أبواب التربية يا عبد الله، على أنك توسع من مداركك. انظر مثلا في بعض المجتمعات التي تغص بأنواع من الرذيلة، فلا زالت تلكم الحكومات تحارب الرذيلة، تحارب الفواحش، تحارب الدعارة بكل طريقة ووسيلة، وما استطاعت. ولو أنهم أخذوا بهذا المنهج القرآني، ثم علموا من أين مكمن الداء، وهو من الاختلاط والتبرج والسفور، هذا هو مكمن الفساد، فهم أخذوا ينشغلون بهذه المنكرات، وجعلوا هذه المصبات تصب الشر، فكلما أطفأوا الرذيلة والدعارة والفواحش، جاءت مرة أخرى، لأن المنابع ما جففت. هذا ما يسمى بتشفيف الينابيع وتجفيف المنابع. فلأن تلكم الدول حاربت الفساد من أصله، وذلك بمنع التبرج والسفور والاختلاط ما يكون بين الذكور والإناث، وضرب بيد من حديد لمن سولت له نفسه بنشر الإشاعة، إشاعة الفاحشة، هنا سيخف المنكر بتخفيف طرقه ووسائله. وهذا الذي أراده المؤلف -رحمه الله تعالى- أن يبين أن هذا المنهج الذي سار عليه نبينا -صلى الله عليه وسلم-، أنه ما اكتفى بمحاربة الشرك، بل حارب كل وسيلة توصل إلى الشرك. الفائدة الثانية التي مستفادة من هذا التبويب من المؤلف -رحمه الله تعالى-، أنك عليك أن تعرف الغاية حق المعرفة، لأن بمعرفتها تعرف الطرق الموصل إليها. الشرك ستحاربه، وستحارب الطرق الموصل إليه. بقي إشكال: ما هو الشرك عندك؟ لربما بعض الناس ما هضم ما هو الشرك، ما عرف حقيقة الشرك على حقيقته التي أرادها الله ورسوله. إذا كان الإنسان ما عرف الغاية، قل لي بربك: هل سيعرف الطرق الموصل إليه؟ سيتحبط لخفاء المعالم الواضحة. وقس على ذلك سائر المنكرات. إذا الإنسان ما استطاع أن يتعرف على حقيقة الشيء الذي سيقوم بإنكاره وإلغائه وإبطاله، والله لن يعرف الطرق الموصل إليه، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. أنت لن تحكم على هذه الأمور بأنها طرق ووسائل للباطل إلا إذا تصورت الباطل حق تصوره. فمن خلال تبويب المؤلف أن الشرع قد جاء بسد أبواب الشرك، هذا معناه على أنك ينبغي أن تعلم ما هو الشرك حتى تعلم ما هي الوسائل. ولهذا يوجد من الناس من ينازعنا في وسائل الشرك إذا قلنا: أن هذه وسيلة من وسائل الشرك، لكابر ونازع، لأنه ليس معك ما هو الشرك أصلا، ما علم ما هو الشرك حتى يتفق وتتفق أنت ويعقوب، لأن هذه طريقة ووسيلة مفضية إليه. الفائدة الثالثة، إخواني في الله، مما يستفاد من هذا التبويب، عدم التساهل، عدم التساهل في أي باب وطريق يوصل إلى الشرك. لا تستهين في هذا الباب. قد يقول بعض الناس: الحمد لله، يحمد الله ليل نهار على أنه من أهل التوحيد، وأن الله ما جعله يهوديا ولا جعله نصرانيا ولا جعله ملحدا. نقول: احمد الله، وحق لهذه النعمة أن تحمد ليل نهار. بقي هذا ليس بكاف، حتى تبعد نفسك يا عبد الله عن الطرق الموصلة إلى الشرك، لا تقرب منها، لا تدن منها. كما قال: ممنوع الاقتراب، ممنوع الاقتراب. لأن من الناس، إخواني في الله، منهم على هذه الشاكلة: يحمد الله على توحيده، لكنه يدنو ويقرب ويقرب بقربه من الشرك. مثاله: تأتي الزيارات الشركية، وهي قائمة على الشرك الصراح، صرف الطاعات والعبادات لغير الله، اعتقاد النفع والضر لغير الله. هناك تسمع الهتاف والمدد وطلب الولد وطلب الصحة والعافية. وهناك من يتمرغ بالتراب، يسأل الولي الفلاني مغفرة الذنوب وكشف الغيوب وهداية القلوب. شرك صراح. من الناس من يذهب يقول: والله أنا ما ناحل هؤلاء، هؤلاء قوم نعم جهلة حمقى. طب ما الذي يجعلك تذهب؟ يقول: أخي نزهة، والله هناك بسطة وهناك أكل وهناك فرجة. ما يجوز يا عبد الله أنت تكثر من سواد القوم. هذا يقدح في توحيدك. أنت الآن نعم وحد، لكن توحيدك ليس مئة في المئة. بقربك من الشرك وقع في قلبك دخن، لأنك أكثرت، كثرت. لو لم يكن من وجودك إلا التكثير من سواد هؤلاء لك، فاكن نقمة، وحسبك بها عقوبة. مثال آخر: لربما ناس من الناس يفتح القنوات ويسمع بهذه القنوات التي ماذا فيها؟ السحر معروف. هذه القنوات سحرية، يظهر فيها السحر، يمارسون الدجل. فبعض الناس يشغل ويتابع القناة، يقول: يا أخي أقول له هذا السحر. يقول: أنا أعلم سحر باطل، السحر باطل ما ينفع، لكن أشوف إيش يفعل إيش من حركاتها. هذا ما يجوز. العلماء قالوا: الذي يتفرج إلى قنوات السحر، وهي بين قوسين قنوات شركية كفرية، لأن السحر كفر، بدلالة الكتاب والسنة والإجماع. سحر كفر. فأنت عندما تتفرج، أنت بين أمرين: إما أنك تصدقهم، فقد كفرت بما أنزل على محمد. أو أنك لا تصدقهم، فلن تقبل منك صلاة أربعين يوما. أرأيتها عبد الله كيف التساهل بالدنو من الشرك والكفر له مغبة على صاحبها؟ وهكذا قس يا عبد الله من ينظر ويقلب القنوات حول التبشير، وقنوات النصارى. يوجد في قنوات خاصة قنوات المسيح، قنوات اليسوع، قنوات مريم العذراء. وتجد هؤلاء أصحاب الكاثوليك والأرثوذكس، وعليهم الصلبان، وهم في مكان إسم، ويأتون بتلكم الترانيم وتلكم الأناشيد، ويستغيثون بعيسى وبأمه. شوف هؤلاء تشوف من يا عبد الله أتمتع ناظريك بأناسهم من أهل النار، إذا ماتوا على هذا ماتوا على الكفر وعلى الشرك. تستمع لماذا؟ لما لربما لكلمة لربما دخلت في قلبك وأصبحت شبهة تحوك وتحوك وتحوك. فيا عبد الله ينبغي أن يفهم هذا الباب حق الفهم. الشرك شرك يحتاج إلى تصور، بعد ذلك ما كان من الطرق التي تدنوك وتقربه وتوصلك إليه، ينبغي أن تمنع من بابها، لا تستهن بها ولا تستاهل معها يا عبد الله، لأن لها مغبة على صاحبها في الدنيا والآخرة. فالشاهد إخوانا في الله أن هذا الباب الذي باب عليه المؤلف -رحمه الله تعالى- سيدلل فيها على أن الشرع كما أنه حذر من الشرك، فإنه حذر من كل طريق يوصل إليه. وهي من الأبواب المهمة في هذا الكتاب العظيم، كتاب التوحيد. أسأل مولانا جل في علاه أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.