الدرس في شرح كتاب التوحيد 120، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يشرح الآية الكريمة ويبين سبب نزولها وتفسير قوله تعالى. يرى جمهور المفسرين أن الخطاب للعرب خاصة.
رسالة النبي محمد ليست خاصة بالعرب بل للعرب والعجم ولجميع خلق الله. يستدل بآية قرآنية وحديث نبوي ليثبت دعوة النبي للخلق كافة.
النبي عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم ورؤوف بكم ورحيم. الآيات تدل على مدى ارتباطه بأمته وشعوره بمآسيهم.
النبي أرسل رحمة للعالمين جميعاً، بما فيهم المؤمنون وغير المؤمنون. تقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، هذه الآية من أوائل استدلالات المؤلف رحمه الله تعالى على هذا التبويب، والذي بوّب عليه بقوله: باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك. ذكرنا ما يتعلق بفحوى الباب وما يتعلق بفوائده، وهنا بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الأدلة الدالة على صحة هذا الباب، فأورد لنا رحمه الله تعالى هذه الآية، ألا وهي قوله جل في علاه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. في قوله جل في علاه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ الخطاب هنا لمن؟ من أهل العلم والتفاسير من يقول أن الآية هنا الخطاب فيها عام لجميع خلق الله، بأن الله جل وعلا بعث فيهم رسولا من البشر، وجمهور المفسرين يرون أن الخطاب هنا للعرب خاصة، أن الخطاب هنا للعرب خاصة، فقول سبحانه وتعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ أيها العرب. لماذا ذكر المفسرون هذا؟ قال: إن هذا في باب الامتنان، الله جل وعلا يمن على العرب أن بعث إليهم رسولا من جنسهم وبلسانهم. وليس معنى ذلكم إخواني في الله أن الله سبحانه وتعالى إنما جعل نبينا يختص بالعرب، لا، بل إن نبينا عليه الصلاة والسلام رسالته للعرب والعجم ولجميع خلق الله، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وكان الرسول يبعث لقومي خاصة، وأنا أرسلت للناس كافة»، فالله جل وعلا أرسل نبينا للعرب والعجم على حد سواء. فما يدند به بعض النصارى بقولهم واعترافهم بأن نبينا هو نعم مبعوث، لكن للعرب خاصة، هذه قضية مرفوضة. وقد ألف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كتابه العظيم «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» في الرد على هذه الشبهة، في رده على النصارى حينما زعموا أن محمد بن عبد الله هو رسول إلا أنه خاص بالعرب، وهذا باطل. بل إن الله جل وعلا وإن أرسل نبينا من جنس العرب إلا أن دعوته للخلق كافة، هذا هو الذي يذكر في هذا المقام. فقال سبحانه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، قال العلماء: من جنسكم، يتكلم بلسانكم، هو بشر ليس بملك، بحيث لا تملكون الكلام معه ولا تقدرون على الحوار معه، بل هو يسير معكم ويمشي حيث تكونون، يدخل الأسواق ويمشي بين الناس ويتحدث معكم، فهو ميسر لكم في كل آن وفي كل حين، فهو من أنفسكم، أي من جنسكم، من جنس البشر، ويتكلم بلسان العرب. وهناك قراءة أخرى تقرأ بها هذه الآية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ بفتح الفاء من أنفسكم، وهنا سيكون معنى الآية: أي من أشرفكم، لأن من أنفسكم مأخوذ من النفاسة، والنفاسة هو الشيء الغالي، الشيء الغالي. فعلى القراءة الثانية من أنفسكم أي من أشرفكم ومن أرفعكم مقاما. وكلا الوصفين صحيح، فنبينا من أنفسنا، وهو من أنفسنا، من أنفسنا أي من جنسنا، ومن أنفسنا أي من أعلانا شرفا وفضلا، صلوات ربي وسلامه عليه. قال ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾، عزيز عليه ما عندتم، هذه من أوصاف رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي أن من وصفه صلوات ربي وسلامه عليه أنه يشق عليه كل ما يشق عليكم، عزيز عليه أي يشق عليه ما عندتم، أي الذي يصيبكم العنت، والعنت هي المشقة، فكل ما أدى إلى مشقتكم وإلى كلفتكم فإن هذا يشق عليه صلوات ربي وسلامه عليه. وهذا إن دل دل على مدى ارتباط نبينا عليه الصلاة والسلام بأمته، مدى ارتباط نبينا عليه الصلاة والسلام بأمته، إذ أنه يشعر بمآسيهم وآلامهم وأحزانهم، بل حتى ما يكون من إعراضهم هذا يشق عليه صلوات ربي وسلامه عليه، بل ربما عاتبه ربه، «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا»، وقال سبحانه «فلا تذهب نفسك عليهم حسارات»، قال ذلك ربنا لنبيه عليه الصلاة والسلام لما رآه من نبيه من شدة اللوم والتوبيخ. في قوله عليه الصلاة والسلام «حريص عليكم»، ما عنتم أي يشق عليه صلوات ربي وسلامه عليه كل ما يشق على أمته، كما قلنا، لدرجة أنه كان يوبخ نفسه ويعاتب نفسه لما يرى أن الناس قد نفروا عن الدين. «فلا تذهب نفسك عليهم حسارات»، بل وصل به الحال عليه الصلاة والسلام أنه لربما يتأثر إذا وجد أن أمته أصابهم الضنك أصابهم الجوع، كما جاء في صحيح مسلم. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ الرَحِيمِ﴾، فهو في غاية من الرأفة والرحمة، والرأفة أخص من الرحمة، فالرحمة درجات، أعلى مقامات الرحمة تسمى الرأفة، فنبينا رؤوف بأمته رحيم بأمته عليه الصلاة والسلام. وانظر إلى أسلوب القرآن «بالمؤمنين رؤوف الرحيم»، قدم المعمول على العامل، لماذا؟ للاختصاص، فتقديم ما حقه التأخير يفيد الاختصاص، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل رحمة خاصة في أهل الإيمان. ونعم، رحمة لجميع الخلق، «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، هو رحمة لجميع خلق الله للإنس والجن والإنس والحيوان والمسلم والكافر، رحمته. أسأل المولى جل في علاه أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.