الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 53، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
كانت ملكة سبأ تتمتع بعقل راجح ورأي سديد، إلا أن نشأتها في بيئة كفرية حالت دون معرفتها بالتوحيد. عندما وصلت إليها دعوة سليمان مصحوبة بالبراهين الواضحة، آمنت واستسلمت لأمر الله، مظهراً كمال عقلها.
عند رؤية صرح سليمان المصنوع من القوارير، خُيل إليها أنه ماء فكشفت ساقيها، ثم تبين لها الحق فأسلمت. كما تم تسخير الشياطين لسليمان ومنعهم من تعليم السحر، ودُفنت كتبهم، بينما ادعى الشياطين بعد موته أن ملكه كان بالسحر تضليلاً للناس.
اتهم اليهود سليمان زوراً بممارسة السحر، لكن القرآن برأه وأكد أن السحر من تعليم الشياطين وكفر به. يستدل العلماء بآية البقرة على كفر من يتعاطى السحر، ويبرز القرآن عظمة الدفاع عن الأنبياء وتبرئتهم من الافتراءات.
أعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية مع التطلع لاستكمال الدرس في وقت لاحق، مختتماً بالتأكيد على علم الله تعالى. وأشار إلى أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في ذكر قصة نبي الله سليمان عليه السلام. قال المؤلف رحمه الله، الشيخ العلامة ابن رحمان بن ناصر السعدي رحمه الله: قال: فكأنه قيل: مع عقلها هذا ورأيها السديد، فكيف كانت تعبد غير الله؟ وكيف اجتمع العقل وعبادة من لا ينفع ولا يضر، وإنما يضر من عبده؟ قال: حاصل الجواب قوله: ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾. يعني: معنى هذا السؤال: علمنا رجاحة عقل هذه المرأة، وكذلك علمنا سديد رأيها، فكيف مع هذا الرجحان وهذا السداد تعبد غير الله؟ فهذا ينافي ذلكم العقل الراجح والرأي السديد. والجواب ما جاء في هذه الآية: ﴿ وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾. أي: العقائد التي نشأت عليها، والمذاهب الفاسدة تسيطر على عقل العاقل وتذهب لبّ اللبيب، حتى يقيض له من الأسباب المباركة ما يبين له الحق، ويمن عليه باتباعه. فقوله: ﴿ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴾، أي: نشأت على هذه العقائد الفاسدة، وتربت عليها، ونشأت عليها، فهذا الذي صدها عن عبادة الله، وعن كذلك معرفة الإله الحق سبحانه وتعالى، لا سيما مع عدم وجود من يبين لها ذلك، ويدعو إلى ذلكم التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى. وهذا ما اعتذر به كثير من أهل العلم لها ولغيرها، لربما من العقلاء ومن ذوي العقول اللبيبة والآراء السديدة. فتجد إنساناً مثلاً ذا رأي في قومه، وذا عقل راجح في حل أمورهم، وفي تسيير سياستهم، لكنه يقع في بعض العقائد الفاسدة. السبب في ذلك أنه ما بيّن له ما بيّن له مثل ذلك، وما عرف الحق بدلائله. فهذه المرأة من رجاحة عقلها، لما جاءتها دعوة سليمان، وعلمت ما عليه سليمان من الدلائل والبراهين الذي أعطيها، ما كانت أو ما كان منها إلا ترك عبادة غير الله، والإيمان والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى. وهذا من رجاحة عقلها. هذا ما أجاب به المؤلف، وهو جواب القرآن. قال: وكان له صرح، أي: سليمان. والصرح هو مثل الفناء الذي يكون خارج البيت، الفناء والمساحة التي تكون خارج البيت. فكان له صرح من قوارير، أجري تحته الأنهار. يعني: شفاف، قوارير يسير عليه السائر، وتحت هذه القوارير ماء. تحت هذه القوارير ماء، فالذي لا يعلم أن هذه قوارير يظن أنه مباشرة سيدخل إلى الماء، سيدخل برجليه إلى الماء، وهو في الحقيقة يمشي على تلك القوارير. قال: ﴿ وَكَانَ لَهُ صَرْحٌ مِنْ قَوَارِيرَ يُجْرَى تَحْتَهُ الْأَنْهَارُ ﴾. فكان من ينظر إليه يظنه ماء يجري، لأن الزجاج شفاف. فلما قيل لها: ﴿ ادْخُلِي الصَّرْحَ ﴾، يعني: ادخلي إلى هذا الفناء، رأته لجة، لجة، يعني: مليء بالماء، مليء بالماء، وكشفت عن ساقيها حتى لا تتبل ملابسها، حتى لا تتبل ملابسها. قال: أي: قيل لها: إنه صرح ممرد من قوارير، أي: مغطى بالقوارير، فلا داعي لرفع ثيابك، فلا يمسها شيء من هذا الماء. قالت: ﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. خضعت وأسلمت لما رأت من ذلك الملك العظيم. لا يساوي ملك سليمان مع ملكها شيئاً، مع أنها أوتيت من كل شيء أن يعطاه الملوك. ومع هذا رأت في ملك سليمان ما أبهرها، وما فاق على ملكها، فما كان منها إلا الإذعان والاستسلام لأمر الله عز وجل، وأن دعوة سليمان دعوة الحق، دعوة الحق. قال: فأسلمت لله، واتبعها قومها. فيقال: إن سليمان تزوجها، فالله أعلم. وهذا أشبه بالإسرائيليات، فلا يوجد هناك دليل صحيح، وكذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. قال: ولما كانت الشياطين زمن سليمان قد سخرهم الله له، وبلغه أنهم باجتماعهم بالإنس يعلمونهم السحر، فجمعهم وتوعدهم وأخذ كتبهم ودفنها. لأن الشياطين كانوا يعلمون الناس السحر، ويضللون الناس بالسحر، كما أخبر الله عز وجل في القرآن في آية البقرة: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾. فلما أوتي سليمان أيضاً من الملك ما يكون من تسخير الشياطين له، منعهم من ذلك، منعهم من السحر. فجمعهم وهددهم وتوعدهم، وأخذ هذه الكتب جميعاً ودفنها. قال: فلما توفي سليمان، جاءت الشياطين للناس، وقالوا: إن ملك سليمان، إن ملك سليمان مشيد على السحر، يعني: ما قام إلا بالسحر. واستخرجوا الكتب التي دفنها. وهذا من باب التضليل، وإلا فليس الأمر كذلك، بل قام ملك سليمان على التوحيد، وعلى عبادة الله عز وجل وحده، ومحاربة السحر، لأنه من الكفر. قال: واستخرجوا الكتب التي دفنها، وأشاعوا من إغوائهم للناس أنها مأخوذة من سليمان، وأن سليمان ساحر. وروج ذلك طائفة من اليهود. وهذا يدل، ولذلك آية السحر جاءت في البقرة. لو تتمعن بين الآيات التي تتحدث عن صفات اليهود، عن صفات اليهود، فهناك علاقة وطيدة بين السحرة وبين اليهود. فاليهود هم أعوان السحرة، اليهود هم أعوان السحرة. فلذلك من فساد اليهود في الأرض تشجيع هؤلاء الشياطين والسحرة، وكذلك نشرهم في الأرض وإفسادهم للناس. فكما ذكر المؤلف هنا: وروج ذلك طائفة من اليهود. فبر الله سليمان من هذا الأمر، بر الله سليمان في كتابه، وبين أن السحر من العلوم الضارة. فقال تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾، أي: بتعليم السحر والرضى به. ولذلك استدل العلماء بهذه الآية على كفر من يتعامل بالسحر، وكفر السحرة، خصوصاً السحر الذي فيه الربط والعقد والنفث ونحو ذلك. فهذا السحر الذي بالتعاويذ الشيطانية، الصحيح أنه من الكفر، أنه من الكفر بنص القرآن. ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾، لأنه لم يتعاط السحر. فدل ذلك على أن من تعاط السحر فقد كفر، فقد كفر. ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾. فتعليم السحر وبث السحر إنما هو من فعل الشياطين، من فعل الشياطين. قال: وهذا من عظمة القرآن، أنه يأمر الخلق بالإيمان بجميع الرسل، ويذكرهم بأوصافهم الجميلة، وينزههم عما قاله الناس فيهم مما ينافي رسالتهم، مما ينافي رسالتهم. فالله عز وجل يدافع عن أنبيائه. وهذا فيه أن المؤمن يعني مأمور بالإيمان بجميع الرسل، لأن الله عز وجل دافع عن رسله في هذا الكتاب العظيم، وأمر بالإيمان بهم جميعاً. فمن الإيمان بالله الإيمان بالرسل، وبما أخبر الله عز وجل عنهم، وبالإيمان بما برأهم الله منه، بما برأهم الله منه. بل الله عز وجل ربما يدافع عن عباده المؤمنين الذين هم دون الرسل في هذا القرآن. وهذا أيضاً من عظمة هذا القرآن، كما دافع عن أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها، وبرأها مما رماه به المنافقون من ذلك، من ذلك القول الذي هي منه براء. فإذا من عظمة هذا القرآن أن الله عز وجل يأمر الخلق بالإيمان بجميع الرسل، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. وهذا وهذا ما أردنا ذكره في هذا الدرس. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر