التعليق على كتاب العلم  47

التعليق على كتاب العلم 47

الدرس في التعليق على كتاب العلم 47، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

منهجية المبتدئ في لزوم الشيخ الواحد والكتاب المختصر

ينصح الشيخ ابن العثيمين طالب العلم المبتدئ بالالتزام بشيخ واحد ومذهب فقهي واحد (كالمذهب الحنبلي) وكتاب مختصر واحد (مثل "الروض المربع") وتكراره بإتقان، مبينًا أن هذا اللزوم ليس جمودًا بل تأسيسًا متينًا يمنع تشتت الذهن واختلاف المسائل الذي تسببه كتب الخلاف والترجيح كـ "المغني" و "شرح المهذب".

الانتقال من التقليد إلى النظر بالدليل وخطر الفتوى بغير أهلية

يؤكد الشيخ أن المذاهب أصل للمبتدئ ثم يتوسع الطالب بالنظر في الأدلة، محذرًا من تقليد الأئمة الأعمى الذي نهوا عنه، ومن فوضى الفتوى بغير علم حيث يجترئ المبتدئون على القول بجرأة فيأتون بالغرائب، مع التنبيه إلى حرمة تتبع عورات الناس وسوء عاقبة ذلك.

مرحلة التوسع في المدارك والموازنة بين الأقوال والختام

يوضح أنه مع استمرار الطلب واتساع المدارك وتمكن الطالب من علوم الآلة، يصبح قادرًا على النظر في المسائل وفق الدليل، والموازنة بين أقوال العلماء، بل ومخالفة شيخه إن تبين له الصواب في غير قوله، ويختتم الحديث بالتأكيد على الاكتفاء بهذا القدر والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: سئل العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله، كما في كتابه "العلم": "ذكر الخطيب البغدادي جانبًا من جوانب تعلم العلم، وهو لزوم أحد العلماء أو أحد المشايخ، فما رأي فضيلتكم؟" فأجاب فضيلته بقوله: "هذا جيد، كون الإنسان يركز على شيخ من المشايخ يجعله هو الأصل، لا سيما المبتدئ الصغير. ومعنى هذا أنه لا يشتت ذهنه بأن يدرس علمًا واحدًا عند عدة مشايخ؛ لاجتهاد كل شيخ في مسائل الفقه أو غيرها من المسائل، وكذلك الأحكام. ولذلك قيد الشيخ هنا هذا الأمر بالطالب المبتدئ، أما الطالب الذي قد قطع شوطًا في طلب العلم وتوسعت مداركه، فهذا يتوسع وينظر في أقوال العلماء، كما سيأتي من كلامي العلام ابن العثيمين عليه رحمة الله. وإنما الكلام على الطالب المبتدئ الذي ربما إذا عدد المشايخ تشتتت مذاهبه، وكذلك اضطرب في كثير من المسائل لقلة علمه. قال: المبتدئ الصغير إذا طلب العلم على عدة أناس تذبذب؛ لأن الناس ليسوا على رأي واحد، خصوصًا في عصرنا الآن لوجود الاختلاف والاجتهاد بين العلماء. ولذلك طريقة كثير من المشايخ في دراسة الفقه الاختصار على القول الراجح من أقوال العلماء، خصوصًا إذا كان الدرس عامًا ويحضره المبتدئ؛ فإن الشيخ لا يشتت ذهن الطالب. قال: كان فيما سبق، أي قبل مدة، كان الناس هنا في المملكة لا يخرجون أبدًا عن الإقناع والمنتهى. والإقناع متن من متون الفقه الحنبلي، وكذلك المنتهى، واسمه "منتهى الإرادات"، كذلك متن من متون الفقه الحنبلي، وقد شرحه جماعة من الحنابلة. فكان المذهب السائد، وكذلك الكتب التي تدرس هي هذه الكتب، كتب المذهب. لماذا؟ لأنهم لا يريدون أن يشتتوا ذهن الطالب. قال: فتجد فتاواهم واحدة، وشروحهم واحدة، لا يختلف واحد عن الآخر إلا في الإلقاء وحسن الأسلوب. ولكن ليس معنى هذا الجمود على ما ورد في هذا المتن؛ فإن هذا المتن من صنع البشر، قد يخطئ صاحبه في مسألة من المسائل، ويكون القول الصحيح الراجح خلاف ما فيه. ولذلك الشيخ ابن العثيمين شرح "زاد المستقنع"، وهو متن على المذهب الحنبلي، ومع هذا يخالف هذا المتن في مسائل العدة بحسب ما يتبين له بالدليل. فليس معنى هذا التعصب للمذهب وعدم الخروج عنه، والجمود على مذهب ما. وإنما المراد أن الطالب المبتدئ يدرس مثلًا على مذهب واحد، أو على شيخ واحد، حتى يؤصل العلم والمسائل، ويمر على أبواب الفقه. ثم بعد ذلك، إن شرح الله صدره للعلم واستمر في الطلب، ستتوسع مداركه، وسيكون هذا المتن كالأصل بالنسبة له، ثم ينظر: ما الذي وافق فيه الدليل، وما الذي لم يوافق فيه الدليل. فهذا هو المراد، وليس المراد الجمود على المذهب. والشيخ يتكلم عن كتب الحنابلة؛ لأن في بلاد المملكة المذهب السائد والشائع هو مذهب الحنابلة. ومع هذا، العلماء لم يجمدوا عليه، لم يجمدوا على هذا المذهب، وإنما خالفوه فيما ترجح لديهم بالدليل، خلاف المذهب. وكذلك في هذه البلاد، ربما البعض يدرس مثلًا بعض متون الشافعية ك "الغاية" و "التقريب" وغيرها، فإن كان سنيًا فلا ينبغي له أن لا يخرج عن هذا المذهب، وأن يجمد على هذا المذهب، وإنما يكون كالأصل للطالب المبتدئ، ثم للطالب فيما بعد أن يتوسع، وأن ينظر فيما خالف فيه الدليل. هذا هو المراد، والله تعالى أعلم. وللعلماء كلام في مسألة الدراسة على المذاهب، أو على المذهب، ولكنه ليس على سبيل التقليد الأعمى، وإنما على سبيل التدرج في الطلب، وعلى سبيل كذلك أن يكون للطالب أصل يتدرج فيه، وكذلك يكون له كالأصل في طلبه للفقه. ثم بعد ذلك ينظر كلام العلماء واختلاف العلماء، ويذهب إلى ما وافق فيه الدليل؛ لأن الله عز وجل أمرنا باتباع الدليل، ما أمرنا بالجمود على المذاهب. بل أهل المذاهب أنفسهم، أهل المذاهب أنفسهم، نهوا عن تقليدهم. فكثير منهم كان يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". إذا صح الحديث فهو مذهبي. وكل يؤخذ من قوله ويترك، إلا صاحب هذا القبر، رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما جاء هذا عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وجاء عن غيره كذلك من الأئمة. فهذا هو المراد، والله تعالى أعلم. قال: لكن الآن، لما كان كل واحد حافظًا حديثًا أو حديثين، قال: "أنا الإمام المقتدى به، والإمام أحمد رجل ونحن رجال". فصارت المسألة فوضى، يعني أن يقول في العلم من ليس من أهله، من المبتدئين، وأن يناطح الكبار، وأن يناطح الأئمة، وهو لم يبلغ مرتبة الاجتهاد، ولا مرتبة التنقيح والترجيح. هذا هو المراد، والله تعالى أعلم. قال: صار كل إنسان يفتي. أحيانًا تأتي الفتاوى تبكي وتضحك. وكنت أهم أهم أن أدون مثل هذه الفتاوى، لكن كنت أخشى أن أكون ممن تتبع عورات إخوانه، فتركته تحاشيًا مني. يعني أن بعض هؤلاء المتعالمين يفتي بوجود العلماء، ثم يأتي بالغرائب والعجائب، حتى أن العالم إذا سمع هذه الفتوى ما يدري: أهو يضحك أو يبكي؟ لركاكة هذه الفتوى، وكذلك ما جاء في هذه الفتوى من قول عجيب غريب استدعى الضحك، أو كذلك البكاء، لما في هؤلاء من الجرأة على الفتوى. قال: لكن كنت أخشى أن أكون ممن تتبع عورات إخوانه. وهذا من خشيته رحمه الله، ومن ورعه، منعه من أن يكتب في هذا، خشية أن يكون من تتبع العورات. وتتبع العورات لا يجوز؛ فمن تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه، ولو في جوف داره. قال: فتركته تحاشيًا مني، وإلا نقلنا أشياء بعيدة عن الصواب، بعد الثرية عن الثراء. الثراء هو التراب، والثرية هو ذاك النجم، فكم بينهما من البعد. فكذلك فتاوى بعض هؤلاء المتعالمين بعيدة عن الصواب، كبعد الثرية عن الثراء. قال: فأقول: ملازمة عالم واحد مهمة جدًا، ما دام الطالب في أول الطريق، لكي لا يتذبذب. ولهذا كان مشايخنا ينهوننا عن مطالعة "المغني" و "شرح المهذب"، وكل هذه الكتب التي عنيت بذكر أقوال العلماء أهل المذاهب ثم الترجيح. فكانوا ينهونهم في بداية الطلب؛ لأن القراءة في بداية الطلب في هذه الكتب تشتت الطالب، تشتت ذهن الطالب، وربما تعقيده من العلم، فيرى صعوبة في فهم المسائل، ويرى صعوبة في معرفة الصواب من هذه الأقوال، فلربما هذا الأمر يبعده عن طلب العلم، ويبعده عن طلب العلم، وكذلك يجد من المشقة والعناء. ولذلك يكفيك أن تعرف القول الصحيح من عالم محقق مجتهد. ثم إذا فتح الله عليك من العلم، ورأيت أن شيخك الذي درست عنده جانب الصواب في هذه المسألة، فلك أن تخالفه. نعم، فكما أننا نقول: لا يجوز تقليد أحد الأربعة، فكذلك لا يجوز تقليد الشيخ المعاصر، أو العالم المعاصر، من باب أولى؛ فأولئك الأئمة أجل من العلماء المعاصرين. فهذا يرجع إلى قدرة الطالب، وإلى كذلك اطلاع الطالب ودراسة الطالب وتمكن الطالب، وإلى غير ذلك. والكلام هنا على الطالب المبتدئ. قال: والكتب التي فيها أقوال متعددة، يعني ينهونهم عن الكتب كذلك التي فيها أقوال متعددة، عندما كنا في زمن الطلبة، يعني زمن الطلب أول الطلب. قال: وذكر لنا بعض مشايخنا أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين رحمه الله، وهو من أكبر مشايخ نجد، مفتي الديار النجدية، ذكروا أنه كان منكبا، أو مكبا، على "الروض المربع"، لا يطالع إلا إياه، ويكرره. وهو شرح، أو حاشية، على "زاد المستقنع" في المذهب الحنبلي. في المذهب الحنبلي، فكان يدرس هذا الكتاب ويكرره ويقرره. لماذا؟ لأن من يدرس عنده كانوا لعلهم من المبتدئين. قال: لا يطالع إلا إياه، ويكرره، كلما خلص منه كرره، لكن يأخذه بالمفهوم والمنطوق والإشارة والعبارة، فحصل خيرًا كثيرًا، يعني يحقق فيه، وكذلك ينظر فيه بكثرة التكرار. قال: أما إذا توسعت مدارك الإنسان، فهذا ينبغي له أن ينظر أقوال العلماء، يستفيد منها فائدة علمية وفائدة تطبيقية. فكما تقدم، الطالب إذا توسعت مداركه، ودرس من علوم الآلة ما درس، التي بها يتمكن من معرفة اختلاف العلماء، فله هنا أن ينظر في أقوال هؤلاء العلماء. قال: لكن في أول الطلب، أنا أنصح الطالب أن يركز على شيخ معين، لا يتعدى فترة معينة، حتى يمر على مسائل الفقه، وعلى أبواب الفقه. ثم بعد ذلك، باستمراره بالطلب، تتوسع مداركه، ويستطيع أن ينظر في هذه المسائل بما وافق الدليل. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.