المحاضرة بعنوان القاسم المشترك بين شرك الأولين والآخرين، والتي كانت بعد صلاة العصر بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17محرم 1445هـ الموافق 4 أغسطس 2023م ألقاها منوع
يبيّن المقطع أن كثيراً من الناس يقعون في الشرك بجهلهم بدعوة غير الله والاستغاثة بالأموات كالحسين والعيدروس والمحضار، مقارناً ذلك بشرك قريش وقوم نوح. ويؤكد أن التمسك بلا إله إلا الله هو سبيل النجاة والرحمة.
يؤكد المتحدث أن الذبح للأولياء والقبور والجن والأشجار في العصر الحالي هو شرك صريح كشرك مشركي قريش الذين كانوا يذبحون للأصنام، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تلعن من ذبح لغير الله. ويرجع انتشار هذه الممارسات إلى الجهل والإعراض عن الكتاب والسنة.
يؤكد المقطع أن الإسلام منع التمييز في القبور بالبناء أو التجصيص أو الكتابة، لأن ذلك من سنن اليهود والنصارى. ويوضح أن زيارة القبور مشروعة فقط للتذكر بالآخرة والدعاء للموتى لا بهم، محذراً من الشرك بالله الذي لا يغفره الله.
يدعو المتحدث الله بأسمائه الحسنى أن يجعله والمستمعين ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يحققوا التوحيد ويكونوا دعاة له. ويختتم بتأكيد أن الله سميع الدعاء والحمد لله رب العالمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل الذي يسر لنا هذا اللقاء بإخواننا وآبائنا في هذه الدار الطيبة، دار الحديث بالشحر، في مسجد التقوى. وما ذلكم إلا نصرة للتوحيد وتعاوناً على البر والتقوى، ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ﴾. فنحن نريد أن يرحمنا الله سبحانه وتعالى، ولا رحمة لنا إلا بالتمسك بهذا الدين، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾. قد سمعنا في كلمات إخواننا المتقدمة خيراً عظيماً، وما وقع من وقع في براثن الشرك والبدع والضلالات والخرافات إلا بسبب الجهل والإعراض عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكما سمعنا في كلمة أخينا أبي سفيان حفظه الله تعالى، أن كثيراً من الناس وقع في الشرك وهو لا يعلم أن هذا شرك، وصرف العبادة لغير الله عز وجل وهو لا يدري أن هذا الطريق وهذا المسلك أنه قد صرف فيه عبادة لغير الله سبحانه وتعالى. زد على ذلك ما يروجه أهل الباطل، وكما قيل: في زخرف القول تزيين لباطله، والحق قد يعتريه سوء تعبيره. فزيادة على ما ذكره أخونا الشيخ أبو سامة، الشيخ أبو سفيان أحمد حاج حفظه الله تعالى، نقول لمثل هؤلاء: ما هو الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يحارب كفار قريش ويستحل دماءهم وأموالهم؟ ما الذي كانوا يصنعون، وما الذي كانوا يفعلون، مع أنهم كانوا يصلون؟ كانت لهم نسك، كانت لهم عبادات، كانت لهم قرب يتقربون بها. فما هو الفعل الذي فعلوه حتى حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد حاولوا مرات وكرات مع أبي طالب أن يصرف ابن أخيه عنهم، فقال: «يا عم، أريدهم على كلمة إن قالوها ملكوا بها العرب والعجم». فقال أبو جهل: كلمة تحوز هذا الخير، هاتها يا محمد، نقولها ونقول عشراً من أمثالها. قال: «قولوا لا إله إلا الله». فلم يقولوه، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾. اليوم يا إخوة، تجد هذا الإنسان الذي يقع في الشرك بالله عز وجل يدعو غير الله، يريد منه الولد، ويريد منه الرزق، ويريد منه ما يريد، ويستغيث به، ويطلب منه المدد. ذاك يطلب من الحسين، وذاك يطلب من العيدروس، وذاك يطلب من المحضار، وذاك وذاك. ألم يكن كفار قريش يدعون غير الله ويستغيثون بغير الله ويطلبون المدد من غير الله، من اللات والعزة وهبل ومناه؟ وهكذا قوم نوح، من ود وسواع ويغوث ويعوق ونس. هؤلاء يدعون غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وهؤلاء يدعون غير الله ويستغيثون بغير الله ويطلبون أشياء لا يقدر عليها إلا الله، يطلبونها من غير الله. فلماذا كان دعاء أبي جهل وأبي لهب وغيرهم من مشركي العرب ذاك شرك، ولا يكون هذا دعاء غير الله في زماننا والاستغاثة بغير الله لا تكون شركاً؟ ما الفرق؟ ما الفرق؟ والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾. فهو الدعاء، هو الدعاء، والاستغاثة هي الاستغاثة. ذاك يذبح لغير الله عز وجل، يذبح للات، يذبح للعزة، يذبح للصنم، يذبح للشجرة، يذبح لكذا أو كذا، فهو ذبح لغير الله. وهذا كذلك يذبح للعيدروس، يذبح للمحضار، يذبح لكذا، يذبح للجن، يذبح للشجرة الفلانية. هي ذبح، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لعن الله من ذبح لغير الله». لعن الله من ذبح لغير الله. فلماذا يكون ذبح أبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وغيرهم من مشركي العرب، ذبحهم لأصنامهم ولمعبوداتهم يكون ذاك شرك، ولا يكون الذبح للأولياء للقبور، ولو كان للأنبياء وللصالحين، هذا في زماننا لا يكون شركاً؟ ما الفرق؟ هو ذبح لغير الله، وهذا ذبح لغير الله. والله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾. فالله عز وجل أمر أن تكون العبادات كلها لله عز وجل، فالذبح عبادة. فلماذا يكون في زمن أبي لهب وغيره شرك، وإذا ذبح إنسان في زماننا لغير الله هذا ما يكون شرك؟ هذا توصل، سمه ما شئت، سمه ما شئت، هو الذبح لغير الله. من ذبح لغير الله فقد أشرك. لعن الله من ذبح لغير الله. وهكذا يا إخوة، تعظيم القبور عند كثير من الناس ممن وقع في براثن الشرك والخرافة، والعياذ بالله، سبب ذلك هو الجهل والإعراض عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك تزيين أهل الباطل للباطل، وزخرفة أهل الباطل للباطل، وربما يدعم من هنا وهناك، وتصبح له صولة وجولة، وعندهم من الأموال ما عندهم. لكن يا إخوة، ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾. فالإنسان إذا فكر بعقله قليلاً وتدبر بعض آيات من كتاب الله عز وجل ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعلم أن الإسلام لم يفرق بين أبيض وأحمر وأسود، وعربي وأعجمي، إلا بالتقوى. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أحمر، إلا بالتقوى». ونرى ذلك تطبيقاً عملياً في الإسلام مع جنائز المسلمين عموماً، مع قبور المسلمين عموماً. ترى ذلك جلياً، ليس هناك تفريق. إذا مات المسلم يؤمر بالإسراع بجنازته، وهذا يستوي فيه الكل: العربي والعجمي، والأبيض والأسود، والسيد والشيخ، والغني والفقير. الإسراع بالجنازة، ثم الخروج بها محمولاً على أكتاف الرجال، كل ذلك سواء. توضع في القبر، كل ذلك سواء، سواء. ليس في ذلك تمييز، ليس للحمر مقبرة تخصهم، وللسود مقبرة تخصهم، وللمشايخ مقبرة تخصهم، وللسادة مقبرة تخصهم. آل البيت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبورهم ضمن قبور الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ليس هناك تمييز، لا ببناء، ولا بكتابة، ولا بغيرها، ولا بتجصيص. لأنهم يعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام قد حرم كل ذلك، فلا كتابة، ولا تجصيص، ولا بناء. وإنما هذه سنن اليهود والنصارى، لعنة الله على اليهود والنصارى، ﴿ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ﴾. فهذا البناء على بعض القبور، وتتخذ عليها القباب، هذا التميز لهذا القبر، من الذي أتى به؟ ما دليله من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا تجد شيئاً، لا تجد شيئاً من ذلك أبداً. كذلك الإسلام من ناحية القبور جاء بحماية جناب التوحيد، فلا تصح الصلاة عند القبر أو إلى القبر. «لا تصلوا إلى القبور»، كما في حديث أبي مرثد في صحيح مسلم. لا تصلوا إلى القبور. هذه الصلاة لله، ما هي لصاحب القبر، يصلي لله. ومع هذا لا يجوز أن يصلي لله عند القبر أو إلى القبر. فكيف إذا كان يصلي لصاحب القبر؟ كيف إذا كان يسجد لصاحب القبر؟ كيف إذا كان يخضع ويركع ويتقرب إلى صاحب القبر؟ ما سمعنا بهذا، لا في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل سمعتم في آية في كتاب الله، أو حديثاً عن رسول الله، أنهم كانوا يستغيثون بإبراهيم خليل الرحمن، أو يستغيثون بنوح أول رسول، أو يستغيثون بموسى كليم الله؟ كل ذلك كذلك، حرم البناء عليها، حرم الزيارات الشركية. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا وإني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ثم قام فرخص، ألا فزوروها». ما الغرض؟ ما الغرض من هذه الزيارة؟ هل نستشفع بهم وندعوهم ونتوسل بهم ونذبح لهم وننذر لهم؟ كلا. «فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». تزوروا القبور: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». هذا المشروع، تدعو لهم. أثنى الله عز وجل على المسلمين الذين يأتون بعد الصحابة فيدعون لهم، والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾. ما يدعونهم، يدعون الله. يدعون أبا بكر أو عمر أو عثمان أو علياً؟ كلا. ما في أحد من الصحابة استغاث بأحد من الصحابة، ولا أحد من التابعين استغاث بأحد من الصحابة. كل ذلك لا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله. فدعوة لنا جميعاً، ولإخواننا، ولآبائنا، أن نعود إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نتعلم توحيد الله سبحانه وتعالى، فهو أول واجب وأعظم أمر أمر الله به، هو التوحيد. كما أن أعظم نهي نهى الله عنه هو الشرك بالله سبحانه وتعالى، خطره عظيم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾. أسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلني وإياكم ممن يستمع القول فيتبعه أحسنه، وأن يجعلنا ممن حقق التوحيد ومن دعاة التوحيد. إن ربنا لسميع الدعاء. والحمد لله رب العالمين.