الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 563، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الشرح بحديث رواه الإمام أحمد عن قتال الخوارج ويبين ضلالهم، ويتحدث عن رواة الحديث ودرجة صحته. يوضح المقطع أيضًا موقف الصحابة والتابعين من الخوارج وخطورة ضلالهم.
الخوارج خرجوا عن منهج الإسلام وأتوا بمنهج جديد، يقرؤون القرآن ولا يستفيدون منه، وقد حذر النبي منهم وأمر بقتالهم، ووصفهم بأنهم شر قتلى تحت أديم السماء. هذا الفصل يوضح صفاتهم وأحكامهم في الإسلام.
الخوارج ضلّوا عن فهم كتاب الله وسنة رسوله، فكفّروا المسلمين وقتلوا بعض الصحابة، وقد بين جابر بن عبد الله وغيره خطأهم في فهم الدين. كما يبين هذا الفصل بطلان مذهب إجبار الناس على البيعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان، وهو أبو عثمان عفان بن مسلم الصفار البصري، وكان حافظًا كبيرًا وضابطًا لكتابه. كان الإمام أحمد يسمي عفان وحبان بن هلال، وكذلك بحر بن أسد، يقول: هؤلاء أصحاب الشكل والنقط، يعني يضبطون كتبهم. وقال فيهم كلهم: إليهم انتهى التثبت، أو قال: إليهم ينتهي التثبت، فعلًا أنهم من الأثبات. ولهذا كان عفان إذا شك في حرف في الحديث ترك الحديث كله، إذا شك في حرف، أي في كلمة، إذا شك في كلمة في الحديث يترك الحديث ولا يحدث به، وهذا لورعه ولضبطه. قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة. وغالبًا عفان يروي عن حماد بن سلمة، وحيانًا أيضًا يروي عن حماد بن زيد، لكن غالب روايته عن حماد بن سلمة، فهو يعتبر ممن اختص في حماد بن سلمة، ورجحه كثير، كعلي المديني وغيره، في حماد بن سلمة، يعني أنه أحفظ وأثبت من روى عن حماد. قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثني سعيد بن جمهان، وتقدم الكلام عليه، وهو حسن الحديث. قال: «كنا نقاتل»، معنى من قال: إنه مجهول أخطأ. قال: «كنا نقاتل الخوارج، وفينا عبد الله بن أبي أوفاء، وقد لحق له غلام بالخوارج، وهم من ذلك الشط، شط النهر، ونحن من ذا الشط»، أنه كأنهم هربوا وخرجوا من الشط الآخر من النهر. وكان الصحابة ومن معهم من التابعين يقاتلون هؤلاء الخوارج، قد يكون في النهر أو في غيره. وكان مع المسلمين عبد الله بن أبي أوفاء رضي الله عنه. قال: «فناديناه»، أي نادوا هذا الغلام الذي لعبد الله بن أبي أوفاء. قال: «فناديناه أبا فيروز، أبا فيروز، ويحك، هذا مولاك عبد الله بن أبي أوفاء»، قال: «نعم الرجل هو لو هاجر». ننظر إلى تغيير العقول وغسل العقول، يقول: «نعم الرجل هو لو هاجر»، وهو صحابي. قال: «ما يقول عدو الله؟» قال: «قلنا: يقول نعم الرجل لو هاجر»، قال: «فهل هجرة بعد هجرتي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: طوبى لمن قتلهم وقتلوه». قال: هذا حديث حسن. إنما قال الشيخ: حديث حسن أولًا لكلام الذي في حماد بن سلمة، فحماد بن سلمة حافظ كبير، لكنه أخطأ في حديث، وهذا كما قلنا يعود لعدة أسباب، منها أنه نقل الحديث التي في الأجزاء عنده نقلها إلى المصنفات من حفظه، نقل معناه. كان يؤلف في التوحيد، يؤلف في الحديث المسند، فكان ينقل من حفظه، ينقل من أجزاء، أي من حفظه، فيخطأ في بعض الأشياء. ولهذا قال الإمام ابن زكريا بن معين: قال: من أخذ عن حماد بن سلمة من الأجزاء فحديثه صحيح، ومن أخذ من المصنفات فحديثه ضعيف. وأيضًا كذلك مما وقع لحماد أنه أيضًا تغير في آخر عمره ونسأ، فكان يحدث حيانًا بشيء من الأوهام. ومما حصل أيضًا أنه يجمع بين شيوخه ولا يميز رواياته، أنه يجمع بين قتادة وأيوب وحميد وثابت، ولا يميز رواية هذا عن هذا، فقد تختلف الرواية ولا يميزها، وغيرها من ما أخذ عنه رحمه الله. لكن الأصل أنه من الحفاظ ومن العلماء الفقهاء، فحديثه لا ينزل عن الحسن، ليس حديثه ضعيفًا، لكن إلا إذا تبين أنه وهم فيه، وإلا الأصل أن حديثه حسن. وروى له مسلم، وتجنب الرواية عنه البخاري، وذكره في الشواهد. وأيضًا كذلك لسعيد بن جمهان، فقال الشيخ: حديث حسن. هذا الحديث فيه بيان ما عليه الخوارج من الضلال، وأيضًا من الغواية. الخوارج خرجوا عن أهل الإسلام وغيروا منهج الإسلام، وأتوا بمنهج جديد، ومنهج لا يمس للإسلام بصلة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، أنه يدخلون ويخرجون، ما يستفيدون شيء من مناهج الإسلام. يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، فلا يستفيدون من قراءة القرآن شيء، لكنهم حفظوا القرآن فقط. يحفظون القرآن ويفهمونه على أفهامهم، ما يفهمونه وعلى فهم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فهذا الذي أضلهم وجعلهم بمعزل أو بمعزل عن أهل الإسلام وعن المنهج الصحيح. فلهذا خالفوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجعلوهم فرقة يناوئون بها منهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يخرج من ضئضي هذا»، أي ذاك الرجل الذي قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «هذه قسمة ما أريد بها وجه الله»، فقال: «يخرج من ضئضي»، أي من مثله هذا الرجل، «أناس تحقرون صلاتهم عند صلاتهم، وصيامهم عند صيامكم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأينما وجدتموهم فاقتلوهم، فإن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم». وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في هذا الحديث: «طوبى لمن قتلهم وقتلوه». وقال أيضًا في الصحيحين أيضًا: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هم شر قتلى تحت أديم السماء، وخير قتلى من قتلوه»، أنا خير قتلى من قتلوه. وهذا في تحفيز من النبي عليه الصلاة والسلام وحث على قتالهم. وبين النبي عليه الصلاة والسلام أن من يقاتلهم هو علي رضي الله عنه، كما جاء عند أحمد وأبي داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري، قال: «كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام، فقطع شسع نعله، فأخذه علي وخصفه»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله»، إن منكم من يقاتل الناس على تأويل القرآن، هم يصلون ويصومون، لكنهم يتأولون القرآن على غير تأويله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله». فقال أبو سعيد: «فاستشرفنا لها»، معنا كل واحد يريد أن يكون هو هذا الرجل. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه خاصف النعل»، خاصف النعل، ويريد به علي رضي الله تعالى عنه. وكذلك أيضًا ما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام علامتهم، وأن فيهم رجلًا فيه يده كثدي المرأة. فكان علي رضي الله عنه يبحث عنه حتى وجده، قال: «والله ما كذبت ولا كذبت»، أي ما قال لي النبي صلى الله عليه وسلم كذبًا، ولا أنا كذبت عليك، حتى وجده رضي الله تعالى عنه بين القتلى، أي هذه علامة الخوارج الذين يقاتلهم علي رضي الله تعالى عنه. فقاتلهم علي، وحثه النبي عليه الصلاة والسلام على قتالهم، وحث الصحابة أيضًا على قتالهم، فقاتلوهم، وهم شر قتلى تحت أديم السماء. وإنما كانوا شر قتلى لأنهم يدعون الإسلام وهم ينقرون في الإسلام من داخله. ولهذا تجد إلى الآن تجد الخوارج يشوهون دين الله، يتورعون في كل شيء إلا في الدماء. ولهذا يصدق عليهم ذاك الحديث الذي جاء عند أبي عوانة والبزار وغيرهما، وجاء بعدة روايات وصحيحة، والشيخ الألباني في الصحيحة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تقوم الساعة حتى تروا ستة آيات»، وذكر منها استخفافًا، واستخفافًا بالدم، والمراد بالاستخفاف بالدم، أي عدم التورع، وعدم أيضًا كذلك المبالاة بالدم. ولهذا الخوارج تجد يتورعون في أشياء كثيرة إلا في الدم، فإنهم لا يتورعون، أي في القتل، ما يتورعون في القتل، بل عندهم الأصل أن الناس على الكفر، فيقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا قتلوا جماعة من الصحابة، قتلوا عبد الله بن خباب، وقتلوا أيضًا جمهان، والد سعيد، وقتلوا جماعة من الصحابة. حتى قال لهم الظاهر أبو شريحة وغيره، قال لهؤلاء الخوارج: «تقبلون مني ما قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مني؟» قالوا: «وما قبل؟» قال: «لا إله إلا الله»، فقالوا: «أنت عدو الله»، وقتلوه رضي الله عنه. فقال: «أنا صاحب رسول الله»، قالوا: «بل أنت عدو الله»، أنا كيف يكون الصحابة أعداء الله؟ لكن هؤلاء ما فهموا أصلًا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. الله رضي عن الصحابة، وكيف يكونون أعداء الله؟ لكن هؤلاء فهمهم يبعد عن كلام الله وعن كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتأولونه على غير تأويله، أن يفسرونه على غير التفسير الصحيح، على حسب أهوائهم. وأخذوا نصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد. ولهذا يزيد الفقير لما سمع كما جاء في صحيح مسلم، لما سمع جابر بن عبد الله يذكر حديث الجهنميين، فقال: أي يزيد الفقير: «يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما هذا الحديث الذي تحدثون به؟ والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، وقالوا: ما هم بخارجين من النار». فقال له جابر بن عبد الله، ذلك الصحابي الجليل الفقيه، المكثر بما يقول: قال له: «أتقرأ كتاب الله؟» قال: «بلى»، قال: «أما قرأت قول الله جل وعلا: ﴿عَسَى رَبُّكَ أَن يَبْعَثَكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾؟» قال: «بلى»، فقال: «هذا المقام المحمود»، ثم سرد حديث الشفاعة الطويل الذي فيه المقام المحمود، وأنه شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل المعاصي، بل لأهل الموقف. فلهذا بين جابر بن عبد الله ليزيد ولغيره من الخوارج الذين كانوا معه بيانًا شافيًا في الحديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك من الآيات. فقال يزيد: «فرجعنا كلنا إلا رجلًا واحدًا»، إلا كما كان يقول: «قال: كنا قد اتفقنا أننا نحج ذلك العام، ونخرج على الناس، أن يقتلون أهل الإسلام، يحجون ويقتلون أهل الإسلام، ويريدون أن يأخذوا الحكم، وهم منهم مجموعة صغيرة». قال: «فمررنا إلى المدينة قبل أن يذهبوا للحج»، مروا إلى المدينة وسمعوا كلام جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. فلهذا فهؤلاء الخوارج قرأوا القرآن، لكنهم لم يفهموه على فهم السلف وعلى فهم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وإنما فهموه أو فهموه على أفهامهم القاصرة، وأفهامهم الباطلة الضالة. فلهذا جاءوا بهذا المنهج الغريب العجيب الذي لا يمس للإسلام ولا أيضًا يمد للإسلام بشيء، بل هو بمعزل عن الإسلام وعن دين الله جل وعلا وعن المنهج الحق. فقال: قال عبد الله بن أبي أوفاء: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى لمن قتلهم وقتلوه». وقال: «هجرة بعد هجرتي مع رسول الله»، أنا قد هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيضًا نهاجر هجرة أخرى. فلهذا فهؤلاء كما قلنا ضلت عقولهم، فظلوا أن أهل الإسلام كلهم كفار إلا هم. حتى ذكر الإمام الأجري أن رجلين اجتمعا في الحرب من الخوارج، فقال أحدهما للآخر: «ترى هذا الجمع كله وهؤلاء الناس كلهم؟» قال: «نعم»، قال: «هؤلاء كلهم كفار»، وقال: «من المسلم؟» قال: «المسلم أنا وأنت، ما في إلا أنا وأنت فقط، أما هؤلاء كلهم كفار». فقال له: «خلاص ابق أنت على الإسلام وحدك، وأنا سأذهب مع هؤلاء الكفار»، أنا أنت على الإسلام، هؤلاء كلهم كفار، وهم يحجون بيت الله الحرام. انظر إلى هذه العقول الضالة وأيضًا الباطلة. وهذا يحصل أيضًا حتى هذه الأيام عند هؤلاء أصحاب الهجرة والتكفير، أو أصحاب القاعدة، أو أصحاب داعش وغيرهم، تجد عندهم غلو أيضًا في هذه الأبواب. ويكفرون كل من تكلم عليهم أو كذلك ذمهم، أو حتى أنه بعضهم يكفر من لم يبايعهم، من لم يبايعهم يكفر. فما في أحد مسلم إلا من يبايع لهم، وهذا مذهب باطل ومذهب بعيد عن الإسلام. فهذا شيء مما يذكر في هذا المقام. الله تعالى أعلم.