محاضرة في مسجد السنة بالمكلا

الدرس في محاضرة في مسجد السنة بالمكلا، محاضرة في مسجد السنة بالمكلا بعنوان ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) ليوم الخميس 7 رجب 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

استقبال الشيخ عبيد الجابري وتفسير آية الموازين

يرحب الخطيب بزيارة العالم الشيخ عبيد بن عبد الله الجابري إلى ساحل حضرموت مشدداً على الرجوع إلى العلماء في زمن الفتن. ثم يشرع في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ مبيناً أنها دليل على إحصاء الله لأعمال العباد ومجازاتهم بها.

عدالة الله في وزن الأعمال ومصير الناس

يبيّن المقطع عدل الله في إحصاء الأعمال ووزنها يوم القيامة، وأن الفلاح مرهون بثقل الموازين بالصالحات بينما الخسران لمن خفت موازينهم. ويقسم الناس إلى أربعة أصناف بحسب المال والعلم والنية موضحاً أن السعادة الحقيقية في استخلاف الأرض بطاعة الله.

أحاديث فضل التوحيد ووزن الأعمال يوم القيامة

يستعرض المقطع أحاديث نبوية تبين عدل الله مع المؤمنين بإعطائهم ثواب الحسنات في الدنيا والآخرة، بينما يُعجل للكافر حسناته في الدنيا ولا شيء له في الآخرة. ويوضح أدلة وزن الأعمال والأعمال وصحفها يوم القيامة، وأن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً.

فتاوى متنوعة في العقيدة والعبادات والمعاملات

يجيب الشيخ على عدة أسئلة منها النهي عن عبارات غير مشروعة، تحريم الانتساب لغير الأب لأغراض مادية، وبيان أن العمليات الاستشهادية هي انتحار محرم. كما ينكر على جماعة التبليغ لتوحيدهم الربوبي فقط، ويحدد إباحة الدف للنساء في الأفراح والعيدين فقط، ويفصل في نكاح الشغار المحرم.

فتاوى ونصائح في الاستغفار وأركان الإيمان والجمعيات الخيرية

يتناول المقطع حكم الاستغفار للمشركين الأحياء دون الأموات، والفرق بين أركان الإيمان الستة وشعبه، وحكم الجمعيات الخيرية مبيناً جواز ما وافق السنة وربى على العقيدة الصحيحة. ويختتم بنصيحة لمن تشاجر والدته مع زوجته بتوفير سكن مستقل للأم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، إخواني في الله، إن نعم الله علينا العظيمة والجليلة، نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، أعظمها نعمة الإيمان، ونعمة الإسلام، ونعمة الاستقامة على السنة والأخذ بهذا المنهج العظيم، منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، الطائفة المنصورة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم أن بين أن هذه الأمة تنقسم إلى ثلاث وسبعين فرقة، قال: «كلها في النار إلا واحدة»، فقيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «هم الجماعة»، وفي رواية صحيحة عند العلماء قال: «هم من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي». إذن هذه الفرقة الناجية التي تنجو بإذن الله تعالى لأنها قد اجتمعت على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الفرقة تسير على كتاب الله وعلى سنته وعلى هدى الأنبياء، والأنبياء هم الذين بلغوا الناس كيف خلقوا ولماذا خلقوا. والناس والله لو اجتهدوا واجتمعوا جميعًا على قلب رجل واحد وعقل واحد ما عرفوا أسباب وجودهم على هذه الأرض، ولكن الله تعالى جل وعلا قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. إذن خلقنا الله تعالى لعبادته ولتوحيده. وهنا يقف السؤال: كيف نعبدك يا رب؟ لو أن الناس اجتهدوا في هذا الأمر ما بلغوا بعقولهم ولا بقلوبهم، بل لا يعرفون ذلك إلا بما يوحى من الله تعالى وما ينزل الله تعالى من كتب على رسله، فأرسل رسله بالبينات يبشرون وينذرون ويبينون للناس ما الذي ينبغي عليهم، فبينوا هذا الأمر العظيم، أمر التوحيد، توحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وبينوا العقيدة، وبينوا العبادات، وبينوا المعاملات، فأقاموا الناس على محجة بيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك. ومن يحمل هذا الأمر بعد الأنبياء؟ فقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء»، الأنبياء لا يورثون دينارًا ولا درهمًا ولكنهم ورثوا هذا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر. العلماء يا عباد الله هم حملة الشريعة، هم حملة كتاب الله وسنة رسوله، يبينون للناس ويجلون ويوضحون. علماء أهل السنة علماء ربانيون يعلمون الناس الخير حيثما حلوا وحيثما ارتحلوا. لقد رفع الله تعالى درجة هؤلاء العلماء، وبينا أنهم أخشى الناس له، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وقال تعالى أيضًا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وبينا أنهم رفعة ومنزلة في هذه الدنيا وبين أهل الإيمان، فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. إذن أهل العلم درجات وهم في خير عظيم. وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». وهكذا هم يعلمون الناس هذا الخير ويعلمون العلم الشرعي الذي يجب عليه، والذي هو فرض عين وفرض كفاية، ويفقهونه في دين الله تعالى. فخير العلماء خير عظيم على هذه الأمة، ومن أخذ بهذا العلم من أولئك العلماء الكبار علماء السنة، فإنه على خير وعلى هدى عظيم. لا يخلو ما نظم غرض العلماء، فكيف بالعلماء الكبار الذين ينبغي أن يزاروا ويرحل إليهم لطلب العلم؟ إذا زارونا وجاؤوا إلينا إلى معاهدنا ومساجدنا، فإن هذه والله نعمة عظيمة يا عباد الله. إننا والله لفي فرح شديد هذه الليلة، ويغمرنا هذا السرور، لا نكاد نصدق هذه اللحظات أن يزورنا عالم وشيخ جليل، والدنا العالم العلامة الوالد الفقيه الشيخ عبيد بن عبد الله بن سليمان الجابري، حفظه الله تعالى ومد في عمره وبارك في عينه وفي ذريته، يزورنا في هذه البلاد، ويرافقه جماعة من إخواننا، الشيخ فؤاد العمري حفظه الله تعالى، وأيضًا جمع من الشباب من طلبة العلم الذين احتفوا بالشيخ وطلبته في المدينة، جاءوا معه يزوروننا إلى هذه البلاد ويعلموننا من علمهم ويبينون لنا ما غمض علينا. فكم نحن في حاجة للعلماء عباد الله، ولا سيما في زمن الفتن إذا جُمعت بالأمة وإذا حَوْلَكَت هكذا وذُلَّت بها الفتن، فإنه لا مخرج إلا بالرجوع إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا بالعلم والرجوع إلى العلماء، وأخذ آرائهم، واستشراف هذا الأمر والنظر في أقوالهم والتمسك بذلك. هكذا عرفنا علماء السنة نصحاء لهذه الأمة، وكيف إذا اجتمع العلم والكبر كما في الأمر، البركة مع أكابركم، فكيف إذا اجتمع العلم والسن، وأنه أيضًا من كبار العلماء وأنه أيضًا من كبار السن، بارك الله في عمره، فهذه فرصة طيبة لنا في هذه البلاد إذ أتاحها الله لنا بمجيء الشيخ وزيارته، فإننا نحتفي بهذا الشيخ ونسمع منه وننصت ونسأل ونستفيد، فهو نعمة الوالد ونعمة المربي. فنسأل الله تعالى أن يوفقه. أيضًا نحيي إخواننا الذين جاءوا من مواضع كثيرة لحضور هذه المحاضرة لشيخنا المبارك، وهو أول زيارة لساحل حضرموت في هذه الدورة التي جاء إليها، فنرحب بهم جميعًا في هذا المسجد المبارك وفي هذه الليلة الطيبة، ونقول للشيخ ومن جاء معه: حللتم أهلًا ونزلتم سهلًا، فأطبتم وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلة. حياكم الله بين آبائكم وبين أبنائكم وبين إخوانكم، فحياكم الله جميعًا، ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا السفر وهذا العناء ما لقيتموه في ميزان حسناتكم، ويرفع قدركم في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والفضل للشيخ، خفضه الله تعالى، مبارك فيه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين ورب الطيبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيد ولد آدم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليمًا كثيرًا على مر الأيام والليالي والشهور والسنين. أما بعد، فأظن أن الجميع الذين اجتمعوا في هذا المسجد هذه الجلسة التي أسأل الله أن تكون مباركة علي وعليكم يعلمون موضوع الحديث، وهو في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. هذه الآية نص صريح في الإيمان، لأن الله سبحانه وتعالى محصٍ على العباد أعمالهم ومجازيهم عليها، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. إيضاح ذلكم أن إحصاء الله الأعمال ووزنها وإظهارها هو عدل منه سبحانه وتعالى، وهذا يستدعي أمرين: الأمر الأول: استعداد المسلم للقاء الله، فمن أجل ذلك يسعى ويجد في العمل الصالح الذي يرفع الله به درجاته عنده، ويضاعف له به الحسنات، ويمحو به السيئات. والثاني: خشية المسلم على أعماله الصالحة أن تحبط بركوب مغاضب الله سبحانه وتعالى. فالله قد علم ما العباد عاملون قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والحفظة الكرام يكتبون ويحصون على العبد أقواله وأعماله من سن التكليف، فإذا لقي ربه وجد ما عمل حاضرًا، والله لا يظلم أحدًا. فتأملوا قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، هذا تنبيه إلى كمال عدله سبحانه وتعالى، وقطعًا حتى يقطع الحجة على من يحتج أنه بُخس شيء من عمله. ويؤكد هذا قوله تعالى في نفس الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، فمن أحصى العمل جزى عليه. وهذه الآية جاء إيضاح معناها في آيات أخرى من التنزيل الكريم، منها ما يدل على ما دلت عليه هذه الآية من وزن الأعمال يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، وهذا يدل ضمنا على أن أعمال العباد وأحوال المؤمنين متفاوتة في الإيمان والعمل الصالح، وسنذكر لاحقًا إن شاء الله بيان ذلكم. أصناف الضرب الثاني من آي التنزيل ما يدل على ما يعقب الوزن من سعادة وشقاوة، فمن ذلكم ومن تلكم الآيات قول الحق جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وصفاته: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾. والسؤال هنا: بما تثقل الموازين حتى يكون الفلاح والنجاح والسعادة؟ هذه الموازين يثقلها صالح الأعمال، وإن شئت فقل: يثقلها الطيب من القول والعمل. ألم تسمعوا إليه جل وعلا إذ قال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؟ والمعنى: من رجحت أعماله الصالحة وأقواله الطيبة تقربًا إلى الله عز وجل إخلاصًا له ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه فائز، فائز نائل المرغوب الذي كان يسعى ويجد في تحصيله، وناجٍ من المرهوب الذي كان يخشاه ويخافه. ونظير هذه الآيتين من سورة الأعراف قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾... ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. فكل لبيب بصير كيس فضل آتاه الله إدراكًا وفهمًا يتحصل له من معنى هذه الآيات أن الناس صنفان يوم القيامة: صنف هم أهل الفلاح والسعادة والنجاة، وصنف هم أهل الخسران والشقاوة. فالأولون هم أهل الله وخاصته، والذين جاهدوا أنفسهم وقهروها على ما يحبه الله ويرضاه من التوحيد والسنة والعمل الصالح الذي يقربهم إلى الله عز وجل زلفى. والصنف الثاني هم أهل الشقاوة، أهل الرجاء المخذولون يوم القيامة حين تنصب الموازين عدلًا من الله عز وجل، فتخف موازينهم فيهلكون ويخسرون، لأنهم يوم كانوا في فسحة من أمرهم وآتاهم الله ما آتاهم من الصحة والعافية والمال وغير ذلك من متاع الدنيا التي يجب أن يشكروا الله عليها بفعل محابّه ومجانبة مساخطه، ضيعوا. وهؤلاء قد غرتهم الدنيا بزخرفها حتى نسوا الآخرة ولم يسعوا لها سعيها، فحق عليهم قول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَهُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾. وفي الحديث الصحيح ما يزيد هذا وضوحًا، وذلك أن المؤمن يتقوى إذا سمع، تقوى عزيمته وهمته في مجاهدة نفسه، وهو على يقين أنه طال عمره أو قصر، هو خليفة الله في هذه الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». أظنه قد استبان لمن يستمع إلينا أو كان حاضرًا عندنا من المسلمين والمسلمات أن الجميع مستخلف من الله في هذه الدنيا، وأنه مراقب من قبل الله. فمن أحسن الخلافة وأعطى كل ذي حق حقه، واتخذ ما آتاه الله من حضوض الدنيا مطية يمطّيها إلى الآخرة، فليَبْشُرْ بحميد العاقبة وعظيم المثوبة ورفيع الدرجات، وإن كان في الدنيا ممقوتًا مذمومًا لا يعبأ الناس به ولا يرونه شيئًا، لكنه عند الله مرضي. ومن أساء الخلافة في هذه الدنيا واستعملها في شهواته وملذاته، لا يعبأ بحق الله ولا بحقوق العباد، فذلك بأخبث المنازل. وذلكم بأخبث المنازل. وإن علاهم الناس من قلوب، وإن علاهم من الناس في قلوبهم منزلة، هو لا شيء عند الله سبحانه وتعالى. واسمعوا: أخرج الترمذي وصححه من حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله علمًا ومالًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعرف لله فيه حقه، فذلك بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادق نية، يقول: لو أن لي مالًا لعملت مثل عمل فلان، قال: فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير حق، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فذلك بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله علمًا ولا مالًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت بمثل عمل فلان، قال: فوزرهما سواء». فهذا الحديث معاشر السامعين من المسلمين والمسلمات نص صريح في تقسيم الناس إلى قسمين، وكل قسم ينقسم إلى قسمين. فالقسم الأول: غني شاكر مقر بنعم الله عليه، فسخر ما آتاه الله من مال وحبوب في الدنيا في مرضاة الله عز وجل، فبلغ بذلك أفضل المنازل. والصنف الثاني: لم يرزق مالًا ولكنه رزق العلم، فبلغ أفضل المنازل مثل ما بلغ الغني الشاكر باحتسابه وصدق نيته وقوة عزيمته على سلوك مرضاة الله سبحانه وتعالى، مثل ما يسرك، مثل ما كان يسرك أخوه الغني الشاكر. والقسم الثاني: البطر الأشر الجحود الظلوم الذي بخل بما آتاه الله ومنعه، فمنع حق الله وحق عباده فيما آتاه الله، فبلغ بذلك أخبث المنازل، فلم يرد ما أغنى عنه ماله شيئًا. والثاني: الفقير المستكبر، أشر نيته سيئة خبيثة وعزمه قبيح، لو كان عنده مال لسلك سبيل البخل وسبيل عبيد الدنيا من بني آدم، حتى لا يعرف حق الله وحق العباد، فأوردته نيته السيئة الخبيثة في أخبث المنازل. والمقصود أيها المسلمون والمسلمات: أن المرء إذا كان يسعى للآخرة سعيها، فإنه لا يضره ما آتاه الله من حضوض الدنيا، وإن كان ما أوتيه مثل ما أوتي قارون. وإنما الخوف والخشية والإشفاق على من استعبدته الدنيا وأنساه زخرفها الآخرة، فلم يسعَ لها سعيها. وها هنا أحاديث أيها المسلمون تزيد المؤمن طمعًا ورغبة وحسن ظن بالله عز وجل وصبرًا واحتسابًا على ما يرضي الله، وإن كان في ذلك مشقة على نفسه. منها ما أخرجه أحمد ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى عليها في الآخرة»، وفي رواية: «يجزى يثاب عليها الرزق يعني في الدنيا ويجزى عليها في الآخرة». وأما الكافر فإنه يطعم بحسنات، يطعم بحسنات ما عمل لله بها، فإذا لقي الله ولا حسنات له. فهذا الحديث أيها المسلمون بشارة لكل من يرجو الله واليوم الآخر، وتلك البشارة أن الله يجمع لكل مؤمن - وهذا اسم جنس يشمل الذكر والأنثى - بين ثوابه على حسناته في دنياه وأخراه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وأما الكافر فإن الله سبحانه وتعالى يجزيه على حسناته إذا عمل لله بها، إذا أخلص، يجزيه عليه في الدنيا بزيادة في المال، بكثرة في الولد، بجاه، بمنصب، فإذا لقي الله لم تكن له حسنة. عجل الله للكافر حسناته في الدنيا، وجمع لعبده المؤمن ثواب الدنيا وثواب الآخرة. فبان بهذا أن الإيمان بالميزان يوم القيامة حق وصدق، لأن الله أخبر به، يوم القيامة حق وصدق، وصدق بدلالة الكتاب، فاعلم أنه حق وصدق يجب الإيمان به بدلالة السنة، فقد جاءت السنة الصحيحة دالة على أنه يوزن يوم القيامة العمل والعامل وصحيفة العمل، الكتاب، الديوان الذي ينشر لكل عبد يوم القيامة، يوزن كل هذه الثلاثة، توزن. فمن أدلة وزن العمل قوله صلى الله عليه وسلم: «والحمد لله تملأ الميزان»، أخرجه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». هذا وزن العمل، سواء كان العمل قولًا كالشهادتين والتسبيح والتهليل والتكبير وقراءة القرآن وكثرة الاستغفار والتوبة والدعاء، كل ذلك يوزن عند الله سبحانه وتعالى. ومن الأعمال ما يكون مثل جبل أحد، مثل جبل أحد. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من شهد الجنازة حتى تدفن كان له قيراطان، ومن شهدها حتى يصلي عليها كان له قيراط. قالوا: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»، وفي رواية: «أصغرهما مثل جبل أحد». أليس في هذا يا ذوي الحجا، يا أولي الأحلام والنهى، ما يهيج المسلم ويحثه على أن يستكثر من الأعمال الصالحة قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون؟ ما أظن أحدًا إلا ويقول: بلى. وأما وزن العامل، فمن أدلته قوله صلى الله عليه وسلم: «يأتي الرجل السمين العظيم، أو قال: يؤتى بالرجل السمين العظيم، لا يزن عند الله جناح بعوض». وأخرج أحمد وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ابن مسعود رضي الله عنه أن يجتني له سواكًا من الأراك، فهبت الريح فانكشفت ساقاه، فضحك القوم، فقال صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون من دقة ساقيه؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «والذي نفس محمد بيده، لهما في الميزان أثقل من جبل أحد». وأما وزن الصحيفة التي تدون فيها أعمال العبد كلها، طيبها وخبيثها، حسنها وسيئها، كتبها الكتبة بأمر الله عز وجل مع علمه بما يعمله العباد، ما أخرجه الترمذي وحسنه، وأخرجه غيره وهو حسن، وبعض أهل العلم يصححه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُصَاحُ برجل من أمتي على رؤوس الخلائق، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مد البصر، فيقال له: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب. فيقال: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقال: هل لك عذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقال: هل لك حسنة؟ فيقول: لا يا رب. فيقال: بلى، إن لك عندنا لحسنة. فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. البطاقة معروفة، ورق الصغيرة. فيقول: وما تغني هذه البطاقة، البطاقة إلى جانب هذه السجلات؟ فيقول الله له: لا ظلم عليك اليوم. ثم يقال: احضروا وزنكم، يعني وزن صحيفتكم. فتوضع البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فتطيش السجلات وترجح البطاقة، فيدخل الجنة». عباد الله، هذا الرجل كان عنده من التوحيد الخالص ما يرجح، ما جعل البطاقة تلك ترجح بتلك السيئات العظيمة. وهذا شاهد من شواهد أهل السنة أن عصاة الموحدين مقطوع لهم بالجنة، فهم تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم وأدخلهم الجنة ولم يعذبهم، وإن شاء عذبهم لقاء مقترفاتهم من ذنوبهم، ثم مآلهم إلى الجنة بعد، إما بانتهاء عقوباتهم، أو بشفاعة من يأذن الله لهم، من يأذن الله لهم فيهم بالشفاعة، أو بقبضة الرحمن سبحانه وتعالى. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يقول: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع الصالحون، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين، فيقبض بيده قبضة أو قبضتين، فيخرج أقوامًا قد امتحشوا من النار، لم يعملوا خيرًا قط، يعني من عمل الجوارح». فهذا الحديث وما هو في معناه من الأدلة على أن من مات على التوحيد، من مات على التوحيد، من لقي الله على التوحيد دخل الجنة قطعًا. ومن تلكم الأدلة ما أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقي الله وهو يشرك به شيئًا دخل النار». فالمقطوع بأنهم أهل النار هم هؤلاء، يعني الكفار والمشركون. والمقطوع بأنهم أهل الجنة هم أهل التوحيد. وأهل التوحيد قسمان: قسم يلقى الله على التوحيد والسلامة من المعاصي، فهذا إلى الجنة. وقسم يلقى الله على التوحيد لكنه مصر على كبيرة أو كبائر، فهذا تحت مشيئة الله كما قدمنا. وبهذا القدر نرجو أن تعذروا بهذا القدر من الحديث، نرجو أن تعذروا، ونترك المجال لما تيسر من أسئلتكم، لأن الوقت ضيق، الكل أو جل منكم يعلمون أن على جناح سفر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أحسن الله إليكم شيخنا وابارك فيكم وفي علمكم ونفعنا بما قلتم. يقول هذا السائل: فضيلة الشيخ، هل اتخاذ القلم من فضة أو غيره سنة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ له بعض أهل العلم يقول أنه على الجواز، وإن أراد التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فأرجو أن يكون مثابًا على هذا العمل. نعم، أحسن الله إليكم. وهذا سائل آخر يقول: هل يعد من قال: نحن في وقف قهر، وفي وقف فقر وتعب، من الذين يسبون الدهر؟ والأولى ترك هذه العبارة، واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بسؤاله العفو والعافية والمغفرة، ويستعين المرء على طاعة الله وعلى ذكره وعلى شكره وحسن عبادته، كما يستعين كذلك بالتوبة، في كثرة التوبة والاستغفار من المعاصي. نعم، أحسن الله إليكم. وهذا سائل آخر يقول: ما حكم من انتسب إلى غير أبيه من أجل أغراض مادية كالسفر إلى الخارجي؟ هذا محرم، وهو متوعد بالوعيد الشديد عن النبي صلى الله عليه وسلم، من ذلكم: «من ادعى إلى غير أبيه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». ثم هذا... ندعي إلى ماذا؟ إلى غير أبيه. نعم، نعم. أقول: مهما تكون الدواعي، في غير مسوغ، ينتسب إلى أبيه. لكن إن كان انتسب إلى جده، ما هو آل أحمد بن محمد بن علي، فقال: أحمد بن علي، لا بأس، لأن المرء قد ينتسب إلى جده، لكن يجب أن يكون هذا شائعًا دائرًا في أسرته وغيرهم أنه أحمد بن محمد، حتى يأمن النزاع والشقاق في أسرته بعد موته. نعم، أحسن الله إليكم. وهذا سائل آخر يقول: ما قولكم فيما يسمى بالعمليات الاستشهادية؟ ما قولكم فيما يسمى بالعمليات الاستشهادية؟ هذه تسمية، أقول أولًا: هذه العمليات محدثة، ولم تكن معهودة عند السلف، لا يعرفها الصحابة ولا التابعون ولا أهل القرون المفضلة، ما عرفت إلا أخيرًا، هيج عليها وحسنها بعض الجماعات الدعوية الحديثة التي كلها ضالة مضلة. هذا أولًا. ثانيًا: هذا الذي سموه استشهاديًا في عملياتهم، هو يقتل نفسه، يقتل نفسه، ولا تحصل نكاية بالعدو تقهره عن المسلمين، وتبعث في قلبه الرعب من أهل الإسلام، بل تجسر العدو وتجرئه وتقويه. فإذا كان هذا الانتحار، كما يقولون، قتل نفسه وقتل عشرين أو ثلاثين، فإن العدو من الكفار يقتل جراء ذلك مئات من المسلمين الأبرياء. وبهذا تعلمون أنه قتل نفسه وقتل غيره، ولم يحصل بنكية العدو. ثالثًا: بعضهم يستشهد بالانغماس في العدو، وهذه قاعدة شرعية. إيضاح ذلك: أنه إذا صف صفان والتقى جمعان من أهل الإسلام والكفار، ينبري شخص فيهجم على العدو، هذه عملية الانغماس. فهذا أولًا: المسلمون حوله، والغالب على حاله السلامة، لن يتركوه للعدو. وثانيًا: إذا مات، قتله العدو وهو نائل إن شاء الله أجر الشهادة، لأنه بنغماسه في هذا حمس المسلمين وهيجهم على اقتحام صف الكفار. وبهذا تعلمون أن تلكم العمليات هي انتحارية لا استشهادية، وقاتل نفسه من أهل الإسلام قاتل نفسه متوعد بالنار، وأنه مخلد فيها، لصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم. حتى أن بعض أهل العلم مثل الشوكاني رحمهم الله ذهبوا إلى أن خلوده أبدي، كما يخلد الكافر والمشرك، ولكن جمهور أهل العلم على أن هذه أحاديث وعيد، لأن الخلود الأبدي السرمدي للكفار والمشركين. نعم، نعم. طيب، على بركة الله. الله، سائل آخر يقول: فضيلة الشيخ، هل أتباع جماعة التبليغ، هل أتباع جماعة التبليغ والخروج معهم لثلاثة أيام وأربعين يومًا عمل طيب؟ ليس بطيب، لأن هذه الجماعة ليست على السنة، فالتوحيد عندهم هو توحيد ربوبية، واسمعوا تفسيرهم لـ «لا إله إلا الله»: لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا يقدر على الأمر إلا الله. وهذا قد أقر به أبو جهل وأضرابه من الكفار، ولم يدخلهم رسول الله، ولم يدخلهم هذا التوحيد في الإسلام، لما أنكروا توحيد الألوهية، بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحل دماءهم وأموالهم. نعم، أحسن الله إليكم. وهذا سائل آخر يقول: وهذا سائل آخر، وهذا سائل آخر يقول: قال الله تعالى لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام بدعاء السفر: «اللهم أنت الخليفة في الأهل»، يقول: فهل يقال إن الإنسان خليفة الله في أرضه؟ هذا الذي يظهر لي من كلام الله، نعم. وإن الله مستخلفكم فيها، وقال: ﴿جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله مستخلفكم فيها»، يعني في الدنيا، والدنيا أهل الدنيا في الأرض، إذا أطلق لا ينصرف إلا إليهم. وفي التنزيل ما ذكره السائل: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فالإنسان خليفة الله في أرضه، يعمرها بطاعته وبذكره وشكره وحسن عبادته. ولا يقال: خليفة عن الله، لا، لا يقال هذا. الخليفة عن الله هو الذي يحكم عن الله، والله لا يحكم عنه أحد، لكن أنبياء ورسله يحكمون بشرعه الذي أمرهم به، فالله لا يخلفه أحد. نعم، وهذا سائل آخر يقول: فضيلة الشيخ، حبيظة الله، ما حكم الدف والقبل للنساء في المناسبات؟ أقول: لم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب الدف للنساء إلا في الأفراح، العرس، وفي العيدين. نعم، في الأفراح وفي العيدين. وأما قولهم: المناسبات، فهذه عامة تخرج إلى غير ذلك، فهذا خطأ. نعم، أحسن الله إليكم. وهذا سائل آخر يقول: ما حكم زواج الشغار؟ ثم قال: ومن ثبت أنه تزوج على هذه الصورة وهو الآن على عقد النكاح الأول بينه وبين زوجه وعندهم أولاد، فماذا عليه؟ الشغار معناه الخلو، والشاغر الخالي، ومعناه أن كل واحد من الشخصين يزوج الآخر موليته، يزوج الآخر موليته. والمحققون أنه إذا كانت إحداهما شرطًا في نكاح الأخرى فإنه محرم، لأنه حيلة، وهذا يسمى نكاح البدل. أما إن وقع موافقة، تزوج رجل من آل أحمد واحدة من بنات آل زيد، ثم جاءه آل زيد فتزوج منه، وليس في نيتهم البدل، ليس في نيتهم البدل، وإنما علقوا هذا على رضا كل واحدة، ولم تكن إحداهما شرطًا في الأخرى، بدليل أنه لو رفضت إحداهما تم نكاح الأخرى، نحن نجيز نكاحكم إن أعطيتمونا قبل ما أعطيتمونا، فأنتم على إن شاء الله على ما أعطيناكم نحن، هذا لا بأس به، وليس من البدل والشغار في شيء. إنما الشغار: نكاح في نكاح البدل، أنه لا يتم نكاح إحداهما حتى ترضى الأخرى، وإلا كان ما يكن بينهم من النزاع والشقاق حتى بعد العقد، يكون بينهم ما يكون، نحن ما زوجنا لكم إلا لتزوجونا، فكيف تخالفوننا، كيف تخلفوننا الوعد، وربما نغصوا حياة بنتهم وصهرهم، حتى تكون كدر، ويكون من الشقاق وقوة المشاجرة والمقاطعة، فربما دبت الحمية في أهل الزوج بأن لا يطلقها حتى يفدوها، فإن كان دفع مئة ألف يقول: لا لا لا لا نقبل إلا مليونين أو ثلاث. وهذا عليه المحققون من أهل العلم. بقي قصة السائل وحاله، بينهما خمسة أولاد. أقول: عفى الله عما سلف إن شاء الله تعالى، لكن أرى أن تطلقها، أرى أن تطلقها، فإذا اعتدت تزوجها من جديد بعقد جديد ومهر جديد. نعم، شكرًا. أحسن الله إليكم. وهذا سائل آخر يقول: كيف نجمع بين قول الرب جل وعز: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾، وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم بغزوة أحد: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»؟ أقول: الجمع ميسور إن شاء الله. «اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، هذا استغفار للأحياء، ليس للأموات. فالآية نزلت في أبي طالب، في عامة من مات على الشرك. لكن من كان حيًا، لك أن تستغفر له إذا دعا، ثم يعني لا يظهر أنه استغفر لهم استغفارًا مطلقًا، لا، استغفار يستغفر لهم ما استغفر لهم الله، ما أذن به. نعم، أحسن الله إليكم. وهذا سائل آخر يقول: ما الفرق بين أركان الإيمان وشعب الإيمان؟ شعب الإيمان هي الأركان الستة، وهي أصول، والشعب خصال متفرعة عن هذه، متفرعة عن هذه، من أقوال وأعمال، من أقوال اللسان وعمل الجوارح. ومن الشعب ما هو أصول، مثل الإيمان بالله يتضمن الإيمان بأخباره التي أنزلها على رسوله، سواء في كتابه أو في سنته الصحيحة، أو في السنة الصحيحة، من ذلك نعيم القبر وعذابه، والميزان، ونشر الصحف، والعبور على الصراط، وغير ذلك. نعم، أحسن الله إليكم. هذا سائل آخر يقول: ما حكم الجمعيات، وهل كلها يشملها حكم واحد، أم أن صورها تختلف، وعلى هذا فالحكم يختلف؟ الجمعيات اسم عام لكل فئة لها تشكيل إداري معلوم، ولها قواعد تسير عليها في النواحي المالية والإدارية والتنظيمية، وتنقسم إلى قسمين: قسم يجوز. وإذا كانت هناك جمعية تقرها الدولة، شأنها رعاية الأيتام والأرامل، وتكفلهم وتعلمهم السنة، وتقوم بالنفق عليهم من مواردها المختلفة، ومنها ما يحصل لهم من إعانات المسلمين، فهذه الجمعية جائزة، أولًا أقرها، أولًا أن منهجها لا يخالف السنة، لأنهم يفقهون هؤلاء الناس دين الله عز وجل، ويرعونهم رعاية حقيقية ليست مقصورة على الغذاء والشراب والكسوة والسكن، بل هي تربية شاملة، تربية كما يقولون: تربية حسية وتربية معنوية، أو يقال: تربية مادية وتربية روحية، وهي التربية على محبة الله عز وجل حتى ينشأ اليتيم وهو مسلم على السنة، وتعفى المرأة الأرملة وتكفى المؤونة، وسعت الجمعية هذه على تزويجها من من هو مرضي الدين والخلق، فهذا حسن، بعد أن تهيئها هي، تهيئ المرأة نفسها إلى أن تكون دينة خلوقًا حسنة الطبع جميلة الخصال. وما عدا هذه الجمعية من الجمعيات الأخرى، فهذه ليست محمودة، جمعيات تنشر البدع، تكفل الأرامل والأيتام، وكذلك تجتهد في إعانة الفقراء والمساكين، لكن تنشر البدع، ولا تربي على الإسلام والسنة، فهذه جمعيات لا يجوز التعاون معها بحالها، وإن قرتها الدولة. نعم، أحسن الله إليكم. وهذا تالي يقول: لدي والدة دائمة الشجار مع زوجتي، فماذا تنصحني جزاك الله خيرًا؟ أنصحك أولًا: إذا كانت والدتك مقيمة مع أمك، أن تجعل لها سكن