طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 71

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 71

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 71، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الشر وأصله في الإسلام

يشرح المقطع مفهوم الشر في الإسلام وعلاقته بالله تعالى، موضحًا أن الشر مرتبط بالذنوب وعقوباتها. يُبين أن الله تعالى لا يضاف إليه الشر إلا من حيث الخلق.

حقيقة الشر وأنواعه

يُفصل المقطع حقيقة الشر إلى نوعين: شر النفس وشر العمل، ويوضح أن كليهما من فعل العبد. يُبين أن الله خلق الشر لحكمة وأن الإنسان يحدد طبيعته باستعماله.

العلاقة بين أفعال العبد وفضل الله أو عقوبته

يشرح المقطع كيف تحدد أفعال العبد ما إذا كان سينال فضل الله أو عقوبته، حيث يعطي الله بفضله ويمنع بعدله. يُظهر أن الله يمهل العبد ولا يعاجله بالعقوبة.

ختام الدرس والإشارة إلى المستقبل

تم اختتام الدرس مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء، وسيتم استكمال الدروس في المستقبل. الدرس القادم سيكون تكملة للدرس الحالي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: قال الإمام بن قيم -رحمه الله تعالى-: أصل نحن قلنا ثلاث أيام، ثلاث أيام. أرى بعض الإخوة عندهم كتب الدرس الآخر: ثلاث أيام بثلاث أيام. قال: فصل، وإنما يتبين هذا ببيان وجود الحكمة في كل ما خلقه الله وأمر به، وبيان أنه كله خير من جهة إضافته إليه سبحانه، وأنه من تلك الإضافة خير وحكمة، وأن جهة الشر منه من جهة إضافته إلى العبد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستفتاح: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك». فهذا النبي يقتضي امتناع إضافة الشر إليه تعالى بوجه، فلا يضاف إلى ذاته ولا صفاته ولا أسمائه ولا أفعاله. فإن ذاته تعالى منزهة عن كل شر، وصفاته كذلك، إذ كلها صفات كمال ونعوت جلال لا نقص فيها بوجه من الوجوه. وأسماؤه كلها حسنى، ليس فيها اسم ذم ولا عيب ولا نقص، كذلك وأسماؤه كاملة من كل وجه. قال -رحمه الله-: أفعاله كلها حكمة ورحمة ومصلحة وإحسان وعدل، لا تخرج عن ذلك البتة، وهو المحمود على ذلك كله، فيستحيل إضافة الشر إليه. ولهذا كان لا بد أن يفهم أن ما جاء فيه إضافة الشر إلى الله، فهو بما فسرته النصوص الشرعية من الكتاب والسنة: إضافة خلق، الله عز وجل خلق الخير والشر. إذا لم يكن الله عز وجل الخالق، فمن الذي خلقها؟ ومن الذي أوجدها؟ فمن زعم أن المخلوق يخلق فعل نفسه، أو أن هناك من يخلق الشر مع الله، فجعل لله ندًا في الخلق. ونحن نقول: ليس هناك خالق إلا الله، فإذا كان كذلك صار هذا تناقضًا عند هؤلاء. وهو سبحانه يقول: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، فأضاف الشر إليه إضافة خلق، ولم يضفه إلى نفسه سبحانه إضافة فعل ولا صفة، وهناك فرق بين الأمرين. قال -رحمه الله-: وتحقيق ذلك أن الشر ليس هو إلا الذنوب وعقوبتها، كما في خطبته صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا». فتضمن ذلك الاستعاذة من شرور النفوس ومن سيئات الأعمال، وهي عقوباتها. وعلى هذا، فالإضافة على معنى «من»، لا من باب إضافة المتغيرين. أو يقال: المراد السيئات من الأعمال، فعلى هذا الإضافة بمعنى «من»، وهي من باب إضافة النوع إلى جنسه. ويدل على الأول قوله تعالى: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾. قال شيخنا -رحمه الله-: وهذا أشبه؛ لأنه إذا أريد السيئات من الأعمال، فإن أريد ما وقع منها، فالاستعاذة إنما تكون من عقوباتها، إذ الواقع لا يمكن رفعه. وإن استعاذ منها قبل وقوعها؛ لأن لا يقع، فهذا هو الاستعاذة من شر النفس. وأيضًا، فلا يقال في هذه التي لم توجد بعد: «سيئات أعمالنا»، فإنها لم تكن بعد أعمالًا، فضلًا أن تكون سيئات. وإضافة الأعمال إلينا تقتضي وجودها، إذ ما لا يوجد بعد ليس هو من أعمالنا، إلا أن يقال: «من سيئات الأعمال التي إذا عملناها كانت سيئات». ولمن رجح التقدير الثاني أن يقول: العقوبات ليست لجميع الأعمال، بل للمحرمات منها، والأعمال أعم. وحملها على المحرمات خاصة خلاف ظاهر اللغة، بخلاف ما إذا كانت الإضافة على معنى «من»، فتكون الأعمال على عمومها، والسيئات بعضها. وتكون السيئات على عمومها، والأعمال على عمومها. ويترجح أيضًا بأن الاستعاذة تكون قد اجتمعت على أصول الشر كله، وشر النفس الكامن فيها الذي لم يخرج إلى العمل، وشر العمل الخارج الذي سولته النفس. فالأول شر الطبيعة والصفة التي في النفس، والثاني شر العمل المتعلق بالكسب والإرادة. وهذا له أصل في القرآن، فالنفس أمارة بالسوء، وهذا معناه أن من الجوارح ما تنفذ ما تريده النفس الأمارة بالسوء. فإذا تحفظ ذلك تحصل الشرين جميعًا: شر النفس، وشر العمل. فأراد أن يبين -رحمه الله تعالى- أن الشر إنما هو من فعل العبد، لا من فعل الرب سبحانه وتعالى. وفعل العبد لا يخرج من تقدير الله ومشيئته، وكذلك خلقه، وهو من خلق الله العام. وخلق الله العام كله باعتبار حكمة الله خير. الله لما خلق الظلام، جعله وخلقه لحكمة، ومن حكمته أن عرف الناس فضل النهار، وكذلك لهم في هذا الظلام منافع أخرى. ومن هذه المنافع أنه سبات، وأنه كذلك راحة للجسد، وتوقف عن التعب والنصب، وغير ذلك من المنافع التي جعلها الله عز وجل في هذا الظلام، مع ما في هذا الظلام من شرور قد تحصل. وهكذا قل في غيره، الله سبحانه وتعالى خلق جنس الأعمال لحكمة، خيرها وما ظنه الإنسان شرًا. فلولا وجود القتل لما تخلص من الكافرين والباغين، فصار القتل ليس كله شرًا، وليس كله ظلمًا، بل منهما يكون دفعًا للظلم ومنعًا للشر. ولهذا قال بعض العلماء: أصل مخلوقات الله خيرها وشرها كالآلة، إن استخدمتها في الخير صارت نافعة، وإن استخدمتها في السوء والشر صارت سيئة وضارة. ومن الذي يستعملها في الخير والشر؟ الإنسان. إذن، الشر يضاف إلى من؟ هل إلى السكين؟ أم إلى حامل السكين؟ إلى حامل السكين. فحامل السكين هو الذي جعل هذه السكين خيرًا أو جعلها شرًا. وكذلك الشر الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، ولله الحكمة البالغة في خلقه. وهل خلق الشر لأجل أن يكون شرًا؟ لا، خلقه سبحانه وتعالى لحكمة. ثم ابتلى الناس بهذا، فمن استعمله في وجهه الصحيح صار خيرًا. النار المحرقة التي تصيب بعض الناس فتكون مصائب، هي لبعض الناس منافع، يطبخون ويأكلون، وكذلك يستجفئون. وآخرون يستعملون النار في إحراق الناس وظلمهم وتعذيبهم. أصل النار خير ومصلحة، خلقها الله لحكمة، فيها الخير وفيها الشر. فمن الذي يجعلها خيرًا ومن الذي يجعلها شرًا؟ الإنسان. فالإنسان يجعلها خيرًا ويجعلها كذلك شرًا. فلذلك الشر لا يضاف إلى الله صفة ولا فعل، ولكنه يضاف إلى الله خلقًا. وحتى إضافته إلى الله خلقًا، لا يضاف شرًا محضًا، وإنما يضاف أنه مخلوق من مخلوقات الله، يوجه إلى خير أو إلى شر. خلقه الله لحكمة، فإن وجهه الإنسان إلى الخير صار خيرًا، وإن وجهه إلى الشر صار شرًا. وهذا ما سيبينه أكثر في المواضع الآتية إن شاء الله تعالى. فحقيقة الشر هي من الإنسان، بل ما يصيب الإنسان من شر هو بسبب نفسه. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. هذا الذي استدرج نفسه الأمارة بالسوء، فقبل استدراجها أورد نفسه في طريق الشر والهلكة والضرر. والذي ضبط نفسه الأمارة بالسوء وجاهدها ومنعها مما تريد، حمى نفسه من عواقب الشر التي هي حقيقة أعماله. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من شرور النفس وسيئات الأعمال. قال -رحمه الله تعالى-: ويترجح أيضًا بأن الاستعاذة تكون قد اجتمعت على أصول الشر كله، وشر النفس الكامن فيها الذي لم يخرج إلى العمل، وشر العمل الخارج الذي سولته النفس. فالأول شر الطبيعة والصفة التي في النفس، والثاني شر العمل المتعلق بالكسب والإرادة. ويلزم من المعافاة من هذين الشرين المعافاة من موجبها، وهو العقوبة. فتكون الاستعاذة قد شملت جميع أنواع الشر بالمطابقة واللزوم. بالمطابقة: بما ينطبق عليه من كونه شرًا في نفسه. واللزوم: ما يستلزمه مما يتبعه ويخلفه، ذلك هم العمل. قال: وهذا هو اللائق بمن أوتي جوامع الكلم. فإن هذا من جوامع كلمه البديعة في العظيمة الشأن التي لا يعرف قدرها إلا أهل العلم والإيمان. فبالعلم والإيمان عرفوا بطلان عقيدة الجبرية والمعتزلة في باب القدر، وفي باب الأعمال والحكمة، وفي إضافة الشر إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا بعمق هذا العلم عرفوا التفصيل في إضافة هذا الشر، والمقصد والمعنى الصحيح فيما لأجله ورد هذا الدعاء الذي كان يكرره النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الحاجة، والناس يقتدون به عليه الصلاة والسلام فيه. قال -رحمه الله تعالى-: وإذا عرف هذا، وأنه ليس في الوجود شر إلا الذنوب وموجباتها، وكونها ذنوبًا ناشئ من نفس العبد. فإن سبب الذنب الظلم والجهل، وهما من نفس العبد. كما أن سبب الخير والحمد العلم والحكمة والغنى، وهي أمور ذاتية للرب تعالى. فالعبد إذا سلك مسلك الإيمان والعلم والعدل، فإنه سيوقف لأن يسلم من الشر العاجل والآجل. وإذا سلك مسلك الظلم والجهل والبغي والعدوان، فإنه سيورد نفسه إلى الشر العاجل والآجل. قال -رحمه الله-: فذات الرب تعالى مستلزمة للحكمة والخير والجود، وذات العبد مستلزمة للجهل والظلم. وما فيه من العلم والعدل، فإنما حصل له بفضل الله عليه، وهو أمر خارج عن نفسه. فمن أراد الله به خيرًا أعطاه هذا الفضل، فصدر منه موجب الإحسان والبر والطاعة. ومن أراد به شرًا أمسكه عنه وخلاه ودواعي نفسه وطبعه وموجبها، فصدر منه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح. والله عز وجل عدل، يعطي بفضله ويمنع بعدله. وجعل لهذا الفضل والعدل أسبابًا، فمن أقبل على الله أعطاه الله أكثر من إقباله. ومن حرم نفسه فضل الله، وكله الله عز وجل لنفسه الأمارة بالسوء. فالذي يسلك طريق الهدى يزيده الله هدى، والذي يسلك طريق الظلم والجور يكون له ما أراد. ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى. فالشاهد: جعل الله عز وجل لهذا الفضل والعدل أسبابًا. فإذا أخذ بها العبد، وعد الله الكريم الرحيم أنه يعطي ولا يمنع. ومن اتكل على نفسه الأمارة بالسوء، فأعرض عن الله ودينه وشرعه، فإنه يوكل إلى نفسه الأمارة بالسوء. فعند ذلك لا تسأل عن الشر الذي يكون معه وعليه، بسبب من؟ بسبب نفسه. قال -رحمه الله-: وليس منعه لذلك ظلمًا منه تعالى، فإنه فضله، وليس من منع فضله ظالمًا. بل الأمر أعظم من هذا، ذلك أن العبد أعرض، فلم يظلمه ربه سبحانه وتعالى، بل وكله إلى نفسه. ولا يرد الله عز وجل من أقبل عليه وطرق بابه. فمن أقبل على الله وطرق بابه، أعطاه الله أعظم مما طلب. وأما من أعرض، فإن الله عز وجل يكيله إلى نفسه الأمارة بالسوء. ثم هو إذا عمل السوء، فقد عاجل نفسه بالعقوبة. وما من أحد يعرض على الله فيقف، بل إذا أعرض على الله تجاسر على حدود الله. بل أعظم من هذا أن الله عز وجل كذلك من حكمته وعدله ولطفه بخلقه، أنه لا يعاجل خلقه بالعقوبة من أول وهلة، بل يمهلهم ويمهلهم ويمهلهم حتى تنقطع معهم المعاذير. فعند ذلك تكون عقوبتهم في الدنيا وفي الآخرة. وليس أحد عوقب بعقوبة الله في الدنيا أو الآخرة إلا وكان له من إمهال الله له ما هو حجة عليه. ويذكر أن لصًا قبض عليه، فأتي به إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وارضاه- فأمر بأن يقطع. فقال: يا أمير المؤمنين، إنها أول مرة، فاعف عني. قال: كذبت، أما إنها لو كانت أول مرة لما قبض عليه. ثم استدل بالآية. قال العلماء: وهذا معنى أن السارق لا يقبض وهو سارق إلا وسبقته سرقات. وهذا من عدل الله ولطفه، لا يتجاسر الإنسان على سرقة تقطع فيها اليد إلا وسبقتها سرقات دون ما تقطع به اليد. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى. فالله -سبحانه وتعالى- يمهل ولا يهمل. والشاهد: حتى من أعرض عن الله عز وجل، فإنه لا يعاجل بالعقوبة، بل يمهل ويمهل ويمهل. وهذا من فضل الله ورحمته ولطفه بخلقه. فمن عوقب في الدنيا أو الآخرة، فقد عوقب بعد إمهال الرب جل وعلا، فقد قامت عليه المعاذير. قال -رحمه الله-: وليس من منع فضله ظلمًا، لا سيما إذا منعوا عن محل لا يستحقه ولا يليق به. إلى هنا والله تعالى أعلم، ونكمل إن شاء الله في درس قادم.