الخطبة بعنوان الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 صفر 1447هـ الموافق 8 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استهل الخطيب حديثه بذكر نعمة الأمن والرزق اللتين امتن الله بهما على العباد مستشهداً بآيات قرآنية في حق قريش والقرية الآمنة، مبيناً أن شكر النعم يثبتها ويزيدها بينما كفرانها يجلب الخوف والجوع اللذين يلبسان الإنسان لباساً يحيط به، مستدلاً باستعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الجوع لوصفه ببئس الضجيع.
برز المقطع عظمة نعمة الأمن موضحاً أنها شرط أساسي للاستمتاع بالرزق وطيب المعيشة، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وقصص الأنبياء كإبراهيم وموسى عليهما السلام، وأحوال الأمم كثمود وسبأ، وأمن الحرم المكي عبر التاريخ.
تناولت الخطبة نعمة الأمن كمنحة إلهية للمؤمنين المحققين للتوحيد مع بيان حفظها في الدنيا والآخرة، وأبرزت حرص الشريعة على سد أبواب الخوف بمنع ترهيب المسلم أو الإشارة إليه بالسلاح حتى في المزاح، محذرة من كفران النعمة داعية إلى شكر الله والدعاء بدوام الأمن.
اختتمت الخطبة بدعاء شديد اللهجة يطلب فيه الداعي من الله إنزال بأسه على أعداء الدين وتحديداً اليهود وأعوانهم، ثم ختم بالتسبيح والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ودعوة الحاضرين للقيام إلى الصلاة.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن نعم الله عز وجل علينا عظيمة، قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. ألا وإن من نعم الله عز وجل العظيمة التي يمتن الله عز وجل بها على من شاء من عباده نعمة الأمن والرزق. نعم عباد الله، هاتان النعمتان العظيمتان متى ما وجدتا عاش الناس بخير وعاشوا بسلام وأمان، ومتى سلبتا كان الناس في خوف وجوع وهلع. ولذلك ربنا عز وجل أخبر ممتنًا على أهل قريش بهاتين النعمتين العظيمتين، فقال عز وجل: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. هكذا يمتن الله جل وعلا على قريش سكان الحرم بهاتين النعمتين العظيمتين: أن أطعمهم الله جل وعلا من جوع، وآمنهم من خوف. فالأمن والرزق عباد الله خصلتان متلازمتان، وصديقان حميمان، كما أن الجوع والخوف كذلك صفتان متلازمتان، إذا وجد أحدهما وجد الآخر، وإذا سلب أحدهما سلب الآخر. فالأمن عباد الله إذا وجد في المجتمعات ازدهرت البلاد، واستطاع الناس أن يتبادلوا المنافع، وأن تجتمع كلمتهم، وأن يعبدوا ربهم جل وعلا مظهرين شعائر دينهم وهم في طمأنينة وأمان. وأما إذا حل الخوف فحينئذ يتبدل الحال، ولا يهنأ الناس بمال ولا بال، وربما يخاف العبد على نفسه فلا يستطيع أن يظهر شعائر دينه، كما قال ربنا عز وجل: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. إذا سُلِب الأمن عباد الله فإنه تضطرب الأحوال، وكذلك تتغير الأوضاع، فيعيش الناس في خوف ورعب، تنتهك الأعراض، وتسفك الدماء البريئة، فييتم أطفال وترمل نساء، وكذلك تسلب الممتلكات وتخرب الأموال، وكذلك يهجر الناس ويفارقون الأوطان، وتتفرق الأسر، ويحل الخوف والجوع، فتلبس المجتمعات لباس الجوع والخوف. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. فانظروا عباد الله كيف أن كفران النعم سبب لزوالها وسبب لذهابها واستبدالها، فإن شكر النعم سبب لقرارها وزيادتها، فالنعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت. فهذه القرية التي من الله عز وجل عليها بنعمه ومن ذلك الأمن والرزق، فلما كفرت بأنعم الله أذاقها الله لباس الجوع والخوف، بدل الأمن خوفًا، وبدل الرزق جوعًا. وانظروا عباد الله كيف شبه الله عز وجل الخوف والجوع باللباس الذي يلبسه الإنسان على جسده وبدله، وذلك أن الجوع والخوف إذا وقع على الإنسان أحاط به إحاطة اللباس بالجسد، ففكره مشغول وعقله مذهول، وكلما قلب الطرف - وكلما قلب طرفه ليشغل فكره رجع إليه البصر وهو حسير - وكذلك أيضًا لظهور الجوع والخوف عليه كظهور اللباس على الجسد، فلا تكاد أن ترى جائعًا خائفًا إلا وتعرف ذلك من نبرات كلامه ونظرات عينه وحركات جوارحه، فيصبح يعيش في حالة لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. ونبينا عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ من الجوع، فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئسة البطانة» رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. هكذا استعاذ نبينا عليه الصلاة والسلام من الجوع، فإنه بئس الضجيع الذي يضاجع صاحبه ويلازمه ويصاحبه، لأن الجوع إذا أصاب الإنسان ضعف جسده وضعفت جوارحه، وكثرت همومه وأفكاره، وأصبح يعيش في غموم وهموم لا يعلم بها إلا الله. نعم عباد الله، انظروا كيف يمتن الله عز وجل على العباد بهاتين النعمتين العظيمتين ليعلموا عظم هذه النعم التي ينبغي أن يحافظوا عليها، وأن يشكروا الله سبحانه وتعالى على حصولها: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. نعم عباد الله، فإن الإنسان لا تطيب له المعايش إذا فقد الأمن، إذا أصبح يعيش في خوف ورعب فإنه لا يستسيغ الطعام مهما طاب ذلك الطعام ومهما لذ ذوقه، فإنه لا يكون له طعم عندما يكون خائفًا وجلًا. ولذلك انظروا إبراهيم عليه السلام لما دعا الله عز وجل للبيت الحرام قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾، فبدأ أولًا بالدعاء بالأمن ثم دعا بعد ذلك بالرزق، لأن الرزق لا ينتفع به إذا سلب الأمن. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري رضي الله عنه يقول: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا» رواه أهل السنن. من أصبح آمنًا في سربه أي بين أهله وجماعته، بين أهله وأولاده، يصبح وهو آمن لا يخاف ولا يفزع، يخرج وهو آمن ويرجع وهو آمن، وكذلك في سائر أحواله هو آمن على نفسه وعلى أهله وعلى ماله، معافى في جسده قد سلمه الله من الأمراض والأسقام والأوجاع، عنده قوت يومه أي ما يسد جوعه في يومه وليله، فكيف يا عباد الله إذا كان عنده ما يسد جوعه لأيام عديدة؟ أو يصبح آمنًا فهو في نعمة عظيمة، كأنما حيزت له الدنيا أي جمعت له الدنيا بحذافيرها. وانظروا إلى من سلب هذه النعمة، من أصبح خائفًا وجلًا فزعًا، لربما يصبح على أصوات المدافع والصواريخ، وكذلك أصوات الرصاص، كيف يكون حاله وكيف يكون قلبه؟ ثم لو أن عنده من الأرزاق ما يزيد على يومه وليله هل ستستسيغ له وهل سينتفع بها وهل سيتمتع بها؟ الجواب: لا، لأنه سلب نعمة الأمن. فلذلك عباد الله، ربنا جل وعلا يذكرنا بهذه النعمة العظيمة التي امتنى الله جل وعلا بها على كثير من خلقه حتى نعلم عظم هذه النعمة ومدى مكانتها وعظيم كذلك شأنها. قال ربنا جل وعلا مخبرًا عن ثمود قوم صالح وممتن الله جل وعلا به عليهم من نعمة نحتهم للبيوت وهم آمنون سالمون: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾. وقال جل وعلا مخبرًا عن أهل سبأ وممتن به عليهم من نعمة الأمن في ترحالهم وفي سفرهم وتقلباتهم: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾. ولما فزع موسى عليه السلام أمنه الله عز وجل ليهدأ روعه ويسكن قلبه: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾. وهكذا امتن الله عز وجل على أهل الحرم بهذه النعمة العظيمة: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. كان العرب في ذلك الوقت يعيشون في حالة من الخوف والفزع وما يدور بينهم من حروب وقتال، وكان أهل الحرم في غاية من الأمان، قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾، ألا يرون هذه الآية ويتفكرون ويتفكروا في هذه النعمة التي امتن الله جل وعلا بها عليهم. وهكذا أيضًا جعل الله عز وجل البيت الحرام بيتًا آمنًا على ممر التاريخ، حبس الله عز وجل عن مكة الفيل وجعل كيدهم في تضليل ليبقى البيت آمنًا مطمئنًا على سائر الأزمان والأوقات. قال الله جل وعلا: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾، وقالوا: ﴿رَبَّنَا اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾، وقال: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾، وقال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. وهكذا أيضًا امتن الله عز وجل على نبينا عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين حين وعدهم بدخول البيت الحرام وهم آمنون على أحسن ما يريدون ويشتهون: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾. ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يمتن على أهل المدينة بأن يأمنوا من خوف وفزع المسيح الدجال، فقد جاء في الصحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال حين أخبر بنزول المسيح الدجال: «فَإِنَّهَا يَأْتِيهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا مِنْ دُخُولِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ إِلَيْهَا». ولما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح امتن على أهلها بأعظم ما يتمنون وأعظم ما يريدون، ألا وهو الأمان، فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ». أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، لعظم هذه النعمة وعظ الله عز وجل بها أهل الإيمان إذا قاموا بما أوجب الله عز وجل عليهم من تحقيق التوحيد وإفراده جل وعلا بالعبادة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. نعم عباد الله، هذه النعمة العظيمة التي بها تكمل حياة الإنسان في هذه الدنيا، وكذلك يبشر بها المؤمن في الآخرة، فإنا مما يبشر به المؤمنون إذا دخلوا جنات النعيم أن يبشروا بالأمان العظيم، قال الله عز وجل: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾، أي لا خوف عليهم ولا فزع ولا هلع، لأن الحياة لا تطيب إلا بوجود الأمان. نعم عباد الله، ولذلك فإن الشريعة قد حرصت غاية الحرص على تحقيق هذا المقام العظيم، وعلى سد كل باب وطريق يزعزع أمن المسلم ويوقعه في الهلع والخوف حتى يعيش آمنًا مطمئنًا. ومن ذلك نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يخيف المسلم أخاه، فقد روى أهل السنن عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَرُوعَ مُسْلِمًا، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَرُوعَ مُسْلِمًا»، أي أن يخيف أخاه المسلم بأي نوع من أنواع الإخافة، ولو كان ذلك على سبيل المزاح وعلى سبيل الضحك، فإن ذلك لا يجوز، فكيف إذا كان إخافته على سبيل الجد والقصد. وهكذا أيضًا نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يشير المسلم إلى أخيه بالسلاح، فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَضَعَهُ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَضَعَهُ»، لأن ذلك مما يخيفه ومما يحزنه، ولربما أزاغ الشيطان في يده فيقتل أخاه المسلم فيقع في حفرة من النار. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ أَنْ يَنْزِعَ فِي يَدِهِ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» متفق عليه. هكذا عباد الله، شريعتنا تحث وترغب على حفظ الأمان، وكذلك سد أبواب الخوف والفزع والهلع الذي قد يقع في المجتمعات. وإن المسلم العاقل الفطن الذي يتدبر كتاب ربه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ويعتبر بالوقائع والحوادث التي تقع بين الحين والآخر في كثير من المجتمعات التي لربما سُلبت هذه النعمة بعد أن كانوا آمنين وكانوا مطمئنين، وكانوا كذلك يتنعمون بأرزاقهم، فكفروا نعمة الله ولم يشكروا ما أنعم الله عز وجل به عليهم، فأبدلهم الله سبحانه وتعالى بدل الأمن خوفًا، وبدل الرزق جوعًا. ولو نظر المسلم في من سُلب هذه النعمة كيف يعيش في حالة من الخوف والهلع والفزع والروع، لعلم عظيم نعمة الله سبحانه وتعالى عليه. ينبغي عباد الله أن نشكر نعمة الله جل وعلا، وأن نعرف قدر هذه النعمة علينا قبل أن تُسلب منا فنندم بعد ذلك ندما عظيمًا. اللهم أمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل لا إله إلا الله كفينا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا ذا الجلال والإكرام. اللهم من أرادنا والإسلام بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا والإسلام بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدبيره، اللهم وخذه أخذ عزيز مقتدر. اللهم وكن لإخواننا المسلمين المستضعفين بكل مكان، اللهم كلهم في فلسطين وغزة يا رب العالمين، اللهم ارحم ضعفهم واجبر كسرهم، اللهم تقبل موتاهم واشف مرضاهم وداوي وعاف مبتلاهم، اللهم أطعم جائعهم واكس عاريهم وأمن خائفهم. اللهم عليك بعدوك وعدوهم يا رب العالمين، اللهم عليك باليهود وأعوانهم يا قوي يا متين، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم الظالمين، اللهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا قوي يا متين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وقوموا إلى صلاتكم.