طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 91

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 91

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 91، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تنويع المخلوقات وأثره في الحمد

تنوع المخلوقات واختلافها موجب لحمد الله تعالى، وآثار أسمائه وصفاته تظهر في مخلوقاته. هذا التنوع يقتضي حمد الله على نعمه ورفع نقمه.

حمد الله على العطاء والمنع

الله محمود على كل أفعاله لما يتبعها من حكمة ورحمة. البلاء والشدة يمكن أن يكونا سببًا لتعرف العبد على قدر نفسه وتقصيره.

تنوع الأدلة والحجج الإلهية

الله نوع الأدلة والحجج لعباده ليقيم عليهم الحجة البالغة. لو شاء لهدى جميع الخلق، لكن حكمته وعدله اقتضيا إقامة الحجة وتنوع الأدلة.

الصراع بين الحق والباطل وخاتمة الدرس

حكمة الله في نصر أوليائه والانتقام من أعدائه، والصراع بين أهل الحق والباطل. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، ويشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: والمقصود أن تنويع المخلوقات واختلافها من لوازم الحكمة والربوبية والملك، وهو أيضًا من موجبات الحمد، فله الحمد على ذلك كله أكمل حمد وأتمه. وأيضًا فإن مخلوقاته هي موجبات أسمائه وصفاته، فلكل اسم وصفة أثر لا بد من ظهوره فيه، فاقتضاؤه له يمتنع تعطيل آثار أسمائه وصفاته، كما يمتنع تعطيل ذاته عنها. وهذه الآثار لها متعلقات ولوازم يمتنع أن لا توجد، كما تقدم التنبيه عليه، وكل ذلك لحكمة سبحانه وتعالى. وهو العظيم يستلزم وجود عظيمة في مخلوقاته، وهو النافع يستلزم وجود النافع في مخلوقاته، وهو الضار يستلزم وجود الضار بحكمة وعدل في مخلوقاته. وهكذا قل في أسمائه وصفاته وموجباتها وآثارها. قال رحمه الله أيضًا: فإن تنويع أسباب الحمد أمر مطلوب للرب محبوب له، فكلما تنوعت أسباب الحمد تنوع الحمد بتنوعها وكثر بكثرتها. وبعض أسباب الحمد حمد على حصول نعمة، وحمد آخر على زوال نقمة، وكله من أسباب الحمد. فإذا وقع البلاء ثم رفعه كان حمدًا آخر وعبودية أخرى لله عز وجل. وإذا جاءت أسباب الرخاء والنعمة فهي كذلك أسباب أخرى لمعاني الحمد. والله سبحانه وتعالى إن أعطى أعطى بفضله ولحكمة، وإن منع أو عاقب أو ابتل فكذلك بعدله ولحكمة سبحانه وتعالى. قال: ومعلوم أنه سبحانه محمود على انتقامه من أهل الإجرام والإساءة، كما هو محمود على إكرامه لأهل العدل والإحسان، فهو محمود على هذا وعلى هذا، مع ما يتبع ذلك من حمده على حلمه وعفوه ومغفرته، وترك حقوقه ومسامحة خلقه بها، والعفو عن كثير من جنايات العبيد. فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفى عنه، وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضي إليهم أجلهم، ولم يترك على ظهرها من دابة. ولكنه سبقت رحمته غضبه، وعفوه انتقامه، ومغفرته عقابه، فله الحمد على عفوه وانتقامه، وعلى عدله وإحسانه. ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها، فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر، وليعطيه حقه، ويطلعه على بواب عظيمة من أسرار القدر، ويهبط فيه على رياض منه معشبة وحدائق مؤنقة. والله الموفق الهادي للصواب. وهو كما قال رحمه الله: إذا تدبر العبد كل ما جرى بهذا الكون في قضاء الله وقدره، وكل واحد منها موجب لشكر الله عز وجل، حتى الشدة والبلاء، فإن العبد إذا تدبره فهو من مواضع حمده؛ لأنه به يعرف العبد قدر نفسه وتقصيره وتفريطه وافتقاره إلى ربه وخالقه. وإذا كانت الحياة كلها رخاء دون شدة، ربما أوثر أورث من البطر والخيلاء والتعاظم، ولكن يكسر الله عز وجل هذا البطر بماذا؟ بما يكون من البلاء، وما يكون كذلك من الشدة، فلله الحكمة فيما أعطى ومنع، وله الحكمة سبحانه وتعالى فيما كان في خلقه. قال: وأيضًا فإن الله سبحانه نوع الأدلة الدال عليه، والتي تعرف عباده بغاية التنوع، وصرف الآيات وضرب الأمثال؛ ليقيم عليهم حجته البالغة، ويتم بذلك عليهم نعمته السابقة، ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليه سبحانه، بل الحجة كلها له، والنعمة كلها له، والقدرة كلها له. فأقام عليهم حجته، ولو شاء لسوَّى بينهم في الهداية، كما قال تعالى: ﴿قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾. فأخبر أن له الحجة البالغة، وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به، فلا يمكن للعقل دفعها ولا جحدها. ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم، ولو شاء ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته، ولكن حكمته تأبى ذلك، وعدله يأبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة. فأقام الحجة وصرَّف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة. ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور، ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال، ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم، ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله. ولا كان للناس آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين، ولا كان للحق آية باقية ما بقيت الدنيا في شأن موسى وقومه وفرعون وقومه، وفلق البحر لهم، ودخولهم جميعًا فيه، ثم أنجى موسى وقومه لم يغرق منهم أحد، وأغرق فرعون وقومه لم ينجُ منهم أحد. فهذا التعرف إلى عباده، وهذه الآيات وهذه العزة والحكمة لا سبيل إلى تعطيلها البتة، ولا توجد بدون لوازمها، ولوازمها هو وجود هذه الشدة والبلاء، وكذلك الامتحان وأهل الشر والبجور والكفر والفساد وما يكون منهم. فهذه حكمة الله في نصر أوليائه والانتقام من أعدائه، والصراع بين أهل الحق والباطل، وأهل الإيمان والكفر، وغير ذلك مما أشار إليه رحمه الله تعالى. طيب، نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا للمشاهدة.