طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 114

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 114

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 114، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكمة الله في وجود الكفار والآلام

يشرح الشيخ ابن بريك حكمة الله في وجود الكفار والآلام، حيث يبين أن وجودهم يخدم غرض إقامة الحجة عليهم وامتحان أهل الحق. الآلام لها حكم متعددة منها تقوية الضعيف وانتفاع الآخرين بها.

خلق الشر والآلام ورفع المنزلة

الشر ليس محضًا بل يتضمن خيرًا أعظم، والآلام التي تصيب المؤمنين قد تكون سببًا في رفع منزلتهم عند الله. الله له حكمة في تمكين بعض العباد من إيذاء الآخرين.

الرد على الجبرية والقدرية والتفريق بين الإرادتين

يناقش المقطع آراء الجبرية والقدرية ويبين تناقضاتهم، ويجب التفريق بين الإرادة الشرعية والإرادة القدرية. هذا التفريق يزيل الإشكالات ويثبت العدل الذي يحبه الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»: قالوا: وإذا علم الله سبحانه من بعض العبيد أنه لا يختار إلا الإسلام، وأنه لا يكون إلا كافرًا مفسدًا في الأرض، فأي مصلحة لهذا العبد في إيجاده؟ قالوا: وإي مصلحة لإبليس وذريته الكفار في إيجادهم؟ فإن قلتم: عرضهم للثواب، قيل لكم: كيف يعرضهم لأمر قد علم أنهم لا يفعلونه، وأنه لا يقع منهم البتة؟ ومن هنا أنكر غلاتهم العلم القديم، وكفرهم السلف على ذلك، ومن أقر به منهم فإقراره به يبطل مذهبه، وأصلح في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح. وهذا معنى قول السلف: ناظر القدري بالعلم، فإن جحدوا كفروا، وإن أقروا به خصموا. والمعنى: من أثبت العلم لزمه أن يثبت القدر، ومن أنكر العلم كفر بالله عز وجل وبالقدر. قال رحمه الله: قالوا: وأما حديث العبيد على الآلام، فالرب تبارك وتعالى قادر على إيصال تلك المنافع بدون توسط الآلام. قالوا: وهذا بخلاف المستأجر، فإن له منفعة وحاجة في توسط تعب الأجير واستيفاء منفعته، فأما من يتعالى عن الانتفاع بخلقه ولا يحتاج إلى أحد منهم البتة، فلا يعقل في حقه ذلك. قالوا: وأما وقوع الآلام على وجه العقوبات، فذلك إنما يحسن بالشاهد لحصول التشفي من الجناة، وإطفاء نار الغيض والغضب بالانتقام منهم، وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب وانتفاعه به، وقياس الغائب على الشاهد في ذلك ممتنع. وكل هذا سبق الجواب عليه. فلله الحكمة البالغة في إيجاد الكفار وظلال المجرمين، فهو سبحانه وتعالى أوجدهم، ما علمه بكفرهم، لأجل أن تقوم الحجة عليهم، وإلا لقالوا يوم القيامة: لماذا لم تعطينا الفرصة لعلنا نكون مؤمنين؟ بل الكافر أعطي الفرصة الكافية والحجة الوافية، ومع ذلك ينادون يوم القيامة أن يرجعوا لعلهم يعملوا صالحًا، فيكذبهم الله ويقول: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾، فإذا كان هذا مع قيام الحجة الوافية والكافية، فكيف إذا لم تقم عليهم الحجة؟ ثم لله حكمة، كما تقدم معنا، من امتحان أهل الحق بأهل الباطل، فما عرف الحق إلا بوجود الباطل، وما عرف كذلك أهل الحق فضل ما هم فيه إلا بوجود أهل الباطل وما هم فيه. وكما مر معنا هذا قليل من كثير من حكم الله عز وجل في وجود الأضداد، فما عرف الناس فضل الصحة إلا بوجود المرض، ولا عرف فضل الشبع إلا بوجود الجوع، وهكذا كذلك ما عرف فضل الإيمان والإسلام والإحسان إلا بوجود الكفر والعصيان، فلله الحكمة في ذلك. وأما الآلام أوجدها الله عز وجل وخلقها بحكمة كذلك، بل بحكم كثيرة، ومن حكمه أنه سبحانه وتعالى قد يكمل الضعيف بهذه الآلام، كالصبي يكمل بالآلام التي تمر به حتى يكون جسده قويًا فيتحمل بعد ذلك كما يتحمل الكبار. وقد يكون كذلك لانتفاع غيره به، فالمنافع لا تنقطع ولا تعد ولا تحصى، ولله الحكمة البالغة في كل ما خلق سبحانه. ولذلك كما مر معنا لم يخلق الله عز وجل شرًا محضًا أبدًا، فالشر لا يضاف أولًا إلى الله، لا إلى ذاته ولا إلى صفاته ولا إلى أفعاله، فالشر ليس إليه، ويضاف إلى مخلوقاته. ومع ذلك وهو القائل: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾، فلا يضاف إليه شرًا محضًا، بل كل شر ظاهره الشر يتضمن من الخير ما هو أعظم من ذلك الشر. ولنا أمثلة مرت معنا، فأصحاب السفينة خرقوا سفينتهم بالنسبة لهم شر، وبالنسبة لسابق علم الله سبحانه وتعالى لهم ماذا؟ خير، فهذا الخرق كان سببًا في حفظ السفينة أن يغصبها ذاك الملك الظالم، ففي نظرهم ابتلوا بشر، وفي علم الله سبحانه وتعالى كان هذا الشر في مقابل ما دفع عنهم مما هو أكبر منه يعد ماذا؟ خير. وهكذا كذلك الآلام التي تصيب المؤمنين، فهي بما يقابلها من النعيم، وكذلك عظيم الفضل، هي خير كما جاء بحديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح: «إن الله ليرفع العبد المنزلة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه»، فما نعلم أين الخير، ولكن الله يعلم، كما قال سبحانه: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾. فإذا آمن المؤمن إيمانًا كاملًا واستسلم بأن ما يعلمه الله لنا وما يختاره الله لنا خير مما نعلمه ونختاره لأنفسنا، عند ذلك ينزل على المؤمن من برد اليقين ما يكون معه ليس فقط الصبر مع الغضب، بل الشكر والرضا مع ما يقضيه الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: قالوا: أما الإيلام للاعتبار بأن يعتبر الغير بالألم الواقع بغيره، فيكون ذلك أدعى له إلى الإذعان والانقياد، فلا ريب أن الصبي إذا شاهد المعلم يضرب غيره على لعبه وتفريطه كان ذلك مصلحة واعتبارًا له، بل ضرب ذاك الصبي بالنسبة للصبي ألم، لكنه يقابله ماذا؟ منفعة أعظم من ذاك الألم، هذا الألم اليسير سبب في انضباط هذا الصبي وتفوقه في علمه وفي تدينه، وكذلك انتفاع الآخرين ألا يقعوا فيما وقع فيه ذاك الصبي. فإذا كان هذا بين المخلوقين، فما كان لله ولله المثل الأعلى أولى وأحرى. قال رحمه الله تعالى: قال: وكان ذلك مصلحة واعتبارًا له، ولعله أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثر من انتفاع المضروب، أو حيث لا ينتفع المضروب، ولكن إنما يحسن ذلك إذا كان المضروب مستحقًا للضرب. فأين استحقاق الأطفال والبهائم؟ والجواب: أن الأطفال والبهائم ما يصيبهم من الآلام ليس استحقاقًا، بل هو كما تقدم معنى فضل منعه الله سبحانه وتعالى العافية، فضل العافية، فضل، فإذا منع الله عز وجل فضله فوقع ما هو ضده، لم يصب هذا الصبي إلا ما هو رفع الفضل، وليس فيه شيء من الظلم، هذا إذا كان على ظاهره مجردًا، فكيف إذا كان هو لشيء أعظم منه؟ فكون هذا الصبي أو تلك البهيمة تصاب بالآلام وهي غير مكلفة، هذا لا يعني أن هذا ظلم لها، لأن الله عز وجل له حكمة فيما يعطي ويدر سبحانه. قال رحمه الله تعالى: قالوا: وكذلك تمكينه تعالى عباده أن يؤلم بعضهم بعضًا ويضر بعضهم بعضًا مع قدرته على منع المؤلم المضر، أي مصلحة لمن مكن من ذلك وأقدر عليه؟ وهل كانت مصلحة إلا تعجيزه، وأن يحال بينه وبين القدرة على الأذى وضرر العباد؟ والجواب: أن لله حكمة بذلك. فالله عز وجل حكيم، يبتل المؤمنين بالكافرين، فقد يسلط الكافر على المؤمن لحكمة ولسبب، وغالبًا ما يكون بسبب ذنوب المؤمنين، كما قال الله عز وجل: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾، كما قال سبحانه: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾، وغير ذلك كثير. فلله حكمة فيما يكون من ابتلاء أهل الإيمان بأهل الكفر وأهل الصلاح بأهل الفساد، فإن تسلط هؤلاء على هؤلاء فإنه لا يكون إلا لحكمة، فهذا الألم اليسير الذي يصاب مع ما يقابله من مصلحة في الدنيا والآخرة لا يعتبر إلا شيئًا يسيرًا. فثبات المؤمنين ورجوعهم إلى الله وانكسارهم بين يديه وتجدد العبودية له، هذه كلها أعظم من ذاك الألم اليسير الذي يصيبهم. وهكذا كذلك ما يرفع الله به من الدرجات، فيكتب لأناس الشهادة ولآخرين كذلك، يعني الدرجة، كل هذا بحكمة. قالوا رحمه الله: قالوا: فهذه الشريعة التي وضعتموها لرب العباد تعالى، وأوجبتم عليه ما أوجبتم، وحرمتم عليه ما حرمتم، وحجرتم عليه بتصرفه بملكه بغير ما أصلتم وفرعتم بعقولكم وآرائكم، تشبيهًا له وتمثيلًا بخلقه، فما يحسن منهم ويقبح، مع أنها شريعة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان. فإنكم لم تطردوها، بل أنتم تناقضون فيها غاية التناقض، خارجون فيها عما يجب كل عقل صحيح وفطرة سليمة، فلا للتشبيه والتمثيل طردتم، ولا بالتعويض قلتم، ولا على حقيقة الحكمة والحمد وقفتم، بل أثبتتم له تعالى نوع حكمة لا تقوم به ولا ترجعوا إليه، بل هي قائمة بالخلق فقط. وقد حدتم بها في تمام ملكه كما أثبتتم، وقدحتم بها في تمام ملكه كما أثبت له إخوانكم من الجبرية قدرة مجردة عن حكمة وحمد وغاية يفعل لأجلها، بل جعلوا حمده وحكمته اقترانًا، وأفعاله بما اقترنت به من المصالح عادة، ووقوعها مطابقة لمشيئته وعلمه فقط، فقدحوا بذلك في تمام حمده. وهذا حوار بين الجبرية والقدرية النفاة، فالجبرية أشركوا مع الله سبحانه وتعالى بتشبيه مخلوقاته بتشبيهه بخلقه، والقدرية بتشبيه أفعاله بأفعال خلقه، ثم الجبرية نفوا العلل، والقدرية زعموا أنهم أثبتوا العلل، ولكن القدرية وقعوا في تناقض من جهة أنهم أثبتوا نوعًا ونفوا نوعًا، وأثبتوا الشر الذي يكون في الأجناس وكذلك الأعيان، ولم يثبتوه فيما يكون في المخلوق وما يتولد منه، زعمًا منهم أن هذا تنزيهًا لله، كما تقدم معنى، فشابهوا في هذا المجوس إذ جعلوا خالقًا للخير وخالقًا للشر، وهذا هو قول الجبرية. ها هنا يلزمون القدرية بأنكم إذا أثبتتم وجود الشر في الأجناس وزعمتم أنها وجدت لحكمة، فيلزمكم كذلك أن تقولوا ذلك بالنسبة للمخلوقين وما يتولد منهم، وهذا صحيح، فإن هذا الأمر لازم ينبغي أن يلتزم به هؤلاء، ولكن هم يريدون أن يجرونهم إلى الجبر، وهذا خطأ، ودين الله بين الغالي والجافي. فالقول الحق الذي دلت عليه دلالة الكتاب والسنة هو قول أهل السنة والجماعة، الوسط بين قول الجبرية وقول القدرية. والسبب في ضلال هاتين الطائفتين أن كلًا من الطائفتين أثبتت إرادة ونفت إرادة أخرى، فالقدرية أثبتوا الإرادة الشرعية ونفوا الإرادة القدرية، والجبرية أثبتوا الإرادة القدرية ونفوا الإرادة الشرعية، فلم يفرقوا بين الإرادتين. والصواب التفريق بين الإرادتين، فما يحبه الله ويرضاه من شرعه لا يلزم أن يكون فإنه قد يكون وقد يقع وقد لا يقع، وما يقع في كونه لا يلزم أن يحبه الله ويرضاه، فقد يكون مما يحبه الله ويرضاه، وقد يكون مما لا يحبه الله ويرضاه، وهذا من الفروق بين الإرادة الشرعية والإرادة القدرية. وإذا أثبت هذا بالمعاني الصحيحة والضوابط المستقيمة، فإنه يزول الكثير من الإشكالات، ويكون بذلك العدل الذي يحبه الله في الدنيا وفي الآخرة. وفيما يتعلق بالشرح وما يتعلق بالقدر، طيب، بهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.