طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 124

طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 124

الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 124، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

انتقاد ابن القيم للفخر الرازي

ابن القيم ينتقد الفخر الرازي لتعارضه في مسألة القدر وتردده بين المذاهب المختلفة. يبين ابن القيم أن الحق هو ما جاءت به الرسل من أن الله فعال لما يريد.

أمور مهمة في الرد على الفخر الرازي

ابن القيم يتناول أمورًا كثيرة في رده على الفخر الرازي، منها أن من لم يلتزم بمذهب السلف فإن منتهى أمره إلى الحيرة أو الردة. يؤكد أن أهل الأهواء كانت أقوالهم مبنية على شبه.

بطلان أقوال الجبرية والقدرية والفلاسفة

يتناول المقطع بطلان أقوال الجبرية والقدرية والفلاسفة في قضية الإرادة الكونية والشرعية. يبين أن الله سبحانه وتعالى هو المسيطر على الكون وخالق المخلوقات.

تعريف الحياة الآخرة وبيان معناها

الحديث يوضح أن المقصود بالعالم الآخر هو الحياة الآخرة وليس الدنيا. يُنهي الحديث بالتأكيد على صلاة الله وسلامه على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين» في سياق رده على الفخر الرازي رحمه الله: «قلت: لما لم يكن عند الرازي إلا مذهب الفلاسفة المشائين القائلين بالموجب بالذات، أو مذهب القدرية المعتزلة القائلين بوجوب رعاية الصلاح أو الأصلح، أو مذهب الجبرية نفات الأسباب والعلل والحكم، وكان الحق عنده مترددًا بين هذه المذاهب الثلاثة، فتارةً يرجح مذهب المتكلمين، وتارةً مذهب المشائين، وتارةً يلقي الحرب بين الطائفتين ويقف في النظارة، وتارةً يتردد بين الطائفتين، وانتهى إلى هذا المضيق، ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بالتزام طريق الجبرية، وهي غير مرضية عنده، وإن كان في كتبه الكلامية يعتمد عليها ويرجع في مباحث إليها، أو طريق المعتزلة القائلين برعاية الصلاح، وهي متناقضة غير مضطردة، لم يجد بدًا من تحيزه إلى أعداء الملة القائلين بأن الله لا قدرة له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم به. ومعلومٌ أن هذه المذاهب بأسرها باطلةٌ متناقضة، وإن كان بعضها أبطل من بعض. وإنما ألجأه إلى الالتزام القول بإنكار الفاعل المختار في هذا المقام تسليمه لهم الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي قادت إلى الالتزام بعض أنواع الباطل. ولو أعطى الدليل حقه، وضم ما مع كل طائفةٍ من الحق إلى حق الطائفة الأخرى، وتحيز إلى ما جاءت به الرسل على علمٍ وبصيرةٍ، وتقرير لما جاءوا به بجميع طرق الحق، لخلص من تلك المطالبات. مع إقراره بأن رب العالمين فعالٌ لما يريد، يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته، وأن له المشيئة النافذة والحكمة البالغة. وأن تقدير تجريد النار عما خلقت عليه من الإحراق، والماء عما خلق عليه من الإغراء، والرياح والنفوس البشرية عما هيئت له وخلقت عليه، منافٍ للحكمة المطلوبة المحبوبة للرب سبحانه. وأن هذا تقديرٌ لعالمٍ آخر غير هذا العالم، وتعطيلٌ للأسباب التي نصبها الله مقتضياتٍ لمسبباتها، وأن تلك الأسباب مظهر حكمته وحمده وموضع تصرفه بخلقه وأمره، فتقدير تعطيلها تعطيلٌ للخلق والأمر، وهو أشد منافاتاً للحكمة وإبطالاً لها، واكتضاء هذه الأسباب لمسبباتها كاكتضاء الغايات لأسبابها، فتعطيلها عنها قدحٌ في الحكمة وتفويتٌ لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه. ولكن الرب سبحانه قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحياناً إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطل النار التي ألقي فيها إبراهيم، وجعلها عليه برداً وسلاماً عن الإحراق، لما في ذلك من المصالح العظيمة. وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه، وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعضٍ، هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود، وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب. وهكذا سبحانه سائر أفعاله، مع أنه شهد لعباده بذلك: أنه هو مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه وملكه، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأنه جعلها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك، وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها. لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين، وزنادقة الأطباء: إنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها، ويقولون: لا تعطيل في الطبيعة. وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة. ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته، وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، فجحد ذلك كله، ورد الأمر إلى مشيئته، إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية، وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها، والقوى بمحالها. هذه الفقرات من الإمام ابن القيم رحمه الله في تعليقه ورده على الفخر الرازي تناولت أمورًا كثيرة قد تقدم أكثرها في فصول وفقرات سابقة، لكن من باب التأكيد ينبه على ستة أمور. الأمر الأول: أن من لم يلتزم بمذهب السلف كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وكان عليه سلف الأمة، ولا إمة، فإن منتهى إلى الحيرة أو الخروج من دين الإسلام إلى الردة. وهذا هو الذي وقع للكثير من المتكلمين الذين خاضوا في علم الكلام، فإنهم زعموا أنهم يطلبون ما يقتضيه العقل، فلم يسلم لهم العقل بمذهب من المذاهب، لأن تلك المذاهب كلها ما دامت بعيدة عما جاءت به أدلة الشرع، فإنها منتهاها التضاد والاختلاف، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وهذا مثال، فالفخر الرازي كان من المتكلمين، ومن قول المتكلمين الكلابية والأشاعرة والماتريدية، غالبهم في باب القدر والمشيئة جبرية، وفي نفس الوقت وجد أن قول الجبرية فيه تناقض، فنظر إلى الحق الذي عند القدرية المعتزلة، فأراد أن يأخذ به، فوجده كذلك فيه تناقض، ثم نظر إلى ما عند الفلاسفة، فوجد فيه تناقض، فانتهى به الأمر إلى الحيرة. وهذه نهاية كل من لم يستسلم لأدلة الكتاب والسنة. الأمر الثاني: أن المؤلف رحمه الله أشار الإمام ابن القيم رحمه الله إلى أن أهل الأهواء هؤلاء كانت أقوالهم مبنية على شبه، وهذه الشبه هي أخذ أنصاف الأدلة، ولذلك كانت أقوالهم فيها أنصاف الحق -يعني بعضها حق- وكثير منها باطل، ولذلك قد يجادل بعضهم بالحق القليل على الباطل الكثير. وهذا هو موضع استمرار الكثير من أهل البدع على بدعهم وضلالاتهم، أنهم يغترون ببعض الحق الذي معهم، فيعميهم عن الباطل الكثير الذي هم فيه. وكما قال: «لو أنهم أخذوا من كل طائفة ما وافقوا فيه الصواب والحق، لسلم لهم جوابًا ليس فيه تناقض، ولما لم يكن ذلك بقي التناقض والتردد هو نهاية أمرهم». الأمر الثالث: أنه أبان رحمه الله تعالى وجه الخطأ باختصار في هذه المسألة عند الطوائف الثلاث التي ضلت واحتار بين أقوالها الفخر الرازي. أما الجبرية فلأنهم أثبتوا مشيئة الرب ونفوا مشيئة العبد والخلق، ونفوا العلل والحكم، وهذا خلاف أدلة الكتاب والسنة، بل أدلة الكتاب والسنة أثبتت مشيئة لله، وأثبتت مشيئة للمخلوق، ولا تنافي مشيئة المخلوق مشيئة الخالق، وليس المخلوق كالريشة في مهب الريح، بل له اختيار، ومن كمال ربوبية الرب أن اختيار المخلوق لا يخرج عن مشيئته، وأن هناك فرق بين الإرادة الشرعية التي يحبها الله ويرضاها، وبين الإرادة الكونية التي هي كونه لا يكون في ملكه إلا ما شاء، ومنها ما يحبه ويرضاه، ومنها ما لا يحبه ولا يرضاه، ووقوع ما لا يحبه ولا يرضاه لحكمة، وليس هو شرًا محضًا. وهكذا كذلك القدرية النفاة المعتزلة، فإنهم أخطأوا في عدم التفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وكونهم أرادوا أن ينزه الرب تبارك وتعالى عن فعل الشر، فوقعوا بأن وجدوا ندًا لله عز وجل يفعل الشر، ويغلب الرب -تعالى الله عن قولهم في ذلك-. وهذا أكثر من قول الجبرية، إذ جعلوا لله مع الله إلهًا آخر وندًا، بل وجعلوه له إرادة أقوى من إرادة الرب. هذا هو لازم قولهم، فقولهم أن الله لا يفعل ولا يأمر ولا يأذن بفعل الكفر والعصيان، والمخلوق يفعل ذلك بغير إذن وإرادة وخلق الرب، هذا معناه أن المخلوق إرادته أقوى من إرادة الرب، هذا عين الكفر، فشابه بذلك المجوس، ولذلك سمي القدرية النفاة «مجوس هذه الأمة». وأما الفرقة الثالثة: الفلاسفة الذين منهم من ينفي وجود الرب، ومنهم من يثبت وجوده مع تعطيله عن إرادته، فيجعلون الطبيعة تفعل ما هي عليه، سواء الملحد منهم من يقول: خلقت نفسها، فهي فعالة لما تريد، ولا مغير لصفاتها وأفعالها، ولا تزال تخلق بعضها بعضًا. وطائفة أخرى تجعلها خارجة عن إرادة الله، فأشبه قولهم قول المجوسية، وكلا الطائفتين من الفلاسفة على خطأ وضلال. وهذا هو قولهم الموجب لطبيعة المخلوقات، وهذا كذلك باطل، كما قال رحمه الله: «يكذبه الحس والواقع». فإن الله عز وجل جعل النار بردًا وسلامًا، فغير صفة النار، وأوقف ما هو من طبيعتها، لأنها مربوبة لله، والله سبحانه هو الذي خلقها كذلك، وإذا شاء منعها من ذلك. وهكذا كذلك النار، الماء بطبيعته أنه ماذا فيه السيلان والاختلاط، ولكن الله سبحانه وتعالى جعله كالطود العظيم حين نجى موسى، ففلقه في القتين. وهذا كذلك تأكيد لمعنى ربوبيته سبحانه وتعالى. وغير ذلك كثير في الكون، كذلك ما هي عند هؤلاء من شذوذات أنظمتها، أن بعض صفاتها تختلف. وإذا كان كذلك، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يفعل ذلك وحده جل وعلا. فالشاهد من هذا علم بأن بهذا بطلان هذه الأقوال الثلاثة. والنقطة التي بعدها أفاد رحمه الله تعالى أن الواجب لمن أراد أن يسلم في الأخذ بالحق والسلامة من الباطل أن يقف حيث وقفت به الأدلة. ومن ذلك أن نؤمن أن الله عز وجل هو وحده مسبب الأسباب وخالق الحكم. ولذلك أوجد هذه المخلوقات ليست كاملة، وأوجد ما في هذا الكون من مخلوقات فيها بعض شر، وليس شرًا محضًا. ومن أراد مخلوقًا خاليًا من الشر والنقص، فهو يطلب مخلوقًا ليس على صفته التي خلق لها، كما تقدمت معنا أمثلته. ومن أراده كذلك فإنه يطلبه في غير هذه الدار. ومر كذلك الكلام على هذا، فمن طلب نارًا لا تحرق، فهو يطلب ليس النار، يطلب شيء آخر. ومن طلب ماءً لا تغرق، فهو لا يطلب الماء، وإنما يطلب شيء آخر. وهذا وهذا ما أشار إليه رحمه الله من أن من يطلب ذلك فإنما يطلب شيئًا آخر، ولا يطلب الشيء الذي خلقه الله لأجله. وإذا علمنا ذلك، علمنا أن من كمال حكمة الله خلق هذه المخلوقات على صفاتها التي هي عليها. والأمر الأخير أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق هذه المخلوقات خلقها كذلك لحكم كثيرة، من هذه الحكم: الابتلاء والامتحان. ولذلك الأمر لا يكون كذلك في الدار الآخرة، لما كانت الآخرة دار الجزاء، فإن ليس فيها من جنس ما في هذه الدنيا، بل كل ما في الآخرة خير، وليس فيها سوء. ومن قصة البتة. ولهذا قال رحمه الله: «من يطلبه فإنما يطلب عالما آخر». ويريد بالعالم الآخر: أي غير هذه الحياة الدنيا، وإنما الحياة الآخرة. والحياة الآخرة ليس هذا وقتها ولا محلها. هذا باختصار، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.