الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 132، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ ابن بريك أقسام الناس في المعاصي والذنوب بناءً على كلام الإمام ابن القيم، ويتطرق إلى الصنف الثاني الذي ينكر القضاء والقدر. يُبيّن أن هذا الصنف مخذول ومحجوب عن شهود التوحيد.
السخط والعقوبة من الله ليس شرًا محضًا، بل قد يكون فيه خير بالنسبة لقدر الله. لا يضاف إلى الله إضافة صفة شر، وإنما يضاف إضافة خلق، مما يدل على أهمية فهم حكمة الله وراء قضائه.
منكر القدر محجوب عن شهود التوحيد والحكمة الإلهية، والجمع بين تحقيق التوحيد والإيمان بالقدر ضروري للنجاة. الافتقار إلى الله هو الطريق الأقرب إليه، ويتحقق بكمال التوحيد والإيمان بالقضاء والقدر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام القيم رحمه الله تعالى في كتابه «طريق الهجرتين»، في سياق ذكره للمشهد الثالث من مشاهد الناس في المعاصي والذنوب: «وأما الثاني، وهو منكر القضاء والقدر، فمخذول محجوب عن شهود التوحيد». بعد أن ذكر رحمه الله الأول بأن يكون مشهده صحيحًا نافعًا له، موجبًا له أن لا يزال لائما لنفسه، مزريًا عليها. وقد تقدم معنا أن هذا الصنف يكون على قسمين، قسم منهم من يثبت القدر، ولكنه شابه القدرية النفاة في كونه بالغ في باب تأنيب النفس حتى ضعف مشهد القدر، وصنف آخر عنده معنى نفي القدر بشيء من الخفاء. وأن هؤلاء كان إدخالهم في قسم القدرية النفاة من هذا الباب. وختم بالحديث الذي تقدم معنا: «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك». وأن السخط والعقوبة من الله سبحانه وتعالى، فهو يرضى ويسخط، ويحب ويبغض، ويعافي ويعاقب. وأثار هذه العقوبة هو السخط، كما تقدم معناه في الكلام على ما هو بمعناه: ليس شرًا محضًا، فهو بالنسبة لمن يقع عليه قد يظنه شرًا، ولكنه بالنسبة لقدر الله عز وجل فيه خير. فليس هناك شر محضًا. ولذلك آثار هذا السخط، وهذا الغضب، وهذه العقوبة لا يضاف إلى الله عز وجل إضافة صفة شر، ونقول: الشر ليس إليك. وإن كان فيه شيء من الشر، فيضاف إضافة ماذا؟ خلق، يضاف إضافة خلق. فلذلك من الخطأ أن نقول: أن سخط الله شر، وغضب الله، وعقوبته، وبغض شر. بل هذه أفعال لله سبحانه وتعالى، تضاه إليه بما يليق بجلاله وعظمته. وآثار هذه الأفعال ليست شرًا محضًا، وما كان فيها من شر فهو من قدره، ومن خلقه، ومخلوقاته، وليس مما يضاف إلى فعله وصفته سبحانه وتعالى. فننتبه لهذا ولا يلتبس علينا. الثاني ما ذكر رحمه الله هنا، قال: «وأما الثاني، وهو منكر القضايا والقدر، فمخذول محجوب عن شهود التوحيد، مصدود عن شهود الحكمة الإلهية، موكول إلى نفسه، ممنوع عن شهود عزة الرب تعالى في قضائه، وكمال مشيئته، ونفوذ حكمه، وعن شهود عجزه هو وفقره -أي العبد- وأنه لا توفيق له إلا بالله، وأنه إن لم يعنه الله فهو مخذول، وإن لم يوفقه ويخلق له عزيمة الرشد وفعله فهو عنه ممنوع». فحجابه عن الله غليظ، فإنه لا حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إلى الله أقرب من دوام الافتقار إليه. وهذا لا يتحقق في الحقيقة إلا بكمال التوحيد، والذي منه -كما تقدم- الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره من الله. ولهذا من حرم هذا التوحيد، وهذا الإيمان بالقدر، فإنه يحرم العاقبة الحسنة في هذا الباب. وهذا هو مراده رحمه الله أن يبين أن من مشاهد الناس في باب المعاصي والذنوب ألا يلتفت إلى باب التوحيد والإيمان بالقدر، فيبالغ في باب تلويم النفس، فيدفعه ذلك إلى اليأس والقنوط. ومن أسبابه إنكاره للقضاء والقدر، كما بيّن رحمه الله في هذا النوع الثاني من أهل هذا المشهد، وهم مشهد القدرية النفاة. والقدرية النفاة وهم على قسمين كما تقدم معنا، القسم الأول، وهذا هو القسم الثاني. فالطريق الصحيح أن يحقق التوحيد والإيمان بالقدر، مع ما تقدم من تلويم النفس على ما سبق منه، وما كان من معصيته وذنبه. الجمع بين الأمرين به السلامة والنجاح. إلى هنا والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.