الدرس في طريق الهجرتين وباب السعادتين لابن القيم 151، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشير الشيخ إلى أهمية القوة العلمية في السير إلى الله، حيث تمكن الإنسان من معرفة منازل الطريق وتجنب أسباب الهلاك. القوة العلمية هي أساس السير إلى الله.
يؤكد الشيخ على أهمية نور العلم في السير إلى الله، ويشدد على ضرورة الاجتهاد في العمل بالعلم. العلم يبين الطريق ومعاطبه، والعمل يحقق مرضات الله.
الصبر على طلب العلم والعمل به والدعوة إليه يزيد من القوة العلمية والعملية والإيمان واليقين. الصبر والمثابرة ضروريان لتحصيل القوة الجسدية والعلمية والدينية.
يجب على الشخص أن يعين أهل بيته بقوة إيمانه وعلمه لاستقامتهم على الدين. بهذا يستطيعون أن يحققوا ما يحبه الله ويرجوه منهم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بكتابه «طريق الهجرتين وباب السعادتين»: قاعدة السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين علمية وعملية. قال: السير إلى الله والدار الآخرة، بل كل سائر إلى مقصد، لا يتم سيره ولا يصل إلى مقصوده إلا بقوتين: قوة علمية وقوة عملية. وبالقوة العلمية يبصر منازل الطريق ومواضع السلوك، فيقصدها سائرا فيها، ويجتنب أسباب الهلاك ومواضع العطب، فطرق المهالك المنحرفة عن الطريق الموصل. فقوته العلمية كنور عظيم بيده يمشي به في ليلة مظلمة شديدة الظلمة، فهو يبصر بذلك النور ما يقع الماشي في الظلمة في مثله في الوهاد والمتالف، ويعثر به من الأحجار والشوك وغيره. ويبصر بذلك النور أيضا أعلام الطريق وأدلتها المنصوبة عليها. ومعنى أعلام الطريق أي دلالاته التي ترشد وتوصل إلى المكان الذي يريد الوصول إليه. فمثلا إذا أراد أن يأتي مكة من جهة الجنوب، فهو لا يزال يتجه في جهة الشمال. فأعلام الطريق هو سيره دائما في جهة الشمال. إذا اقترب من المكان الذي يريد الوصول إليه، فمثلا من جهته، إذا كان عنده أجهزة حديثة، فالدرجة التي يريد يصل إليها في الأرض والمكان، مثل بوصلة أهل البحر وأهل البر في الزمان الأول، يسيرون عليها بتلك الدرجة، أو من يسيرون على النجوم، يسيرون في اتجاه النجم، ويقولون مثلا: مدينة كذا في جهة النجم، إذا كان في الليل في جهة نجم كذا، وإذا كان في النهار، ويقولون: لا يزال تمشي والشمس تضرب أذنك الأيمن قبل الظهر، وتضرب أذنك الأيسر قبلا بعد الظهر، وهكذا علامات ودلائل يسيرون بها. أو كذلك المرور بقرى ومدن معينة، فإذا مررت بها، فأنت على الطريق الصواب، وإذا لم تمر بها، فأنت على الطريق الخطأ. فكل هذا لا يستطيع أن يصل إليه إلا بالعلم. وكذلك هذا العلم مثل بالنور يضيء للإنسان في طريقه وسيره. والسير إلى الله من أعظم ما يحتاج إلى نور العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، هذا هو نور العلم والإيمان والإسلام والقرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: فلا يضل عنها، فيكشف له النور عن الأمرين: أعلام الطريق ومعاطبها. أعلام الطريق دلائل كما تقدم التي توصله إلى المقصود، ومعاطبها أي كل ما يضره في طريقه، كأن تكون حسية كالشوك والأحجار والحفر والأشجار والأنهار وغير ذلك، أو المعنوية: قطع الطريق والمجرمون ونحوهم ممن يضرونه في طريقه وسيره. وهكذا كذلك السير إلى الله، فهناك أضرار ينبغي أن يحذرها: حسية، وهناك معنوية، كرفقاء السوء من المشركين والكافرين والمنافقين والمتدينين والعاصين وغيرهم ممن هم خرجوا وحادوا عن الدين القويم والصراط المستقيم. ولا يغني عن ذلك كله إلا بنور ماذا؟ بنور العلم، وهي القوة العلمية. قال رحمه الله: بالقوة العملية يسير حقيقة، بل السير هو حقيقة القوة العملية. فإن السير هو عمل المسافر، وكذلك السائر إلى ربه، إذا أبصر الطريق وأعلامها، وأبصر المعافر والوهاد والطرق الناكبة عنها، فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه الشطر الآخر، وأن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافرا في الطريق، قاطع منازلها منزلة بعد منزلة. فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى، واستشعر القرب من المنزل، فهان عليه مشقة السفر. وكلما شكت نفسه من كلال السير ومواصلة الشد والرحل، وعدها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول، فيحدث لها ذلك نشاطا وفرحا وهمة. فهو يقول: يا نفس، أبشري، فقد قرب المنزل ودن التلاقي، فلا تنقطعي في الطريق دون الوصول، فيحال بينك وبين منازل الأحبة. فإن صبرت وواصلت السير، وصلت حميدة مسرورة جذلة. وصلت -يعني النفس- وتلقت الأحبة بأنواع التحف والكرامات. وليس بينك وبين ذلك إلا صبر ساعة. والمراد أنه يصبر نفسه بحسن العاقبة أن يصبر على مشاق الطريق. قال: فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمرك درجة من درجة تلك الساعة. فالله الله، لا تنقطعي في المفازة، فهو والله الهلاك والعطب لو كنت تعلمين -يعني يخاطب النفس- فالنفس أمارة بالسوء، تحث على الدعة وتطلب الراحة. ولكن المفازات وأعلى المقامات لا تنال بالراحة والدعة، وإنما بالقوة والنشاط والجد والاجتهاد، كما قال الله عز وجل: ﴿وآتينا يحيى الكتاب بقوة﴾. فلابد لمن وفقه الله للعلم أن يجتهد للعمل بهذا العلم، والعمل بعلم الإيمان والإسلام والسنة والقرآن، هو أن تهذب جوارحك وأخلاقك وأعمالك، وتدرجها في هذا الدين درجة درجة، حتى ترتقي إلى أعلى المقامات. وأنت سائر في مرضات الله سبحانه وتعالى، مجاهدا في الوصول إلى محابه، حتى تصل إلى خير الدنيا وخير الآخرة بإذن الله تعالى. وهذا السير على ما فيه من مشاق، فهو يزيدك قوة، ويزيدك في نفس الوقت رفعة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾. صبر على ماذا؟ على تحصيل العلم والعمل به والدعوة إليه. وكذلك كل ما يلحق ذلك قبله ومعه وبعده من مشاق. وهذه المشاق تزيده قوة علمية. أنت إذا استمررت وصبرت على طلب العلم، تزداد قوة ماذا؟ علمية. وإذا صبرت على العمل بالعلم، تزداد قوة ماذا؟ عملية. فيكون عندك من الإيمان واليقين، وكذلك الثبات والرفعة، الرفعة عند الله قبل ما يكون عند الناس. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾. الإمامة ما وصلوا إليها براحة الجسد، ولا بالدعة، ولكن بالصبر والمشقة والجد والاجتهاد. فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. وهكذا قل: إذا كان حتى في الأمور الحسية، لا يصل الإنسان إلى ما يصل إليه مما يرجوه من أمور دنيا في العلم والقوة الجسدية، إلا بالصبر والمثابرة حتى يرتقي في هذا الذي يرجوه درجة درجة. فقوة الجسد لا تصل إلى المقصود الذي يريد الوصول إليه إلا بتمارين شاقة، وكذلك أوقات يمضيها حتى يقوى جسده. وإذا فعلى العكس من الدعة والراحة والكسل، فإن الجسد يضعف، بل ربما أكل الجسد بعضه بعضا. الإنسان الذي تقل حركته، جسده يأكل بعضه بعضا. حتى قال بعض الأطباء: عضلات الإنسان يأكلها الجسد إذا لم يقويها بماذا؟ بالحركة والقوة والعمل. فإن هذه العضلات تضمر وتصغر. ولذلك ترى الإنسان الذي يمرض ويبقى على السرير فترة طويلة من الزمن، تضمر أعضاؤه وتضمر قوته. فإذا قام من مرضه يحتاج إلى وقت حتى يتحمل جسده ماذا؟ يتحمل جسده أن يحمل الجسد، فضلا أن تكون عنده قوة على أن يقوم بأشياء أخرى. لماذا؟ لأنه قعد فترة طويلة على السرير. فهذا القعود، وهذه كذلك هذه الراحة، أضعفت الجسد. فقوة الجسد بماذا؟ بتمرينها. وكذلك تدريبها في درجات القوة حتى تصل إلى أعلى الدرجات. وكذلك قوة الإيمان، وقوة الإسلام، وقوة العلم بالسنة والقرآن، كل ذلك يحتاج لجد واجتهاد ومثابرة. واعلم أن هذا فيه خير لك في دينك ودنياك، وفي نفسك وأهلك وولدك. كونك تكون قوياً جسدياً أو دينياً، هذا ينفعك وينفع من حولك. فالأب الضعيف كيف ينصر أولاده ويعينهم ويقوم بهم؟ إذا كان دابة الغاز، زوجته تحملها له، يحتاج أن يستعين بزوجته لتحمل له دبة الغاز، هذا زوج ضعيف. هذا في الأمور الدنيوية، فكيف بالأمور الدينية وهي أعظم؟ فأهل بيتك يحتاجون أن تعينهم بقوة إيمانك، وتعينهم بقوة علمك، قوة تدينك، قوة ثباتك، حتى يستقيموا على ما تحب وترجوه، ويحبه الله ويرجوه من الدين القويم والصراط المستقيم الذي جاء به نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم. إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وسلم.