الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 62، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُبيّن المؤلف أن أجلّ علوم القرآن هو علم التوحيد وصفات الكمال لله، فهو أصل الأصول وقاعدة العلم والعمل الذي يملأ القلب بمعرفة الله ومحبته. كما يوضح منهج المفسر في تسهيل الفهم بتصنيف علوم القرآن تحت عناوين رئيسية كالتوحيد، قصص الأنبياء، صفات السعداء والأشقياء، وعلم الجزاء، مع أهمية تنظيم المعارف في دفاتر مستقلة لكل علم.
يستعرض المقطع كيف صنف العلماء مؤلفات مستقلة في علوم القرآن المتنوعة كأسباب النزول، والتوحيد، والناسخ والمنسوخ، وقصص الأنبياء، ونداءات المؤمنين. ويبين أن جمع الآيات المتعلقة بكل علم على حدة يعد من أنفع الطرق لإتقان التفسير وتيسير إعداد الخطب والمواعظ وفهم معاني القرآن وهدايته.
معرفة سبب نزول الآية توضح معناها وتعين على تدبر القرآن، مما يؤدي إلى الانتفاع به والعمل بمقتضاه. ويشير النص إلى أن هذا الفهم يُعد من أبرز الفوائد التي يجتنيها المسلم من علم أسباب النزول لفهم مقاصد الوحي.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهِ: أَنْ يَعْرِفَ الْمَقْصُودَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا وَيَعْمَلَ عَلَى هَذَا وَيَتَّبِعَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ فَيَحْصُلَ الْمَرَادُ مِنْهَا عِلْمًا وَتَصْدِيقًا وَحَالًا وَعَمَلًا، فَأَجَلُّ عُلُومِ الْقُرْآنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَمَا لِلَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَإِذَا مَرَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ أَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَإِذَا فَهِمَهَا وَفَهْمَ الْمَرَادَ بِهَا أَثْبَتَهَا لِلَّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَعَرَفَ أَنَّهُ كَمَا لَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ فِي ذَاتِهِ فَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي صِفَاتِهِ، وَامْتَلَأَ قَلْبُهُ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِ وَحُبِّهِ حَسْبَ عِلْمِهِ بِكَمَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ مَجْبُولَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ الْكَمَالِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَهُ كُلُّ الْكَمَالِ وَمِنْهُ جَمِيعُ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ وَمِنْهُ جَمِيعُ النِّعَمِ الْجَزِيلَةِ، وَيَعْرِفُ أَنَّ أَصْلَ الْأُصُولِ هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَأَنَّ هَذَا الْأَصْلَ يَقْوَى وَيَكْمُلُ حَسْبَ مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ وَفَهْمِهِ لِمَعَانِي صِفَاتِهِ وَنَعْوَتِهِ، وَامْتَلَأَ الْقَلْبُ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَمَحَبَّتِهَا، وَأَيْضًا يَعْرِفُ أَنَّهُ بِإِكْمَالِهِ هَذَا الْعِلْمِ تَكْمُلُ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ أَصْلُ الْعِلْمِ وَأَصْلُ التَّعَبُّدِ. نَعَمْ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. بَعْدَهُ يُرِيدُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنْ يُسَهِّلَ الْمُفَسِّرُ لِنَفْسِهِ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ بِجَعْلِ عُنْوَانٍ لِرُءُوسِ الْعُلُومِ لِرُءُوسِ الْعُلُومِ، فَالْقُرْآنُ فِيهِ عُلُومٌ مُتَنَوِّعَةٌ، فَتَجِدُ فِيهِ عِلْمَ التَّوْحِيدِ، هَذَا مِنْ الْعُلُومِ الَّتِي أَكْثَرَ الْقُرْآنُ مِنْ ذِكْرِهَا، وَفِيهِ مِنْ الْعُلُومِ قِصَصُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَفِيهِ مِنْ الْعُلُومِ كَذَلِكَ عِلْمُ صِفَاتِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي ذَلِكَ، وَمِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ عِلْمُ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ، وَعِلْمُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ. فَمَثَلًا عَلَى سَبِيلِ الْمَثَلِ، أَنْتَ الآنَ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ فِي سِيرِكَ الْعِلْمِيِّ تَمُرُّ عَلَيْكَ فَوَائِدُ فِي الْعَقِيدَةِ، صَحٍّ، وَفَوَائِدُ فِي الْمُصْطَلَحِ، وَفَوَائِدُ فِي النَّحْوِ، وَفَوَائِدُ فِي الْأُصُولِ، وَفَوَائِدُ فِي التَّفْسِيرِ، فَتَجْعَلُ لِكُلِّ فَنٍّ مِنْ هَذِهِ الْفُنُونِ دَفْتَرًا، صَحٍّ، هَذَا الدَّفْتَرُ خَاصٌّ بِفَوَائِدِ التَّوْحِيدِ وَالْعَقِيدَةِ، هَذَا الدَّفْتَرُ خَاصٌّ بِعِلْمِ التَّفْسِيرِ، هَذَا الدَّفْتَرُ خَاصٌّ بِعِلْمِ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، هَذَا الدَّفْتَرُ خَاصٌّ بِعِلْمِ الْمُصْطَلَحِ، هَذَا الدَّفْتَرُ خَاصٌّ بِعِلْمِ النَّحْوِ، هَذَا الدَّفْتَرُ خَاصٌّ بِعِلْمِ الْأُصُولِ، وَالْقُرْآنُ كَذَلِكَ فِيهِ عُلُومٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَنْبَغِي لِلْمُفَسِّرِ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذِهْنِهِ أَقْسَامَ الْعُلُومِ، مَا هِيَ أَقْسَامُ الْعُلُومِ الَّتِي طَرَقَ إِلَيْهَا الْقُرْآنُ، فَيَجْعَلُ كُلَّ عِلْمٍ مُسْتَقِلًّا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ تَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ التَّوْحِيدِ أَخَذَهَا وَوَضَعَهَا فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ، مَرَّ بِآيَةٍ فِي قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ أَخَذَ هَذِهِ الْآيَةَ وَوَضَعَهَا فِي قِسْمِ قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ، مَرَّ بِآيَةٍ فِي أَسْبَابِ السَّعَادَةِ وَأَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ أَخَذَهَا وَوَضَعَهَا فِي قِسْمِ عِلْمِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاوَةِ، مَرَّ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، مَا هِيَ الْأَوَامِرُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا هِيَ النَّوَاهِي الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا فِي الْقُرْآنِ، يَأْخُذُ هَذِهِ الْآيَاتِ وَيَضَعُهَا فِيهِ، طَبْعًا أَخْذُهُ لِهَذِهِ الْآيَاتِ مَعَ مَعْرِفَةِ مَعَانِيهَا مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الْعُلُومِ وَالْهُدَى وَالرَّشَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ تُؤَثِّرُ فِيهِ، فَهَذَا يُسَهِّلُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةَ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ. وَلِذَلِكَ لَوْ نَظَرْتَ فِي تَأْلِيفَاتِ الْعُلَمَاءِ أَلَّفُوا فِي عِلْمِ أَسْبَابِ النُّزُولِ، هَذَا عِلْمٌ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ، آيَاتٌ جَاءَتْ فِيهَا أَسْبَابُ نُزُولٍ، أَلَّفُوا فِي التَّوْحِيدِ، وَاحِدٌ أَلَّفَ كِتَابًا مَثَلًا اسْمُهُ «الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ فِي تَحْرِيمِ دُعَاءِ الْأَمْوَاتِ»، أَخَذَ الْآيَاتِ الَّتِي تُحَرِّمُ دُعَاءَ الْأَمْوَاتِ عَشَرَاتِ الْآيَاتِ، هَذَا عِلْمٌ مِنْ الْعُلُومِ، جَاءَ آخَرُ أَخَذَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، هَذَا عِلْمٌ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ، مَا هِيَ الْآيَاتُ النَّاسِخَةُ وَمَا هِيَ الْآيَاتُ الْمَنْسُوخَةُ، هَذَا عِلْمٌ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ، جَاءَ آخَرُ وَأَخَذَ قِصَصَ الْأَنْبِيَاءِ، هَذَا عِلْمٌ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ، جَاءَ آخَرُ وَأَخَذَ نِدَاءَاتِ الْقُرْآنِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، هَذَا عِلْمٌ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا نَادَى بِهَذَا النِّدَاءِ فَهُوَ أَمْرٌ يُؤْمَرُ بِهِ الْمُؤْمِنُ أَوْ نَهْيٌ يُنْهَى عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْعُلُومِ، عِلْمُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، سَيُبَيِّنُهُ الْمُؤَلِّفُ، فَهَذِهِ طَرِيقَةٌ نَافِعَةٌ حَتَّى فِي تَحْضِيرِ الْخِطَابِ وَالْمَوَاعِظِ. لِأَنَّكَ تُرِيدُ الآنَ تَتَحَدَّثُ عَنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ تَجِدُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾، ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾، ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾، ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾، ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾، آيَاتٌ كَثِيرَةٌ، هَذَا عِلْمٌ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ، يَوْمَ أَنْ تَأْخُذَ الْآيَاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِكُلِّ عِلْمٍ تَجْعَلُهَا مُسْتَقِلَّةً، تَجْعَلُهَا مُسْتَقِلَّةً، هَذَا مِنْ أَنْفَعِ مَا يَكُونُ فِي إِتْقَانِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، فَإِذَا عَلِمْتَ قِصَصَ الْأَنْبِيَاءِ كُلَّمَا مَرَرْتَ بِقِصَّةٍ خَلَاصٌ عَرَفْتَ مَعَانِيهَا لِأَنَّكَ قَدْ قَرَأْتَ فِي قِصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْقَنْتَ هَذَا الْبَابَ، سَبَبُ النُّزُولِ يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْآيَةِ، تَمُرُّ عَلَى آيَةٍ فِيهَا سَبَبُ نُزُولٍ تَعْرِفُ مَعْنَى الْآيَةِ وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَذَا وَكَذَا، هَذَا يُؤَدِّي إِلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَإِلَى الِانْتِفَاعِ بِالْقُرْآنِ وَإِلَى الِانْتِفَاعِ بِالْقُرْآنِ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْفَوَائِدِ الَّتِي يَجْتَنِيهَا أَوْ يَجْتَنِيهَا