الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش التحدي القرآني لإثبات أنه كلام الله، ويبرهن على أنه ليس كلام النبي. يشدد على أن القرآن كلام الله الذي يهدي للطريق المستقيم.
يتناول مسألة خلق القرآن وفتنة المأمون في زمن الإمام أحمد، حيث امتحن الناس بقول القرآن مخلوق، مما أدى لتعذيب العلماء. ثم ينتقل إلى أحاديث عن قراءة القرآن وإعرابه.
يتناول حكم من ينكر حرفًا من القرآن، ويشير إلى إجماع أهل العلم على كفر من ينكر حرفًا ثابتًا وتواتر عن النبي.
تم الانتهاء من الحديث عن القرآن وكلام الله جل وعلا، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد، قال حافظ بن قجم رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. قال: ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان مثل ما، لا يدرأ ما هو لا يعقل أنا أتحداهم بالإتيان مثل هذا القرآن العظيم. قال: وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾. أنا أثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم، وأثبت كذلك أنه لا يستطيع أن يبدله من تلقاء نفسه. فلو كان كلامه لا يستطاع أن يبدله، لكنه ليس كلام أي النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هو كلام الله. فلهذا قال: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾. قال: وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. فأنا يريد أن يثبت أن القرآن آيات، وليس شعرًا ولا شيئًا من هذه الأمور المخلوقة، وإنما هو آيات جعلها الله عز وجل في هذا الكتاب، يهتدي بها من أراد الله عز وجل هدايته. أن الآية هي العلامة، العلامة التي تدل على الطريق. فلهذا فهي آيات تدل على الله عز وجل، تدل على طريق الجنة والرضى من الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، أي يهدي للتي هي أرفع وأشرف وأعظم. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. بعد أن أقسم على ذلك، أي أنه لا يقسم إلا على عظيم. وأقسم أنه قرآن. قال تعالى: كافة يا عين صاد، معنى أنه أحرف حاميم عين سين قاف. وافتتح تسعًا وعشرين سورة بالحروف المقطعة، معنى أن القرآن حروف وكلمات، وكلام الله عز وجل أيضًا حروف وكلمات وصوت. وهذه المسألة، مسألة خلق القرآن، كما يقوله المبتدع الجهمية وغيرهم. مسألة كما تعلمون حصل فيها فتنة عظيمة في زمن الإمام أحمد رحمه الله، بل في زمن من قبله. فأول من بدأ بهذه الفتنة هو المأمون، واتبع في ذلك جماعة من المعتزلة كابن أبي دؤاد وغيره. واغتر بقوله وأصر على هذا القول، وامتحن الناس به، أي أن من لم يقل أن القرآن مخلوق، فتجد أنه يعذبه ويقتله. ولهذا قتل في السجن المأمون جماعة منهم العلماء، كنعيم بن عبد الله الخزاعي، وكذلك البويطي صاحب الشافعي، وكذلك غيرهم من أئمة الإسلام. ولم يرضوا أن يقولوا أن القرآن مخلوق. وجاء بعده الواثق وسار بسيرته، إلا أنه كان يتردد. ثم بعد ذلك جاء المتوكل ونصر الله عز وجل به السنة. قال: وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: «من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه، فله بكل حرف حسنة»، حديث صحيح. والحديث لا يصح، جاء بأساني ضعيفة، له طرق لكنها كلها ضعيفة. والمراد بقراءة القرآن فأعربه، أي قراءته قراءة صحيحة. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم، لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أجره ولا يتأجلونه». وهذا الحديث صحيح، وإن كان فيه رجل ضعيف وهو قابل شريح، لكنه متابع. الحديث له شواهد، وذكره الشيخ الألباني في الصحيح. «اقرأوا القرآن قبل أن يأتي قوم يقيمون حروفه إقامة السهم»، أي أرادوا استدلالًا بأن القرآن حروف وكلمات. قال: وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: «إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه». وهذا جاء بأسانيد غير صحيحة، فيها من طريق جابر بن يزيد الجعفي، وهو متروك. وقال علي رضي الله عنه: «من كفر بحرف منه، فقد كفر به كله». وهذا مشهور عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وأيضًا ذكر بعضهم، كابن أبي داود وغيره، إجماع أهل العلم على أن من كفر بحرف من القرآن، أي ثابت، فإنه قد كفر بالقرآن كله. إن كفر بحرف، فهو كافر، أي هذا الحرف يكون ثابتًا، وقد تواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: واتفق المسلمون على عد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفًا متفقًا عليه، أنه كافر. فأنا لو أنكر حرفًا، فهو كافر. فهذا يدل على أن هذا الكلام من الله. ولهذا احتاط العلماء بهذا، فالذي ينكر حرفًا واحدًا من القرآن يعتبر ليس بمسلم. قالوا: في هذا حجة قاطعة على أنه حروف، على أنه حروف وكلمات القرآن، لا حروف وكلمات، وهو كلام الله عز وجل الذي ألقاه الله عز وجل على جبريل، وألقاه جبريل على نبينا عليه الصلاة والسلام. وأولًا القرآن له المرتبة الأولى، أنه كتب في كتاب مكنون: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾. وأيضًا المرتبة الثانية، أنه بعث نبيه صلى الله عليه وسلم، جعل أو بعد أن بعث النبي عليه الصلاة والسلام، جعل القرآن جميعًا الذي في مرتبة الكتابة، جعله على قول ابن عباس في بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزله بحسب الحوادث، أنزله منجمًا منجمًا. قال ابن عباس: ثم أنزله منجمًا، أي على حسب الحوادث. وأيضًا المرتبة الثالثة، أن الله عز وجل تكلم به، مرتبة الكلام. فهي ثلاث مرات. فالقرآن كلام الله عز وجل، حروف وكلمات، وكلامه سبحانه وتعالى بحرف وصوت، كما بيّن ذلك العلماء رحمهم الله. وبهذا إن شاء الله انتهينا من الكلام على كلام الله جل وعلا، وعلى القرآن. الله تعالى أعلم.