الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 72، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح القاعدة وجوب مواساة من انكسر قلبه أو تشوقت نفسه، مستندة إلى آيات المتعة للمطلقة وإقامتها في بيت زوجها المتوفى سنة، والنفقة للزوجة في العدة، وإكرام ذوي القربى واليتامى عند القسمة. وتؤكد أن الشريعة جاءت لجبر الخواطر ورعاية المشاعر الإنسانية.
تبين الآية حق الأرملة في البقاء بمنزل زوجها سنة مع النفقة، إلا أن جمهور المفسرين يرون نسخ هذا الحكم بآيات المواريث التي ضمنت لها الربع أو الثمن. كما يوجب الشرع النفقة والكسوة للمطلقة رجعياً أو الحامل طوال فترة العدة، وكل ذلك من باب جبر خاطر المرأة.
يفصل المقطع مفهوم جبر الخاطر مبيناً الفرق بين الواجب والمستحب، ففرض النفقة على المطلقة والحامل وجوباً، والمتعة استحباباً، وأورد آية القسمة لإعطاء ذوي القربى واليتامى والمساكين. وربط آية إعطاء الحق يوم الحصاد بالزكاة الواجبة إن بلغ النصاب والصدقة المستحبة إن لم يبلغ، مستدلاً بقصة أصحاب الجنة الذين عوقبوا لمنعهم حق الفقراء.
بسم الله. القاعدة الثامنة والثلاثون: قد دلت آيات كثيرة على جبر خاطر المنكسر قلبه، ومن تشوقت نفسه لأمر من الأمور إيجاباً أو استحباباً. وهذه قاعدة لطيفة اعتبرها الباري وأرشد عباده إليها في عدة آيات. منها المطلقة؛ فإنه لما كانت في الغالب منكسرة القلب، حزينة على فراق بعلها، أمر الله بمتعتها: على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره، متاعاً بالمعروف. وكذلك من مات زوجها عنها؛ فإن من تمام جبر خاطرها أن تمكث عند أهله سنة كاملة، وصية ومتعة مرغباً فيها. وكذلك أوجب الله للزوجة على الزوج النفقة والكسوة في مدة العدة، إذا كانت رجعية أو كانت حاملاً مطلقاً. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فهذه القاعدة من الأخلاق الفاضلة، وكذلك من القواعد التي حث عليها القرآن. ومعناها كما ذكر: قد دلت آيات كثيرة على جبر خاطر المنكسر قلبه. كما أن الانكسار يكون في الأواني، في الزجاج، كذلك يكون في القلب. إنسان منكسر قلبه، بمعنى: أتى ما يؤلمه، وأتى عليه ما يقلقه من فقر مثلاً، من حاجة، من كلمة جارحة كسرت قلبه، فهو يريد من يجبر خاطره. إيش معنى يجبر خاطره؟ يعني يلم هذا الكسر، يلمه ويبعده. وكذلك من تشوفت نفسه لأمر من الأمور. ما معنى تشوفت؟ يعني تشوقت. تشوقت مثلاً: الآن يريد كلمة طيبة، تشوفت منه أنه يريد كلمة طيبة، تشوف إليها، فأعطي هذه الكلمة. به جوع، يريد ما يسد به جوعه، تشوف للطعام، يعني تعرض لك مثلاً، أو ذكر لك ما يدل على ذلك ولو بالإشارة، ليس بصريح العبارة. فهذا معنى تشوفت: يعني تشوقت وتاقت نفسه لهذا الأمر. فإن القرآن حث على إعطاء المنكسر ما يريد. وذكر المؤلف لهذه القاعدة أمثلة كثيرة، فذكر منها: المطلقة، المرأة التي يطلقها زوجها. فلم يجعل الشرع هذه المرأة مجرد أن تطلق، خلاص، ليس لها حقوق، وليس لها أي اعتبار أبداً. وإنما هذه المطلقة لا شك أنه في الغالب يكون قلبها منكسراً، تكون حزينة على فراق زوجها، بعلها، أي زوجها. فحتى يجبر خاطرها، حتى يجبر خاطرها، جعل لها الشرع متعة. والمتعة هو متاع يعطيها إياه الزوج الذي طلقها، بالعرف، بحسب حال الزوج: إن كان موسراً، بمعنى غني، يعطيها ما يناسب مقامه من الغنى، وإن كان مقتراً، يعني فقيراً، يعطيها على قدر حاله. هذا ورد في سورة البقرة. قال الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ﴾. متاعاً بالمعروف، هذا من باب جبر الخاطر، من باب ماذا؟ جبر الخاطر. كذلك ذكر: من مات زوجها عنها، امرأة مات عنها زوجها. هنا قال: من تمام جبر خاطرها أن تمكث عند أهله سنة كاملة، وصية ومتعة مرغباً فيها. هذا وردت آية اختلف المفسرون فيها، وهي في سورة البقرة أيضاً، في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. هذا في سورة البقرة: متاعاً إلى الحول غير إخراج. بمعنى أن المرأة تمكث في بيت زوجها سنة كاملة، متاعاً إلى الحول، يعني إلى السنة، غير إخراج، يعني ما تخرج من بيت زوجها. كيف لا؟ انتبه، نشرح، لا تستعجل، وخلق الإنسان عجولاً. فقلنا: هذه الآية اختلف المفسرون فيها، فكثير من أهل التفسير يرون أن هذه الآية منسوخة. إيش معنى منسوخة؟ يعني نسخ حكمها. كان هذا الأمر في أول الأمر: أنها تمتع في بيت زوجها، تجلس، وينفق عليها من مال زوجها سنة كاملة. ثم لما نزلت آيات المواريث، نسخت هذه الآية، ونسخ هذا الحكم. فإذا مات الزوج، تعطى من الإرث. وهذا أيضاً من جبر خاطرها، قد يكون هذا الإرث يغنيها ويكفيها أكثر من سنة، صح؟ إذا كان عنده مال، فالله عز وجل جعل لهذه الزوجة إما الربع، وإما الثمن: لها الربع إذا لم يكن له ولد، ولها الثمن إذا كان له ولد. فوضح هذا الآن: هذا أيضاً من جبر خاطرها، وهذا هو الصحيح: أن هذه الآية منسوخة، كان في أول الأمر، ثم نسخت بآيات ماذا؟ بآيات المواريث. وإنما ذكر هذا المؤلف لأن حكمها كان موجوداً قبل نسخها، فهو من جبر الخاطر. ما الحكم من هذا الحكم قبل أن ينسخ؟ ما هي العبرة؟ جبر الخاطر، حتى يجبر خاطر هذه المرأة. فإذا استدلال المؤلف بهذا ليس منتقداً، صحيح لأن الحكم هذا موجود قبل النسخ، وبعد النسخ وجد جبر خاطر هذه المرأة التي مات عنها زوجها بإعطائها الإرث، وهذا أيضاً من جبر ماذا؟ خاطرها. وهذا أيضاً من جبر خاطرها، فهذا أيضاً من باب جبر الخاطر. ثم ذكر كذلك: أوجب الله للزوجة على الزوج النفقة والكسوة في مدة العدة، إن كانت رجعية أو كانت حاملاً مطلقاً. ما معنى هذا الكلام؟ رجل طلق زوجته، الزوجة الأولى، الشرع أن هذه الطلقة تسمى طلقة رجعية، تبقى الزوجة في العدة ثلاثة قروء. طيب، ثلاثة قروء يعني ثلاث حيضات. طيب، في هذه المدة، هل المرأة تذهب عند بيت أهلها؟ لا، السنة أن تبقى المرأة في الطلاق الرجعي في بيت زوجها، ما تذهب إلى بيت أهلها إلا إذا انتهت العدة، خلاص بانت منه بينونة صغرى، تذهب عند أهلها. لكن في فترة هذه العدة تبقى في بيت زوجها. طيب، هو ما يريد، ما يريدها، الله أطلقها، ما يقربها ولا يعاشرها ولا شيء. فنقول له: يجب عليك أن تنفق عليها، تأتي لها بالغذاء والعشاء والصبوح، وإذا احتاجت كسوة، جاء عيد أو كذا، تشتري لها كسوة. هذا كل ماذا؟ جبر لخاطرها. فهمتم هذا الآن؟ هذا إذا كانت رجعية، وكذلك إذا كانت حاملاً، سواء كان رجعية أو غير رجعية، وهذا معنى مطلقاً. إذا كانت حاملاً من هذا الزوج، وطلقها، طلقها الزوج وهي حامل. طيب، ولو بانت منه، يعني خلاص، الطلقة الأخيرة تمام، فإنه يجب عليه أن ينفق على هذه المرأة، لماذا؟ لأنها تعاني من آلام ولده، فجبراً لخاطرها تعطى هذه النفقة، تعطى هذه النفقة. فهمتم هذا الآن؟ وهذا أيضاً من جبر خاطر المنكسر، فهي منكسرة بطلاقه إياها، فأوجب عليه الشرع أن ينفق عليها. وهذا معنى قوله: إيجاباً أو استحباباً. المتعة صحيحة أنها على سبيل الاستحباب، المتعة يعني في المطلقة، لكن النفقة في المطلقة واجبة، واجبة، كذلك في الحامل واجبة. فهذا معنى قوله: إيجاباً أو استحباباً، يعني بعض المسائل شرع الله عز وجل جبر الخاطر على سبيل الاستحباب، وبعضها شرع الله جبر الخاطر على سبيل الوجوب، على سبيل الوجوب. ثم ذكر مثالاً آخر: قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾. هم ليس لهم نصيب من هذه القسمة، جاء مسكين، جاء مسكين أو يتيم أو من ذوي القربى، وأنت تقسم مثلاً قسمة، مثلا تجارة، الآن أنت وآخر في شراكة، أتيتم برأس المال، تقسمونه: كم لهذا وكم لهذا؟ حضر يتيم، فمن باب جبر خاطره تعطونه شيء، ولو يسير، لأنه حضر القسمة وأنتم تقسمونه. موجود أنت معك مزرعة، ثلث لك وثلث للعامل وثلث للمزرعة، الآن قسمتموه، جاء مسكين أو يتيم أو فقير أو محتاج، تعطونه من هذه القسمة، تقسمون له ولو شيء يسير، هذا جبراً لماذا؟ لخاطره. واضح هذا الآن؟ هذا أيضاً مما يستدل به في هذا الباب. أكمل: ويدخل الواجب والمستحب، ويدخل الواجب والمستحب في مثل قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وكذلك إخباره عن عقوبة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليسرمنها مسبحين، وتواصوا أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. نعم، قوله: ويدخل الواجب والمستحب في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، يعني أنت معك مزرعة فيها نخيل، جاء وقت إخراج ثمار هذا النخيل. الواجب في هذا النخيل إذا بلغ النصاب، النصاب والنصاب هو ماذا؟ ستون وسقاً، والوسق كم صاع؟ يعني جاء في نصاب الزرع ستون صاعاً، ستون وسقاً، نعم ستون وسقاً، والوسق ستون صاع. طيب، فإذا بلغ هذا الثمر بلغ النصاب، فوجب إخراج الزكاة منه، وجبر خواطر الفقراء والمساكين. تمام. وإذا لم يصل النصاب، ليس معنى أنك لا تخرج شيء، معك أقل من نصاب الثمار، تخرج شيئاً مستحباً، جبراً لخواطر ماذا؟ الفقراء والمساكين والمحتاجين. فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قوله: يضق الواجب في مثل قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فالحق هذا قد يكون واجباً إذا كان زكاة، وقد يكون مستحباً إذا لم يكن زكاة، وإنما هو صدقة مطلقة، وإنما هو صدقة مطلقة. وكذلك إخباره عن عقوبة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنها، إنهم أصبعين؟ لماذا الله عز وجل دمر عليهم هذه الحديقة؟ لأنهم نووا ألا يعطوا الفقراء والمساكين حقهم، ما أرادوا جبر خواطر الفقراء والمساكين، فعوقبوا بأن الله عز وجل أهلك عنهم هذه الجنة، كما في سورة نون. طيب، أخذ عنهم هذه الجنة عقوبة لأنهم لم يجبروا خواطر الفقراء والمساكين. كم باقي من هذا؟ أخذ سكفي هذا، شاء الله، وكم البقية؟ الأمثلة، اشترسوا الله، اشتروا في القناة، اشتروا في القناة.