التعليق على الجواب الكافي 128

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 128، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطورة فراغ القلب و أهمية الخواطر الصحيحة

يناقش أهمية ملء القلب بالخواطر الصحيحة وتحذيرًا من إفراغه منها، حيث يستولي الشيطان على القلب الفارغ. كما يبين أن بعض المتصوفة غلوا في هذا الباب وادعوا أنهم يصلون إلى مراتب تسقط عنهم الواجبات.

أثر الخواطر والأفكار على الإيمان وخشوع الصلاة

يشرح كيف تؤثر الأفكار والخواطر على خشوع الصلاة وإيمان الإنسان، ويفرق بين الأفكار التي تخدم هوى النفس وتلك التي تعزز الإيمان وطاعة الله. كما يبين أن تزاحم الأفكار يمكن أن يكون دليلاً على كثرة تفكير الإنسان في أمور الآخرة.

مفهوم الزهد وعلاقته بالمال والفقر

يناقش أن الزهد ليس مرتبطًا بالفقر، بل هو ترك ما يشغل عن الله، ويمكن للإنسان أن يكون زاهدًا مع وجود المال والتجارة. كما يضرب أمثلة على ذلك من السلف الصالح.

تحذير من ربط الحركات بالعبادات

ينصح بعدم ربط حركة معينة بقراءة القرآن أو ذكر الله، ويشير إلى أن بعض الجماعات جعلت من التحرك أثناء الذكر عبادة، مما قد يؤدي إلى بدعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد، فذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في «الخطرات» أنه ينبغي للمسلم والعاقل أن تكون خطراته لا تتجاوز أمورًا خمسة: الفكر في آيات الله عز وجل المنزلة، والفكرة في آياته المشهودة والاعتبار بها، وكذلك الاستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته وإحسانه. والأمر الثالث: الفكرة في آلائه وإحسانه وإنعامه على خلقه. وآحاد الأنواع الثلاثة تستوجب للقلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه. وأيضًا كذلك الأمر الرابع: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل. والأمر الخامس: وهو الفكرة في واجب الوقت ووظيفته، وجمع الهم كله عليه. ثم ذكر رحمه الله شيئًا من أمور النفس وتقاسيمها، وذكر أن هناك مثل الحرب بين النفس المطمئنة والنفس الأمارة بالسوء، وبينهما النفس اللوامة. وبينهما النفس اللوامة، كلما كانت النفس لوامة أكثر، كلما مالت إلى النفس المطمئنة، وكلما قل لوم النفس، كلما كان ميلانها إلى النفس الأمارة بالسوء. ثم أراد أن ينبه على مسألة وهي مسألة خطيرة يقع فيها كثير ممن هو على خير أو نيته حسنة، فيسلك مسلكًا ليس بصحيح، وهو ما سلكه بعض المتصوفة، فإنهم غلوا في هذا الباب حتى خرجوا عن الأمر الصحيح. فهم ظنوا أنهم يحفظون هذه الخواطر والأفكار، أنهم لا يمكنون خاطرًا يدخل قلوبهم حتى تصير القلوب فارغة، ليست فيها خواطر أبدًا. أنا يوقف كل خاطر ولا يفكر في شيء. ولهذا دخل عليهم الباطل، دخلت عليهم الأفكار الباطلة؛ لأنه لا بد أن يفرغ هذا القلب، إما أن يملأه هذا القلب بأفكار الحق، أفكار التي ذكرها الإمام ابن القيم، وهي الخمسة. إذا ملأها بذلك، فقد ملأ قلبه إيمانًا. وأما إذا أبعد الفكرة عنها وتركها فارغة، فلا شك أن الشيطان استولى عليها. وهذا الذي حصل مع أهل التصوف، استولى عليهم الشيطان من جهة أخرى، فملأها بالباطل، وملأها بما يسمونه بالمكاشفات، وبأيضًا كذلك ما يسمونه أيضًا بالذوق. حتى إنه صاروا يفكرون أن هناك يفكرون في أشياء بعيدة جدًا، ويظنون ويعتقدون أن الرجل يمكن أن يبلغ مرتبة من المراتب التي لم يبلغها لا نبي مرسل ولا أيضًا غيره من الصالحين من الصحابة وغيرهم، فيكون وليًا لله، لكن مرتبته كبيرة جدًا، يمكن أنه يكلم الله، يكلم النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كله خيال. أفرأيت معنى جعل الشيطان لهم هذا الباطل، وخيل لهم هذه الأمور؟ وخيل لهم أيضًا أن الإنسان قد يصل إلى مرتبة تسقط عنه الواجبات، تسقط عنه الشرائع. ولهذا عندهم يسمون بأهل الشريعة وأهل الحقيقة. وهذا كله بسبب أنهم تركوا الخواطر الصحيحة وفرغوا قلوبهم منها، فأملأها الشيطان عليهم بمثل هذه الأوهام. قال رحمه الله: «وأوهمهم أن كمالهم في ذلك التجريد والفراغ، وهيهات وهيهات، ليس هذا أبدًا هو الكمال. وإنما الكمال في امتلاء القلب والسر من الخواطر والإرادات، والفكر في تحصيل مراضي الرب تعالى من العبد، في تحصيل مراضي الرب عز وجل من العبد، أنه يملأ أفكاره وخواطره وقلبه بما يكون فيه طاعة لله جل وعلا». وأعظمها ما ذكر الإمام رحمه الله: الخمس الأشياء التي جاء فيها الفكر بالله جل وعلا. وقد ذكر رحمه الله في كتابه «الفوائد» عدة أمور تتعلق بهذا، لكن لا نريد النظر في هذا الباب. قالوا: من الناس من يفكر في طرق ذلك للوصول إليه. فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفكر وإرادات لذلك. كما أن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكرًا وإرادات لحظوظ نفسه وهواه أين كانت. والله المستعان، إذا كما تقدم: قبل أن نفسك إن أشغلتها، وإن لم تشغلها بالحق أشغلتك بالباطل. هذه النفس إن لم تشغلها بالحق أشغلتك بالباطل. فلهذا إذا فرغ الشخص قلبه من الفكر في الآخرة والفكر في الله عز وجل، شغل بأشياء هو غني عنها، لكن بسبب الفراغ شغل بهذه الأشياء. وهذا جزاء وفاق، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث زيد بن ثابت: «من كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن جعل الدنيا همه، فرق الله شمله، فرق الله شمله في كل شيء، حتى في خواطره، فإنها تتشتت عليه، تتشتت عليه الأمور، لا يستطيع أن يجمع. وكذلك في أرحامه، لا يستطيع أن يجمعهم. وكذلك أيضًا في أفعاله وأعماله، يتشتت عليه كل شيء». فقال: «من كان همه الدنيا، فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأت من الدنيا إلا ما كتب له». فلهذا، وهذا كله كما قلنا: من أشغل فكره بالآخرة وبالله عز وجل، فإنه يمتلئ قلبه بالإيمان. وكل من كان فكرته أعظم، كان إيمانه أعظم. وأما من أشغل نفسه أو سد هذا الباب، وأدخل باب المحبة الذي أدخله أهل التصوف، حتى خرجوا إلى الزندقة، ظنوا أن كل شيء هو المحبة لله، وأفرغوا قلوبهم من التفكر في آيات الله عز وجل والتدبر في آياته، وأفرغوا أنفسهم أيضًا من التدبر في الآيات المشهودة، وأفرغوا أنفسهم أيضًا كذلك من التدبر لآيات الله عز وجل وإحسانه على الخلق وإنعامه عليهم. فأظنوا أن هذا إنما يكون لغيرهم وليس لهم. والمهم أن هذا الباطل الذي أدخلوه على أنفسهم، دخل عليهم بعد ذلك الباطل من كل باب. ولهذا يستغرب الإنسان أن يكون شخص يفكر في مثل هذه التفكير، كيف يتسنى لشخص يعرف العلم ويعرف الدين، وهو يقول: إن هناك أن الشخص يكون في مرتبة تسقط عنه الواجبات؟ هذا كلام ليس كلام إنسان عاقل. لو كانت هذه الواجبات تسقط، لسقطت على الأنبياء والمرسلين. ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله دائمًا يذكر هذه القصة؛ لأن فيها عبرة، ورد على هؤلاء المتصوفة. هذه القصة حصلت للجنيد، وهو لسان القوم، أنه من أهل التصوف، لكنه عنده اعتدال، شيئًا ما عنده اعتدال في عقيدته وفي كذا. فالجنيد سمع هاتفًا يقول له: «يا عبدي، قد أحللت لك المحارم». هكذا بالصراحة، معنى في مناجاته لربه جل وعلا، وانشغاله بالمناجاة، جاءه هذا الهاتف، لا يدري من أين. فقال: «يا عبدي، قد أحللت لك المحارم». فقال الجنيد: «اخسأ عدو الله». قال: «اخسأ عدو الله»، لأنه عرف أنه الشيطان. فقال له: «كيف عرفت أنه الشيطان؟» فقال رحمه الله: «لو كان الحلال يسقط عن أحد، لسقط عن نبي الله صلى الله عليه وسلم، وعن الأنبياء، لأسقطه الله عز وجل عن الأنبياء، فكيف يسقط عن غيرهم؟» فلهذا عرف أنه شيطان. وهذا الذي لعب بعقول هؤلاء المتصوفة، حتى جاءتهم مثل هذه الأفكار الغريبة. قال رحمه الله: «كما أن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكرًا وإرادات لحظوظ نفسه وهواه أين كانت». معنا إذا نقص من هذا، دخل، دخلت عليه الأفكار الباطلة. ودخل عليه الأفكار التي تخدم هواه ومصلحته. معنا ما يريد به مصلحته وهواه، فيدخل عليه الشر من ذلك. وحظوظ النفس والهوى. قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. فمن حفظ نفسه من أهوائها، ومن لذاتها، ومن شهواتها، فإنه لا شك أنه سينجو بإذن الله جل وعلا. وهذا وعد الله سبحانه وتعالى. قال: «ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى». قال: «وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كانت تتزاحم عليه الخواطر في مرضات الرب تعالى». وهذا أهل الصلاح معنا، من شدة ما كثرت الخواطر تتزاحم عليه، أنا ما يستطيع معنا من كثرتها. تأتي معنا الآيات المجهودة، والآيات التي يتدبرها ويستنبط منها الأحكام. وأيضًا كذلك يعلق فكره بالله جل وعلا في أعماله: هل عمل أو لم يعمل؟ وكذلك أيضًا يعلق قلبه بطاعة الله جل وعلا جميعه. فتتزاحم عليه الأفكار؛ لأنه عرف أنه لله، عرف أنه موجود، هو لله عز وجل عبدًا لله، فهو يعبد الله عز وجل، وفكره لله، ليس فكره لنفسه ولا لمصلحته ولا لشخصيته، وإنما فكره لله عز وجل. تفكيره كله: كيف يرضي الله؟ كيف يرضي الله عز وجل؟ فلهذا تتزاحم عليه الأفكار. قال: «وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كانت تتزاحم عليه الخواطر في مرضات الرب تعالى، فربما استعملها في صلاته». وهذا لا يدل على أنه ليس بخاشع، لا يدل على أنه ليس بخاشع، لا. بل النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى ذات يوم، فذكر تبرًا كان معه في بيت، لم يخرج التبر، هو ذهب. فصلى مسرعًا، ثم خرج، صلى وسلم وخرج مسرعًا. وهذا يدل على أنه فكر في هذا التبر، ما أراد أن ينام ويبقيه، وهو تبر للصدقة، أنا ذهب جاء للصدقة. فلما فكر فيه، خرج وسلم وخرج من الصلاة مسرعًا. وهذا تتداخل عليه هل الصلاة هو في صلاة، في خشوع، في تدبر؟ وتأتي عليه التزاحم. وأيضًا أشياء لله عز وجل طاعة لله. ولهذا عمر رضي الله عنه قال عنه -كما ذكر الإمام البخاري في صحيحه-: «إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة». يجهز الجيش، هذا في اليمنى، وهذا في اليسرى، وهذا كذا، هذا أصلح، وهو في الصلاة. ولهذا قال العلماء -فما ذكر الحافظ ابن رجب عن جماعة من السلف وغيرهم-: «إن الانشغال في الصلاة، ليس المراد به الانشغال بالآخرة وأمور الآخرة، وإنما الانشغال في الصلاة يكون بأمور الدنيا، هذا يكون ترك الخشوع. ترك الخشوع هو التفكر في أمور الدنيا: سأذهب هنا، وسأتي بهذا، وأذهب هناك، وأأتي بكذا، وكله من أمور الدنيا. فإذا كان التفكير في أمور الدنيا، هذا يعتبر ترك خشوع. وأما إن كان يفكر في أمر الآخرة، حتى ولو سهى قليلًا عن بعض العيادات، فهو يفكر في أمر الآخرة، فهو لا زال في خشوع، لا زال في خشوع لله عز وجل؛ لأنه يفكر بالله». ولهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من توضأ هذا الوضوء، ثم صلى ركعتين، لم يحدث بهما نفسه -انظر إلى هذا الوصف- قال: لم يحدث بهما نفسه -لمصلحة النفس، معنى أمور الدنيا وحظوظ النفوس- قال: لم يحدث بهما نفسه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه». فهذا يدلك على أن الخشوع متى يترك؟ إذا كان التفكير في أمر الدنيا، فهذا ترك الخشوع. وأما إن كان في أمر الآخرة، مثلًا الإنسان يصلي ويذكر بعض المسائل في الفقه، وذكر تذكر أدلة هذه المسائل، هذا لم يبعد عن الصلاة، ولم يخرج عن الخشوع. لكن لو كان كان يفكر مثلًا: ماذا سيتعشى؟ ماذا سيتعشى الغداء اليوم؟ أو يفكر في مثل هذه الأشياء، فهذا تفكير في الدنيا، وهذا ترك الخشوع. فقال: «فربما استعملها في صلاته، فكان يجهز جيشه وهو في الصلاة، فيكون قد جمع بين الصلاة والجهاد، جمع بين عبادتين عظيمتين في نفس الوقت». وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة الواحدة. قال: «وهو باب عزيز شريف، لا يدخل منه إلا صادق حاذق القلب، متضلع من العلم، عالي الهمة». وهذا لأجل كثرة أفكاره في الله، وخواطره كلها لله. لكن لكثرتها أحيانًا تتزاحم عليه. وهذا الكلام قد يقول الإنسان: «إيش هذا الكلام؟ أو كلام قد يكون كبير». لا، ليس كبيرًا أبدًا، بل هذا واقع، هذا واقع يطبقه الإنسان في عمله وفي قلبه. فكم من إنسان له خواطر وأفكار يفكر بها، لكن من الناس من أفكاره إلى الآخرة وإلى الله، معنا يفكر في دين الله، يفكر كيف يصلح نفسه، يرضي الله عز وجل بإصلاح نفسه. وهذا أعظم وهم، وهذا الذي بينه الشيخ في الفكر في عيوب النفس والأعمال الصالحة. أنا كيف هذه النفس مع الأعمال الصالحة؟ كيف هي مع الذنوب؟ هل تبتعد من الذنوب أم تحتاج أو تريد هذه الذنوب؟ فهذا من أعظم الأشياء التي أيضًا يفكر فيها الإنسان. فلهذا كلما كثرت أفكار الإنسان في مثل هذه الأمور، كلما كان امتلأ قلبه بالإيمان. وكلما تزاحمت هذه الأفكار، كلما ازداد إيمانه وازداد يقينه بالله وبموعود الله. فهذا من أعظم الأمور التي يستعين بها العبد على الإيمان، ولا يجعل خواطره للدنيا فقط، الإجساد كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. معنا: اجعل عملك للآخرة، لكن لك أمور في الدنيا هي مباحة، لكن ممكن أن تستعملها لله. الزوجة الصالحة تعمرها بالمعروف، وتنهاها عن المنكر. أيضًا كذلك ما يكون من الدنيا من المال، من التجارة بالحلال. وأيضًا تستعمل هذه الأموال في طاعة الله. كم من صحابي من الصحابة رضي الله عنهم كان يشتغل في التجارة، وهو صحابي؟ هذا الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه كان يعمل في التجارة، ليس عيب. مثلًا إنسان يعمل في التجارة وفي كذا، لكن لا تشغل هذه التجارة عن ما هو أعظم وأهم، بل يسخر هذه التجارة في طاعة الله. «رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة». فتجد يسخر هذه التجارة لأجل الله. ولهذا جاء عن كثير من السلف، مثل ما جاء عن ابن مبارك وغيره: «كان يقول: والله لولا فلان وفلان ما اتجرت». يريد يسمي ناس من العلماء، لأجل أن يكفي هؤلاء العلماء حتى لا يذهبون لهنا ولا هنا، أو يجعلون وجوههم عند أناس لا يستحقون، يتاجر لأجل أن يكفيهم. يقول: «والله لولا فلان وفلان -أي من العلماء- ما اتجرت». وكذلك يقول الليث بن سعد: كان تاجرًا كبيرًا، سخر تجارته لأهل العلم، سخر هذه التجارة يعطي أهل العلم أموالًا؛ لأجل أن لا يسأل أحدًا. ولهذا كان مالك رحمه الله لا يأخذ من أحد شيئًا إلا من الليث بن سعد؛ لأنه عرف نيته، وعرف أنه لا يمن عليه بإعطائه. فهؤلاء صيروا قلوبهم لله، وإراداتهم وخواطرهم لله سبحانه وتعالى، حتى جعلوا أمر الدنيا للآخرة، جعلوا أمر الدنيا للآخرة، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا. بل ﴿تُؤْثِرُونَ حَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. هؤلاء ما آثروا الدنيا أبدًا، بل جعلوها لله عز وجل. فهذا كانت قلوبهم كلها لله، إراداتهم كلها لله، خواطرهم كلها لله، فامتلأت قلوبهم إيمانًا وتحقيقًا، وامتلأت أيضًا جوارحهم كذلك. فتجد أيضًا هذا يؤثر على الظاهر، إذا امتلأ قلب العبد إيمانًا، أثر في ظاهره، فعمل لله عز وجل. فلهذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «وهو باب عزيز شريف، أي هذا الباب الذي تتزاحم فيه الخواطر والأفكار التي تكون لله عز وجل». وإذا رأى خواطر غريبة، سكت عنها، سكت عنها وابتعد، وجعلها كأنها لا شيء. الإنسان تأتيه خواطر، شكوك كذا، لكن يبتعد عنها. ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة: أن الصحابة جاءوا إلى رسول الله، وقالوا: «يا رسول الله، إنا لنلقى في قلوبنا أشياء لو أننا نخر من السماء إلى الأرض، وأننا نتكلم به». معنى ما نستطيع أن نتكلم بهذا، الإنسان يجد أشياء وشكوك في قلبه، لكن لا يخرجها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله الذي جعل كيده في الوسوسة». وجاء في لفظ: «أنه قال عليه الصلاة والسلام: ذاك صريح الإيمان». ذاك صريح الإيمان، إذا أراد الشيطان أن يشكك العبد في خواطره وفكره، رده خاسئًا، جعل هذا وسوسة فقط، لا أثر لها، لا أثر لها في خارج الإنسان. فلهذا يستفيد هذا العبد، وأيضًا يضغط على الشيطان، ويغلب الشيطان بإيمانه. وكيد الشيطان يذهب هباء منثورًا، مجرد وسوسة يوسوس بها فقط. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة». فلهذا فهؤلاء أهل الإيمان، وهل الخواطر العظيمة التي عرفوا كيف يفكرون في هذه الخواطر؟ قال: «وهذا باب عزيز شريف، لا يدخل منه إلا صادق حاذق القلب، متضلع من العلم، عالي الهمة، بحيث يدخل في عبادة، فيظفر فيها بعبادات شتى». وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. الناس يصلون جميعًا، لكن ليس كلهم سواء، ليس الناس كلهم سواء في صلاتهم. منهم من يجعل صلاته كلها لله، وأيضًا يخشع لله عز وجل في صلاته، يحاول أنه لا يدخل الدنيا بابه أبدًا، وقلبه أبدًا في وقت الصلاة، يسكر عليها الأبواب. ومن الناس من يتعمد إدخال الدنيا في صلاته، يتعمد يعرف أنه يفكر فيها، ويزيد في تفكيره، ويعلم أن الشيطان يلعب به في صلاته، وهو يزيد في لعب الشيطان. فالناس لا يستوون في صلاتهم. ولهذا جاء في حديث ابن حبان، الذي أخرجه ابن حبان: «أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إن الرجل ليصلي، فلا يكون له من صلاته إلا نصفها، وثلثها، وربعها، وخمسها، وسدسها، وسبعها، وثمنها، وتسعها، وعشرها». أنا ما كما ذكرنا قبل أن الإمام الشوكاني قال: «أجمع العلماء على أنه ليس للرجل من صلاته إلا مع عقل». فلهذا قد يصلي، وما يحصل إلا على نصف الأجر، نصف أجر الصلاة. يصلي، ولا يتحصل إلا على عشر الصلاة، معنى ذلك أنه قد يصلي، ولا يتحصل على شيء من الوجود؛ لأنه يدخل الصلاة ويخرج، وهو لا يدري ما قال، ولا ما قرأ، ولا كيف صلى. فهذا كما قلنا أيضًا: ما يدلك على أن الناس يختلفون في مثل هذه الإرادات. يقول: هل يلزم من الزهد أن يكون مقترنًا بالفقر؟ هذا معنى جوابه في الكلام الذي تقدم. فالزهد ليس فقرًا، ممكن الإنسان يعمل في الدنيا، وهو من أكثر الناس زهدًا. هذا كما قلنا: بل الصحابة رضي الله عنهم، أبو بكر الصديق، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، كان تاجرًا. الزبير كان من أتجر الصحابة. كذلك عبد الرحمن بن عوف، رحمن بن عوف أيضًا كان تاجرًا كبيرًا، من تجار الصحابة. وغيرهم من هؤلاء المبشرين بالجنة، الذين بشرهم نبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. فكل هذا أيضًا من السلف، من ذكرنا وغيرهم، يدلك على أن ليس الزهد في الدنيا هو الفقر، لكن الفقر من الأسباب التي تجعل العبد يزهد في الدنيا، معنا من الأسباب، لكن ليس هو، لا يلزم من الزهد الفقر. بل قد يكون الإنسان عنده أموال، وعنده تجارة، وهو من أكثر الناس زهدًا في الدنيا. لماذا؟ لأن ليس المراد هو المال وكثرة الأموال، وهو ترك كثرة الأموال، لا. وإنما الزهد هو ترك ما يشغل عن الله، ترك ما يشغلك عن طاعته، فهذا هو الزهد. قال: «ما حكم تحريك الرأس عند قراءة القرآن؟» مسألة التحريك خاصة في الصلاة، لا ينبغي للإنسان أن يتحرك في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسكنوا في الصلاة». أخرجه مسلم. فالذي ينبغي للمصلي أن يسكن في صلاته، سواء كان في قراءة أو في غيرها. ومسألة التحريك هذه أيضًا من الأخطاء التي يكون في القراءة. لكن لو كان مثلًا الإنسان ما يتعمدها، ما في شيء. لكن يتعمد الحركة، بعضهم يتحرك حتى ليس في رأسه، يتحرك كله. ويقال: الله لم يثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو في الشرع يقال: إن هذا من فعل اليهود، هم الذين كانوا يتحركون في قراءة التوراة. وأما أهل الإسلام، فلم يأت شيء عنهم أن الإنسان إذا قرأ القرآن تحرك. وإنما هذا غالبًا من فعل اليهود. وكذلك تبعهم النصارى؛ لأن النصارى غالبًا يقلدون اليهود في أمورهم؛ لأن النصارى جهال، ويظنون أن اليهود قدوة لهم فيأخذون دينهم من هؤلاء. والمهم أنه لم يأت شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام في النهي. والله أعلم. لكن ليس أيضًا لم يأت فيه أمر، أو لم يأت فيه استحباب أن الإنسان يقرأ ويتحرك. فالأولى أن لا يفعل ذلك، أن لا يعود نفسه على الحركة مع قراءة القرآن. وقد اتخذها الآن بعض الفرق جعلوا التحرك في ذكر الله عز وجل عبادة من العبادات.