كتاب البيوع 43

كتاب البيوع 43

الدرس في كتاب البيوع 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام انتفاع المرتهن بالرهن وقياس المركبات الحديثة

يشرح المقطع جواز انتفاع المرتهن بركوب الدابة المرهونة وحلبها بنفقته الخاصة استناداً لحديث أبي هريرة، ويناقش عدم إلحاق السيارة بهذا الحكم لاختلاف طبيعة النفقة. كما يذكر خلاف العلماء في انتفاع المرتهن بالعبد أو الأمة المرهونين.

حكم النفقة على الرهن بغير إذن والفرق بين إمكان الاستئذان وتعذره

يبين المقطع أن من أنفق على الرهن بغير إذن مع إمكان الاستئذان لا يرجع بشيء وتعد نفقته تبرعاً، أما إذا تعذر الاستئذان فله الرجوع بحقه. وذكر قولاً للإمام أحمد اختاره ابن القيم بجواز الرجوع إذا لم ينوِ التبرع استدلالاً بكون المنفق نائباً عن المالك.

أحكام النفقة على المرضعة والوديعة وإعمار الخراب بغير إذن

يبين المقطع وجوب نفقة المرضعة وكسوتها على الوارث بالمعروف دون اشتراط إذن، ويشبه حكم الوديعة والبهائم المستأجرة بالرهن في جواز إنفاق الحافظ عليها والرجوع. كما يفصل فيمن عمر رهناً خرب بغير إذن فله قيمة المواد فقط عند الجمهور، بينما يرى بعض الحنابلة جواز الرجوع بالأجرة والخسارة إذا كان الإصلاح لحفظ حق المرتهن.

خاتمة الباب وآخر مسألة

يعلن المتحدث انتهاء المسائل في هذا الباب ويكتفي بما ذُكر من أحكام الرهن والنفقة. ويشير إلى أن الترجمة قام بها نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وللمرتهن أن يركب ما يركب، وأن يحلب ما يحلب بقدر نفقته بغير إذن". معنى المرتهن: كما هو معروف، الذي بيده الرهن عن صاحب الدين، أو الذي بيده يكون الرهن له. "أن يركب ما يركب ويحلب ما يحلب": عن يركب الظهر مثلاً، إذا كان عنده إبل راحلة يركبها، يركبها بنفقته. وركوبه وحلبه يكون بالمعروف، أنه بما لا ينهك المركوب ولا يضعف المحلوب. وأيضاً بنفقته. ما جاء في صحيح البخاري، حديث أبي هريرة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة». أي: ينفق عليه في طعامه وشرابه، وبدل هذا أو العلف أو الحليب، أي: ينتفع به بنفقته. لكن إذا كان ليس فيه نفع، أو أن نفعه لا يحتاج إلى نفقة، فهنا يحتاج إلى إذن. نفقة بغير إذن الراهن؟ هذا الكلام مثلاً في الفرس، في العبل. لكن هل السيارة مثل ذلك؟ هل يقاس السيارة؟ اللي قال: تركب بنفقتها، البترول، كان هو هو السبب. كانت السيارة ليست مثل الإبل والفرس؛ يحتاج إلى علف، يحتاج إلى كذا، وبهذا العلف يركب ويحلب. لكن هذه السيارة ما تحتاج إلى... إذا تحرك، إذا حركها ستحتاج إلى ما يحركها، لو تركها ما تحتاج شيء. فالظاهر أن السيارة لا تكون مثل هذا. سيارة إذا أراد... إذا أراد أن يركبها يكون بإذن. في الأصل أن الراهن لا يتصرف في الرهن إلا بإذن، أقصد: المرتهن لا يتصرف في الرهن إلا بإذن الراهن. إذا أذن له الراهن تصرف. واختلف العلماء فيمن إذا كان الرهن يحتاج إلى نفقة، مثل: أن يكون عبداً أو أمة، فهل ينتفع به؟ أو له حكم مثلاً هذا المركوب؟ فعند جمهور العلماء يرون أن العبد ونحوه ليس للمرتهن أن ينتفع به إلا بإذن الراهن. وهناك رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب البيهقي، أن له أن ينتفع به مقابل النفقة، قياساً على المركوب ومشروب الدر. أي: كيف ينتفع به؟ ينتفع به في الخدمة، يخدمه؛ لأنه يعطيه طعاماً وشراباً. وهل مثلاً إذا كانت أمة، هل له أن يطأها؟ لا، ما يجوز، ما يجوز له أن يطأها؛ لأنها ليست ملكاً. والقول الصحيح أن العبد مثل المركوب، معنى: إذا أنفق عليه من الطعام والشراب، فإنه يخدمه، ينتفع بخدمته. قال: "وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع، وإن تعذر رجع، ولو لم يستأذن الحاكم". "وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع": معنى "مع إمكان الإذن"، معنى "مع إمكان استئذانه" أنه يستأذنه، لكنه لم يستأذنه. مثلاً: كان ينفق على الزرع أو الشجر، أعطاه رهناً شجراً أو زرعاً، فأنفق عليه، معنى: في سقياه، سقياه في كذا، من غير أن يستأذن. فقوله هنا: "فإنه لا يرجع"، معنى: المراد أن حكمه حكم التبرع، معنى: لا يرجع إليه شيء؛ لأنه تصرف بغير إذن. معنى: يعتبرون أن هذا النفقة بنية التبرع، فإذا كان بنية التبرع ليس له أن يرجع له بشيء. وإن كان مثلاً بنية الرجوع، فعل ذلك بنية الرجوع، فليس له الحق أيضاً، لماذا؟ لأنه مفرط، فهو قادر على الاستئذان ولم يستأذن، فلذلك في كلا الأمرين أنه لا يرجع، لا يرجع له بشيء، ويعتبر فعل هذا تبرعاً. هذا إذا كان يستطيع الاستئذان. لكن إذا تعذر الاستئذان، فله أن يطالبه بحقه. على مثلاً: أن يكون صاحب المال أو الراهن هذا غير موجود في البلاد، ولم يستطع أن يصل إليه، فهنا لا يكون مفرطاً. "ولو لم يستأذن الحاكم": يعني ليس شرطاً أن يستأذن الحاكم، لكن ينفق عليه، ويحسب هذه النفقة على المالك، على الراهن. وهناك قول للإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن القيم: أن له الرجوع إذا لم ينوِ التبرع. أن له الرجوع، معنى: يرجع إليه ماله إذا كان لم ينوِ التبرع، ولو لم يستأذنه. قالوا: لأنه نائب عن صاحب الحق، معنى: كأنه وكيل له، والوكيل يرجع حقه. وقد قال الله عز وجل: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]، وهو الآن محسن إليه، أي: لما رأى أن هذا العبد مثلاً أو غيره قد يتضرر بعدم إعطاء الطعام، أو قد يموت الشجر، وقد يموت الزرع بسبب أنه لم يُسقَ، فيقوم من باب الإحسان يسقيه، فهذا ليس... إن أراد الرجوع، أي: رجوع حقه، فيرجع حقه. وهذا أقرب. واستدل أيضاً ابن القيم بقول الله جل وعلا: ﴿ وَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 6]، والله عز وجل لم يستقصد، ﴿ وَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ ﴾ سواء كان بإذن أو بغير إذن، ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾. وقال أيضاً: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 233]، أي: لم يقيد الله عز وجل الاستئذان، فأوجب على الوارث أن يعطي المرضع أجرتها، ولم يقيد ذلك بإذن. ولعل هذا القول هو أقرب: أنه إذا تبرع، أو أقصد: إذا أنفق على هذه الأشياء وهو يريد الرجوع، يريد الرجوع ماله، يحسب الكلفة، فإذا جاء صاحبه يعطيه إياه. قال: "وكذا وديعة، ودواب مستأجرة هرب ربها". فالوديعة كذلك كالرهن، فإذا كان مثلاً عند الرجل وديعة، وكانت هذه الوديعة تحتاج إلى نفقة، واجبة أن أمانة عندهم تحتاج إلى نفقة واجبة، مثل الأغنام وكذا، تحتاج إلى أن ينفق عليه، فينفق عليه، ويحسب على... ويحسب على صاحبها، إلا إنه التبرع، إنه التبرع ما في شيء، معنى: حكمها حكم ما تقدم. قال: "ولو خرب الرهن فعمره بغير إذن رجع بآلته فقط". معنى: إذا مثلاً وضع عنده داراً رهناً، فخربت هذه الدار، فعمرها، وحضر لها مثلاً خشباً وحديداً وكذا، فقال: الحكم له ثمن الآلة، ثمن الآلة، معنى: ما قَصَرَهُ، اللي يخسره يعطى، معنى: ما يعطى زائد، ليس مثل البيع الذي خسره يعطاه، معنى: يعطى كلفة البناء فقط. حتى أن بعضهم يقول: أنه لا يعطى كلفة المعمرين، معنى: العمال الذين يعملون، فهؤلاء العمال عليه، لكن يعطى كلفة البناء. وذهب بعض الحنابلة كالقاضي وغيره: أنه يعطيه عوضاً عليه كله، معنى: على أجرته وأجرة العمال والخسارة التي خسرها؛ لأن ذلك فيه مصلحة الرهن، فإذا لم يفعل ذلك ذهب هذا الرهن. والحافظ ابن رجب في القواعد فصل تفصيلاً أفضل من هذا، فقال: إذا كان هذا الخراب يمكن أن يستوفى من الرهن قيمة الدين مع وجوده، فليس له أن يرجع، معنى: يستفيد من الرهن، وهذه الاستفادة من الرهن يجعلها في... في تعمير هذا الرهن. فإن كان مثلاً هذا الذي فعله زائداً على ما يكون عليه من الدين، فليس له الرجوع، أي: ليس له الرجوع، يكون تبرعاً. لكن إذا كان هذا الرهن بعد الخراب ما يوفي بالدين، بعد الخراب ما يوفي بالدين، فهنا قال: لابد أن يصلحه إن أمكنه ذلك، ويستوفي منه من الدين. فإذا كان مثلاً كما قلنا قد يذهب عليه مصلحة هذا الدين، فهنا يعطيه، معنى: له أن يرجع في ماله، أي: يقول لك: أريد مالي، يحسب الكلفة ويضيفها في هذا الدين، يضيفها في هذا الدين. فهذا إن شاء الله آخر مسألة في هذا الباب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.