الدرس في شرح كتاب التوحيد 188، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف بالحديث عن أهمية الخوف من مكر الله تعالى، حيث يجب على المسلم أن يخشى سلب النعم التي أنعم الله بها عليه. يحذر من الاغترار بنعمة الله وعدم شكرها.
يعرّف المؤلف المكر بأنه التوصل بأسباب خفية إلى الإيقاع بالخصم دون أن يشعر، ويوضح أن وصف الله بالمكر في القرآن يختلف مدلوله بين المدح والذم حسب السياق والمفعول به.
يناقش المؤلف حكم استخدام المكر في التعامل مع الناس، حيث يكون مذموما إذا استخدم في خداع الناس، ومحمودا إذا استخدم لرد المكر عن صاحبه، كما أن الله يوصف بالمكر في حق من يمكر بدينه أو بآياته ورسله.
يختتم المؤلف ببيان أهمية خوف الموحد من مكر الله تعالى، ويطلب من الله النفع بما قاله، ويصلي على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾. في الأبواب السابقة كان الانتهاء من الباب الذي عقده المؤلف رحمه الله تعالى في سرد أدلة التوكل، وكان المراد من ذلكم الباب أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد الإشارة إلى ما يتعلق بمقامات التوحيد الواجبة، فذكر باب الخوف، وذكر باب المحبة، وذكر باب التوكل على الله، فهي من المقامات الواجبة التي يجب على كل سالك إلى الله في توحيده أن يتحلى بها. وها هنا رحمه الله تعالى أضاف لنا بابا، وهي تعتبر من مكملات التوحيد، ألا وهو الخوف من مكر الله، فقال رحمه الله تعالى: باب قول الله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾. وسأتي معنى ما يتعلق بهذه الآية. فالشاهد من ذلكم أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد أن يبين أن العبد ينبغي أن يتحلى بهذا الوصف، أن يكون خائفا من مكر الله جل وعلا. فلا تأمن يا عبد الله من مكر الله، وخاصة من حباه الله بنعمه، بل يبقى المسلم في هذه الدنيا وهو خائف من ربه، من أن الله جل وعلا يسلب عنه النعم، شعر بهذا أو لم يشعر، بأي نعمة حباك الله بها، اعلم يا عبد الله أنها قابلة للسلب والرفع والأخذ والوضع. فمن كان مثلا مهتديا، مصليا، قائما، مقبلا على الله جل في علاه، على صلاح، على فلاح، ليس هذا مدعاء يا عبد الله أن تفتخر على غيرك، أو أن تغتر على ربك، أو أن تظن أن هذه النعمة هي باقية، باقية ستبقى معك إلى أن تلقى الله، لا يا عبد الله، بل ربما كان من زوغان قلبك، ومن عدم ثباتك، ومن قلة علمك، أن الله سبحانه وتعالى حرمك من نعمة الاستقامة، فجعلك ضالا بعد أن كنت مهتديا. فلا تأمن من مكر الله، ولهذا كان من دعاء الصالحين: «ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا». يبقى المسلم خائفا من مكر الله جل وعلا، من سلب هذه النعمة من صدره. وهكذا يا عبد الله، إن حباك الله بالمال الكثير والرزق الوفير، أعطاك الله ما هو قرة عين لك في هذه الدار، فترى أن هذه النعمة هي باقية، أن لها الزوال، وهي كثيرة جدا. لكن لربما يا عبد الله ما كان من قصورك من شكر الله على هذه النعمة، كانت عرضة للزوال، عرضة للزوال، كيف؟ بأمر أراده الله عز وجل. ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، يمكر الله عز وجل بعبدي في ماله، فيزال برمته. ولن عبرة بأناس خلوا، وأناس لا زالوا في هذا الزمان، كيف كانوا بين طرفة عين وغمضتها، ذهب ملكهم وزال. فلا تأمن من مكر الله يا عبد الله، أو ذاك الذي أعطاه الله جل وعلا الصحة، وعطاه الله جل وعلا العافية في جسده وبدنه، وفي كافة حواسه، فيلا زال يتبختر بها، ويتألى بها على المرضى والزمنى، ومن ابتلاه الله بآفة أو عاهة، فيا عبد الله لا تأمن من مكر الله، فلربما كانت هذه الصحة ما جعلتها لله ولدينه، بل جعلتها للعب والعبث، فكانت عرضة للزوال. ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، فتسحب منك هذه النعمة كما رأينا ورأى غيرنا من أناس كانوا أشداء أقوياء أصحاء، ومع ذلك هانوا على الله جل في علاه، فجعلهم الله في ضعف وكلة واستذلال وذل ومهانة. وهكذا قس على هذا يا عبد الله. فالمسلم في هذه الدار يخاف من مكر الله به، أن الله جل وعلا يمكر بك. فالإنسان الموحد حق التوحيد دائما يخاف من مكر الله جل وعلا. فمتى ما أدى طاعة، أو حباه الله جل وعلا بنعمة، لا زال ينظر إلى ما عند الله، وينظر في تقصيره، وما كان من تفريطه، فلا يزال يصحح من أمره، لعل شكرا قد نقص، لعل جهودا قد حصل، فلا يزال يخاف على نفسه من مكر الله جل وعلا. هكذا ينبغي أن يكون المسلم، وهكذا أمر الله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾. وهنا ما سأل إخواني في الله: ما هو المكر؟ المكر في لغة العرب كما قال العلماء هو التوصل بأسباب خفية إلى الإيقاع بالخصم دون أن يشعر. في اللغة المكر هو أن يقوم إنسان ما بالإتيان بأسباب خفية لا يلاحظها الغير، أسباب خفية من خلالها يوقع الضرر، ويوقع الإسقاط على الخصم وهو لا يشعر. وهذا تجده كثيرا في عالم الناس، أحيانا تجد أن المواجهة بيني وبين خصمي تكون مواجهة وجه بوجه، أعلم ما عنده، ويعلم ما عندي، هذه مواجهة مباشرة. أحيانا أنا ما أحتاج إلى هذا، أحيانا أتخذ طرقا خفية، كما يقال: أحفر من تحت حتى أسقطه وأوقعه. وهذا يوجد في عالم الإنسان، في عالم الحيوان يوجد من الحيوانات من يسمى بحيوان ماكر، يعني يتوصل بأسباب خفية. وأقرب مثال ما يضرب به المثل بالثعلب، يقال: هذا حيوان ماكر. وما جاء هذا الوصف من فراغ، لأن الثعلب من مكره الشيء الكثير، حتى ذكر، وقد ذكر ذلك العلماء كالجاحظ وغيره ممن تتبع عالم الحيوان. ولا يزال العلماء ولا زال الشهود يشهدون على هذا الحيوان بالذكاء، وأنا من ذكائه الحيلة. ومن صوريحية للثعلب أنه إذا أراد أن يفر من خصمه لم يفر بالهروب المباشر، لا يتخذ حيلة، ماذا يفعل؟ يتماوت يتماوت، فإذا وجد أنه ينصر في مكان أو أنه ضرب وسيعلم أنه سيضرب حتى الموت، يعلم وأن الهلكة واقعة لا محالة، ما الذي يفعل؟ يرتمي على ظهره ويرفع قوائمه إلى السماء، بل ينتفخ ينفخ نفسه إشارة إلى أنه قد أصبح جثة خلال دقائق، أصبح جثة. يرفع قوائمه وينتفخ ويغمض عينه، قد ذكر هذا العلماء، حتى أن الذي يأتي إليه أوه: هذا أصبح جثة، أشك أن يعفن هذا نتن. بل حتى هذه الفعلة قال العلماء كالجاحظ: قال حتى أنها تنطلع على الكلاب، مع أن الكلاب من الحيوانات الذكية الذي يفرق بين الميت والمتاماوت. الكلاب حيوان ذكي كذلك يفرق بين الميت والمتاماوت، إلا في أمر الثعلب، إلا في أمر الثعلب، يستطيع الثعلب أن يغلب الكلب في هذه الحركة، فيدعي التماوت حتى أن أحدا لا يميز هل هو بحق أم بباطل، وهو حي يرفع قوائمه وينتفخ ويغمض عينه، فإذا ذهب الناس فتح عينه وهرب. هذا مكر، وهكذا يوجد، تجد أن الناس يصفون بعضا، بعض خلق الله: «فلان ماكر». تجد أن هذه عبارة من أين جاءت؟ تجد أن هذا الإنسان الذي وصف بالمكر أنه يأتي إلى أسباب خفية، يفعل أشياء خفية به، يستطيع أن ينال المرغوب أو يهرب من المرهوب، فهي أسباب خفية يفعلها لا يشعر بها الناس إلا بعد حين. طيب هذا هو المكر في عالم الناس. نأتي الآن: هل يوصف الله جل فعلا بالمكر؟ هل يوصف الله بالمكر؟ هنا إخواني في الله انتبهوا لهذا التنبيه، ولابد أن تراعي لهذا التنبيه، ونحن نتكلم عن هذه الصفة، صفة المكر. أحيانا تأتي على صفة مدح، على صفة مدح، وأحيانا تأتي هذه الصفة على صفة ذم مذمومة. متى تأتي محمودة؟ ومتى تأتي مذمومة؟ تأتي صفة المكر مذمومة في حق من يبادر يبادر في أن يعامل الناس بالخذيعة والمكر، هذا حال أي إنسان. بعض الناس مكر إذا أراد أن يشذب يأخذ حقه يستخدم طريقة المكر وطريقة الخداع، والتي يسميها الناس أحيانا بالخيانة، هذا مذموم، ما ينبغي، ولا ينبغي الإنسان أن يكون مخادعا ماكرا في تعامله مع الناس، بل يكون واضحا، الصدق في الأقوال، الصدق في الأحوال، الصدق في النيات، الصدق في كل شيء، تكون صادق ظاهر. فإذا من تعامل الناس كمعامل بالمكر هذا يذم، لكن من عامل أهل المكر بالمكر هذا يمدح. وانتبه لهذا المقام: من عامل أهل المكر بالمكر. أنا إنسان مثاله طيب، ما وراي لف ولا دوران كما يقال في عامية: «فلان دغري صادق في كلامي الذي في قلبي على طرف اللسان». فيأتي من يأتي من المخادعين يقول: هذا فلان مطوع، هذا مسكين، تعال معنا، معهم بضاعة مغشوشة، معهم سلعة بالية، معهم شيء ويريدون أن يمرروها عليه، لماذا؟ وهذا مسكين مطوع ما يفهم شيء في البيع والشراء. فأقول: يا مطوع تعال يا مطوع، والله معنا سلعة، ويقلبونها ويريدون أن يستغفلوني، ظن منهم أني ما أفهم شيء على نياتي. طيب هنا هل لي أنا أن أستخدم المكر هنا في الرد عليهم؟ أستخدم مكري مقابل مكرهم، هنا إن استخدمت مكري أمام مكرهم أمدح، لأني سأظهر نفسي أني أقوى منهم، وأني لست بهذا الهوان بأن أكون أضحوكة أو أكون ألعوبة أو أكون محل استهتار عند الآخرين، لا ما حد يرضى بهذا. فإذا جاء من جاء من أهل الخديعة وأراد أن يمكر بي، لا أكون هنا كما يقول بعض الناس: أكون شاطر، على حسب الوضع اللغوي: شاطر، أي يكون أحسن منهم. قل: لا أرد الكيد بالكيد، هنا تمدح. قل: فلانا ما شاء الله عليه صحيح، قلنا: نظنك مسكين، لكنك ما شاء الله سكين، هنا تمدح عليه. وهذا الذي قاله عمر رضي الله تعالى عنه فيما صح عنه، قال عمر: «لست بالخبث الخبء هو المخادع والماكر»، يقول عمر: أنا حاشا لست بالخبء، لكن وليس الخبء يخدعني. فرق، فرق، أنا ما أتحلى بالمكر والخديعة في تعاملي مع الناس، لست بالخبء، لست بالخبء، لكن بالمقابل كوني لست بمخادع لأكون أضحوكة عند المخادعين يبحكون بي متى ما شاءوا. قال: «لست بالخبء، ولا الخبء يخدعني»، لا أنا هؤلاء أوقفهم عند حدهم. فإذا علمنا هذا علمنا متى يكون المكر صفة مدح، إذا كان ستمكر بمن يمكر بك. ومتى يكون صفة ذم؟ ولهذا فالله جل وعلا يوصف بصفة المكر في حق من أراد أن يمكر به أو يمكر بدينه أو يمكر بآياته ورسله. ولهذا ما جاءت هذه الصفة في القرآن إلا بالمقابلة: «ويمكرون ويمكر الله»، مكر الله فقط عند من يمكر به وبدينه، هنا صفة مدح لله جل وعلا. فمن أراد من الكفار، من أراد من الملاحدة، من أراد من الزنادقة، من أراد من أي ملة أراد أن يمكر بدين الله، بإطفاء نور الله، بأراد أن يمكر بأولياء الله، بأهل الإسلام، بأنواع المكر كما نرى في هذا العالم العصري. وسيأتي معنا أمثلة في خلال دروسنا في مسألة الأمن من مكر الله، ستأتي لنا أمثلة. فإذا أراد أعداء الدين أن يمكروا بالله وبآياته وبرسوله وبكتابه وبرسله، فالله جل وعلا يمكر بهم، هم يحفرون لأولياء الله، والله يعد لهم العدة أن يرد عليهم المكر بمكر فيسقطون. ولهذا فهنا فصفة المكر تضاف إلى الله صفة فعل تتعلق بما شاءته، لكن مكر الله إنما يكون في حق من يمكر به، «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين». وسأتي معنا مزيد شرح لهذه الصفة التي سيردها لنا المؤلف رحمه الله تعالى. والمراد من إيراد هذا الباب في كتاب التوحيد أن المؤلف أراد أن يبين أن السالك التوحيدي ومن كان موحدا لله عليه أن يخاف من مكر الله جل في علاه ليل نهار. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.