الدرس في شرح كتاب التوحيد 189، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل تفسير الآية الكريمة "أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ" ويبين أن الأمن من مكر الله من صفات القوم الخاسرين. يُظهر أن الله يستدرج الكافرين بالنعم حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
يشرح هذا الفصل مفهوم مكر الله تعالى بأعدائه، حيث يمكر بهم دون أن يشعروا، ويضرب أمثلة بقصة فرعون وغزوة اليرموك. يُحذر المسلمين من الأمن من مكر الله تعالى ويبين أهمية الخوف منه.
يناقش هذا الفصل أهمية الخوف من مكر الله لدى المسلمين، وضرورة عدم الاغترار بالنعم التي قد تكون استدراجا من الله. كما يبين أن المصائب تعتبر من إنعام الله على العبد لأنها تكفر الذنوب.
يفصل هذا الفصل مفهوم آية "أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ" على أنها تحذير من مكر الله، ويبين أن خوف المسلم من سلب توحيده وإيمانه هو من أعظم مقامات الموحدين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، هذه الآية من أوائل ما استدل به المؤلف رحمه الله تعالى به على هذا الباب، والذي مر معنا في درس ماضي أن المؤلف رحمه الله تعالى بوّب هذا الباب في كتاب التوحيد لبيان أن الأمن من مكر الله من الواجبات، وأن السالك إلى الله جل وعلا ينبغي أن يجعل لهذا المقام من الإجلال والإعظام. ها هنا المؤلف رحمه الله تعالى أخذ يورد لنا الأدلة الدالة على عظيم مقام الأمن أو مقام الخوف من مكر الله، فذكر قول الله جل وعلا: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، أفأمنوا، وهذا الخطاب للكفار، للمشركين، أفأمنوا، وهنا سؤال تعجب واستنكار، أي كيف لهم، كيف للكفار، كيف للمشركين أن يأمنوا عذاب الله وهم واقعون في الحرومات؟ لماذا لا يخافون؟ لماذا لا يرهبون، وهم أحوج ما يكون في هذه الحالة إلى الخوف من تقصيرهم وتفريطهم في جنب الله؟ ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، أي لا يقع هذا الحال أن الإنسان يأمن من مكر الله إلا وهو خاسر، قد خسر دينه ودنياه، أولاه وأخرى، وخسر الدنيا والآخرة. وفي هذه الآية من الفوائد، إخواني في الله، فيه بيان إلى الوعيد الشديد والوعيد البليغ الذي يحذر فيه الله جل وعلا من الأمن من مكره سبحانه وتعالى. فهذه الآية تدل على عظيم هذا المقام، وأن الإنسان يجب عليه أن يخاف من مكر الله جل وعلا، وأن لا يأمن ذلك. وفي هذه الآية بيان كذلكم على أن من أعظم من اتصف بهذه الصفة هم الكفار، أعظم من اتصف بصفة الأمن من مكر الله ألا وهم الكفار، ولهذا كان الخطاب في حقهم: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾. وقد ذكر العلماء أن من صور الأمن من مكر الله، كما حكى ذلك جماعة من السلف، وجاء ذلك في التفاسير، أن الأمن من مكر الله يكون بصورة الاستدراج بالنعم، يكون بالاستدراج بالنعم، هذا هو الأمن من مكر الله. والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين، فالله عز وجل مكره في الكفار أن يستدرجهم بالنعم، يمدهم بالنعم، يعطيهم، يكثر عليهم الفضائل، يزيد عليهم بالسوابغ، ليس هذا حبا فيهم، لا وإنما هو استدراج في أن يبقوا على حالتهم، ما كان من كفرهم، ما كان من شركهم، ما كان من فجورهم ومجونهم، يبقون على هذه الحالة. يستدرجهم الله، يعطيهم، يعطيهم، يعطيهم، حتى يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، هذا هو مكر الله بالكافرين، هذا هو مكر الله بالكافرين. ولهذا فلا إشكال، يا عبد الله، يا من ينقض في قلبه وفي ذهنه ما يرى في الواقع الملموس، كيف أن هؤلاء الكفرة، هؤلاء الفجرة الذين بارزوا الله بالكفر والشرك، هم يتمتعون، يأكلون، أعطاهم الله من أسباب الدنيا ما لم يعط من أهل الإسلام، كمثلها أو ما يدانيها؟ لما يا رب؟ قل يا عبد الله، هذا استدراج، يعطيهم الله. لهذا جاء في الحديث الصحيح: «إن الله ليملي للكافر حتى إذا أخذه لم يفلته»، يقبض الله جل وعلا روحه وهو منغمس في الرذائل والمصائب، وكذلك في الموبقات والحرمات، هذا هو الاستدراج بنعم الله. وكذلك من استدراج الله جل وعلا للكافرين بالنعم الظاهر عندهم أنهم ليرون أنفسهم أنهم قد تصلطوا على أهل الإسلام، فيعطيهم الله من أسباب الظهور على المسلمين، فتجد أن هذا مما من مفاخرهم، فتجدهم أنهم لربما احتشدوا على ضرب الإسلام والمسلمين، وما علموا أن هذا من مكر الله بهم. ولنا عبر، إخواني في الله، بمن؟ بفرعون، بفرعون الذي كان متشبثا بملكه وبقصره وبجنده، حتى أغراه الله جل وعلا بالخروج من هذا كله، أغراه الله بموسى، أخرج الله موسى من بلاد مصر إلى جهة البحر، فكان ذلك مسوغا لفرعون أن ينقض على موسى، فماذا فعل؟ فجمع جنده كله، ما أبقى أحدا، ونادى في المدائن، وجمع الجند وجمع القوات والجيوش، وإن عليهم قادرون ظاهرون. فخرج ومن معه خلف ماذا؟ خلف الجنات، خلف القصور، خلف الدور، خلف الكنوز، خلف كل شيء، خلفه، ظنا منهم أن موسى ومن معه لقمة سائغة لن تستغرق سوى سويعات، وسينقضوا عليه وانتهى أمر موسى. حتى إذا بل قارب الله بينهم، حتى أصبح فرعون يرى إلى معسكر موسى وهم قلة وهم في ذلة، فشق الله لهم البحر، فدخل موسى إلى البحر، ولا زال فرعون يطمع، كل ذلك من مكر الله، يطمع فرعون في أن ينقض على موسى، ونسي أو تناسى الآية العظيمة، من الذي شق البحر لموسى؟ لو كان يعقل لوقف هذا مكر، أو يقول بلسان الحال هذا فخ، هذا كمين، هذا ما يعقل، بحر ينقض. سبحان الله، أغلق الله على قلب فرعون وعلى عقله، فدخل، فأتبعوهم مدبرين، حتى أخرج الله موسى من الطرف الثاني، فلما توسط فرعون البحر، أمر الله البحر أن يغرق بهم، فضرب البحر بجوانبه، فكان من المغرقين، فغرق وهو مليم، هذا هو مكر الله. ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، فما أبقى أحدا من الجند والعسكر إلا وقد غرق، أصبحت الأجساد في الغرق والأرواح في الحر، هذا هو مكر الله، ما شعر أحد بهذا، ما شعر أحد. لنا عبرة بقصة قريبة قد مرت معنا في غزوة اليرموك، كيف أن أهل الإسلام وصلوا إلى تلكم البلدان وهم كانوا على عدد قليل، أربعين ألفا، فكان من إمبراطور الروم أن جيش الجيوش كلها جمعها من بلاد الشام، فبلغت ربع مليون عسكري، مئتين وأربعين ألفا، حشدهم كلهم حتى ينقضوا على هذه الفئة القليلة. وما درى هذا المغفل أن الله يمكر به، حتى إذا جمع الجيوش بكاملها، كان النصر والظفر لأهل الإسلام، نص الجيش قتل، والنصف الآخر هرب، ثم فتح الله بلاد الشام، ما كان هناك عسكري جلس. مكر من الله جل وعلا يمكر الله بمن يمكر بأوليائه، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾. ولهذا، إخواني في الله، كم ترى من الحشود والجموع الغفيرة الكثيرة من أعداء الدين، ثم تجد أن الله يجعل لهم من الهزيمة ما لا يخطر على بال. وهنا تأتي مسألة: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، هو خطاب للمشركين، فالحكم يخصهم، الجواب لا. قال العلماء: إن كان هذا الخطاب للمشرك، فهو إشارة إلى المسلم أن لا يتخلق بهذه الصفة الذميمة، فلا تأمن، يا عبد الله، يا أيها المسلم، من مكر الله. إن أنعم الله عليك بنعمة، فكن منها على وجل، على خوف من أن تسلب منك، شعرت بهذا أو لم تشعر، كنت مهتديا مصليا صائما قائما، قد تسلب منك في رحضة عين، إذا ما أديت شكرها. أو كنت غنيا تاجرا ذا مال، لربما صلت الله على مالك، ما يزول برمته. أو كنت ذا صحة وعافية، فصلت الله عليك الأوجاع والأمراض والأسقام، حتى جعلك قعيدة وطريحة الفراش. فالمسلم دائما يحدث نفسه بمقام الخوف من مكر الله، فإن الله جل وعلا قد يمكر بك بالنعم. ولهذا فالمسلم ينبغي أن يكون دائما خائفا راهبا من الله، مؤديا حق الله في هذه النعمة التي أولاها الله لك، ولا تغتر بمعاصيك. كحال بعض الناس يرى أن أمواله الذي وضعها في البنوك قد جعلته من أثر الأثرياء، وأخذ يتهكم على من كان من أهل الصالح: «أنتم تحذروننا من البنوك الربوي، انظر ما ذي الربوي أصبح لله الحمد ملايين، الملايين، الملايين». فيقول: يا عبد الله، لا تأمن أن تأمن من مكر الله. فإذا رأيت نفسك أنك على معصية والله يمدك، اعلم أن هذا استدراج من الله. ومن رأى من نفسه أن الله أعطاه من القوة والصحة، فأصبح يذهب بها إلى الشهوات وإلى الملذات، واغتر بهذا، اخشى، يا عبد الله، على نفسك، فلعل هذا استدراج من الله، أن الله يقبض روحك من غير توبة، من غير توبة. وهنا تتفرع المسألة الثالثة، ألا وهي: وهو أنك، يا عبد الله، اعلم أن من عظيم إنعام الله على العبد أن يبتليه بالمصائب، لأن المصائب ليس فيها استدراج، الاستدراج يكون في مقام النعم، في مقام المصائب يكون الابتلاء والتمحيص، الابتلاء والتمحيص. فإذا وجدت أن الله ابتلاك ببلية، فاحمد الله، واعلم أن الله أراد بك خيرا، لأن البلية والمصيبة والابتلاءات يراد منها تكفير الذنوب والسيئات، ورفعة المقامات والدرجات، وأن الله يحط عنك من الخطيئات. لهذا كان من كان من السلف من يفرح بالبلاء، أعظم فرحي بالرخاء، لأن الرخاء قد يكون استدراجا، أما البلاء فالله أراد بك خيرا. وتأمل ما جاء في مسند الإمام أحمد، عندما جاء رجل من الأعراف، فسأله نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: «أصبت بحمة؟» فقال الرجل: وما حمة؟ وما حمة؟ ما يعرف الحمة، قاله نبينا، في رواية أنها حرارة أو نار بين الجلد واللحم، فقال: لا، يا رسول، ما أصبت بها، أنا هذه الحمة ما أعرفها. فقال له نبينا: «أصدعت؟» يعني: جاءك صداع في حياتك، قال الرجل: وما صداع؟ ما صداع؟ فقال له رسول الله: «وهي ريح تضرب عروق الرأس»، فقال: لا، ما صدعت. فخيّر الرجل ما يعرف صداعا في حياته، ولا يعرف الحمة. نحن هذا ماذا لنحكم عليه؟ نقول: ما شاء الله، نعم عظيمة، نعم وفيرة. لكن لما ولّى الرجل، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا». وأشعر إليه صلى الله عليه وسلم: ما ابتلي، ما اعتل، تكبر، لا أمراض، لا أسقام، هذا نذير شؤم، نذير شؤم. بل إن من عظيم إنعام الله عليك، يا عبد الله، أن تبتلى. فإذا رأيت أن الله ابتلاك بأمراض أو أسقام أو بفقر أو بضنك أو بشدة أو بهم أو بغم أو بحزن أو بكربة، اعلم أن الله أراد بك خيرا، بخلاف النعم، فإن الله قد يريد بهذه النعم استدراجك. فهذا، إخواني في الله، ما ينبغي أن يفهم في مثل هذه الآية، في قولي تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، وأن من أعظم مقامات الموحدين أن يكون السالك إلى التوحيد خائفا من مكر الله، من أن الله عز وجل يسلب منه توحيده ويسلب منه إيمانه. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.