الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 52، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يقرر الشيخ بطلان عبادة ما سوى الله مستدلاً بآيات سورة الأعراف التي تنفي قدرة المعبودين على الخلق والنصر، وبحديث أنس في غزوة أحد وحديث ابن عمر في دعاء النبي على المشركين، مبيناً أن النبي بشر لا يملك دفع ضر عن نفسه ولا هداية الخلق.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك هداية التوفيق ولا إيصال نفع أو ضر إلا بإذن الله، مستدلاً بقوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، ويذكر تحذيره لعشيرته الأقربين أنه لا يغني عنهم من الله شيئاً.
يذكر تحذير النبي صلى الله عليه وسلم عمته صفية وابنته فاطمة من الاتكال على النسب في النجاة من النار، ثم يستعرض فتاوى ابن عثيمين في جواز لعن الكفار عموماً وعدم جواز لعن المعين، وجواز الدعاء بإراحة المسلمين من ظالم معين.
يبين المقطع أن الدعاء بهلاك عموم الكافرين لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يُشرع الدعاء على من اشتد أذاه على المؤمنين فقط، مستنداً إلى تفصيل فتوى ابن عثيمين رحمه الله في هذا الباب.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، في باب بطلان عبادة ما سوى الله، وهو قوله: باب قول الله تعالى: ﴿ يُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ [الأعراف: 191-192]. فذكر تحت هذا الباب آيتين، وذكر كذلك حديثاً في ذلك. فقال: في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: شُجَّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكسرت رباعيته، فقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» فنزلت: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: 128]. وتعرفون ما وقع في غزوة أحد من الابتلاء العظيم الذي ابتلي به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون. فمن شدة ما لاقى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة أنه شُجَّ، والشج كما قال الشيخ ابن عثيمين: الشج الجرح في الرأس والوجه خاصة. قالوا: شُجَّ إذا كان هذا الجرح في الرأس أو في الوجه. فشُجَّ النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، وكسرت رباعيته. والرباعية هي السنان المتوسطان، يعني بعد السنين المتقدمين ما يأتي بعدهما. وقال: له رباعية، قال: يسميان ثنايا، وما يليهما يسميان رباعيتين. نعم، المتوسطان يعني الأماميان، هذا يسميان ثنايا، وما يليهما يسميان الرباعية. فكسرت رباعية عليه الصلاة والسلام من شدة البأس. ووجه الشاهد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يصيبه ما يصيب البشر، فلا يملك لنفسه أن يدفع عن نفسه هذا الضر، فكيف يدفعه عن غيره؟ فكيف يدفعه عن غيره؟ هذا وجه. ووجه آخر: أنه عليه الصلاة والسلام لا يدفع عن نفسه الضر في حياته، فكيف بعد مماته؟ فكيف بعد مماته؟ ففي هذا بطلان عبادة غير الله عز وجل، وبطلان عبادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث في هذا الباب، في هذا الباب. ولذلك لما دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟» نزلت هذه الآية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾. أمر الفلاح والهداية ونحو ذلك هذا مما هو حق محض خالص لله سبحانه وتعالى. ثم ذكر حديث ابن عمر فقال: وفيه، أي في الصحيح، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: «اللهم العن فلاناً وفلاناً» بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد». فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾. وفي رواية: يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾. وهذا الحديث كذلك فيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك هداية الخلق، ولا يملك كذلك وصول الضر إلى أحد. فلما دعا على هؤلاء: «اللهم العن فلاناً»، ولعنه والطرد من رحمة الله، أنزل الله عز وجل عليه: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾، يعني: لا تفعل ذلك، فإن أمر الطرد من رحمة الله وما هو بمعناه هذا من حق الله عز وجل، من حق الله سبحانه وتعالى. ولذلك في هذا الحديث تحقيق لهذا المعنى، حيث أن هؤلاء الثلاثة هداهم الله عز وجل وأسلموا، وحسن إسلامهم، وحسن إسلامهم. فاستدل العلماء بهذا أيضاً على أن لعن الكافر المعين لا يجوز، لا يجوز لعن الكافر المعين؛ لأنه لا يزال على قيد الحياة، ولعل الله عز وجل يهديه فيسلم ويؤمن، ويكون ولياً بعدما كان عدواً، بعدما كان عدواً. فالأمر لله سبحانه وتعالى. ووجه الشاهد من هذا الحديث ظاهرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لأحد هداية، هداية التوفيق، ولا كذلك إيصال ضر إليه إلا بإذن الله سبحانه وتعالى وبأمر الله عز وجل. ففيه إبطال عبادة ما سوى الله. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك هذه الأشياء في حياته، فكيف تدعونه بعدما مات؟ ووجه ثالث أيضاً: أنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الأنبياء والمرسلين وخير الخلق أجمعين لا يملك هذه الأشياء، فمن هو دونه من باب أولى؟ من هو دونه ممن يزعمون أنهم أولياء وأنهم أتقياء وأنهم مقربون إلى الله، من باب أولى؟ فهل أحد أتقى وأخشى وأقرب إلى الله عز وجل من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ والله عز وجل يخاطبه بقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾، فكيف بمن هو دونه؟ هذا أيضاً وجه ثالث من أوجه أدلة بطلان عبادة ما سوى الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر الحديث الثالث، قال: وفيه، أي في الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214]، فقال: «يا معشر قريش»، أو كلمة نحوها: «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئاً. يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أغني عنك من الله شيئاً. يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئاً». وهذا أيضاً حديث عظيم، فيه عمل النبي عليه الصلاة والسلام بما يأمره الله به. فلما نزلت هذه الآية: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، أمره بالنذارة، وأمره أن يبتدئ، أن يبتدئ بالأقربين من أهله، عشيرتك الأقربين. فنادى قرابته، فعمم وخصص. فالتعميم: «يا معشر قريش» لأن النبي صلى الله عليه وسلم من قريش، نعم. ثم بدأ في التخصيص، فنادى عمه وعمته، وهم من أقرب الناس نسباً إليه، وهم مؤمنون. فقال: «يا عباس بن عبد المطلب»، عمه: «لا أغني عنكم من الله شيئاً»، يعني: إذا لم تعملوا وتنقذوا أنفسكم من النار، فلا أملك لكم ذلك، أي الإنقاذ من النار. ولذلك قال: «اشتروا أنفسكم، اشتروا أنفسكم»، أي من النار، من النار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يغني عنهم شيئاً. ثم نادى عمته صفية: «يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أغني عنك من الله شيئاً». ثم نادى ابنته التي هي بضعة منه، وقال: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ»، تريدين أي شيء من الدنيا أستطيع أن أقدمه لك، اسأليني، لكن لا تسأليني: إن لم تنقذي نفسك من النار، أن أنقذك منها، لأن هذا ليس إلي. هذا معنى كلامه عليه الصلاة والسلام: «لا أغني عنك من الله شيئاً». فهذا فيه دلال ظاهر وواضح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك لأحد شيئاً إلا ما أذن به من الشفاعة العظمى، أو من الشفاعات الأخرى التي تكون في يوم القيامة، ولا يكون ذلك إلا بعد إذن الله، إلا بعد إذن الله. فالحديث على عمومه لا يخص منه شيء، وإنما الأمر لله سبحانه وتعالى وحده. فهذا فيه إبطال عبادة ما سوى الله. فهؤلاء الذين يحتجون بأنسابهم، يقولون: نحن من نسب الرسول، وحاشى أن يترك الرسول أهل نسبه هكذا. بعضهم يقول: ولذلك يتمادى في الباطل، ويتمادى في المعاصي. فإذا نصح، قال: نحن ما علينا شيء، سندخل الجنة، ولو بغدفة يغدفنا الرسول، أو أحد من يعني كبرائنا، من أعمامنا أو من أجدادنا. فيتكلون على النسب، ويظنون أنه يغني عنهم من الله شيئاً. وهذا الحديث صريح أن النسب لا يغني عن العبد شيئاً إذا لم يعمل، وإذا لم يكن عنده من الأعمال ما تنجيه من غضب الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد ابن عثيمين ما ذكر في هذا الباب: اللعن المنهي عنه، ذكر أمرين: الأمر الأول: لعن الكفار على وجه التعيين. أما لعنهم عموماً فلا بأس به، يعني تقول: «اللهم العن الكافرين» على وجه العموم، لا تخصص كافراً بعينه، فهذا يجوز. لعن الكفار على وجه العموم، أما على وجه التعيين: فلان تلعنه بعينه وباسمه، فهذا لا يجوز. قال: ولا بأس من الدعاء على الكافرين بقول: «اللهم أرح المسلمين منه»، يعني من باب الدعاء، ليس من باب اللعن. فلان آذى المسلمين، فلا بأس، أنت تقول: «اللهم أرح المسلمين منه». هذا وإن عينته، وإن عينته، ففرق بين اللعن وبين قولك: «اللهم أرح المسلمين»، أريح المسلمين، يعني إما بهدايته فيكونوا صديقاً بعدما كان عدواً، أو بموته فيسكن المسلمون من أذيته. فهذا لا بأس به من باب الدعاء، لكن اللعن لا يجوز. الأمر الآخر الذي لا يجوز في اللعن: الدعاء بالهلاك لعموم الكفار. فلم يدعُ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وقدر الله بقاءهم. يعني لا يجوز أن تقول: «اللهم أهلك جميع الظالمين» أو «جميع الكافرين»، هذا لا يجوز؛ لأنه لم يدعُ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم. وإذا لم يوجد كافر، فكيف سيكون الابتلاء؟ والله عز وجل قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4]. نعم، فالدعاء بالهلاك لعموم الكافرين لا يجوز، وكذلك اللعن من باب أولى، اللعن من باب أولى. يعني لعن جميع الظالمين، لا تقول: الكفار. فهذا لعله يصل إلى من لم يرد الله عز وجل له هداية، ولربما بعضهم يتوب الله عز وجل عليه ويرجع إلى الإسلام. فالدعاء بالهلاك لعموم الكافرين هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما تدعو لبعضهم، أو من اشتد أذاه على المؤمنين لبساً، تدعو عليه كما مر معنا في المسألة التي قبل هذه. هذا من فوائد ابن عثيمين عليه رحمة الله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر