الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 54، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع بطلان عبادة من لا يخلق ولا يرزق مستدلاً بآيات سورة الأعراف وأحاديث غزوة أحد، مؤكداً أن نفي الألوهية عن النبي صلى الله عليه وسلم والأولياء ليس انتقاصاً لهم بل تحقيقاً للتوحيد الخالص لله. كما يوضح أن دعوى الانتقاص بالأولياء باطلة لأن إثبات العبادة لغير الله هو الانتقاص الحقيقي لحق الله سبحانه.
يستعرض الشيخ ابن عثيمين خمسة أدلة من غزوة أحد وقنوت النبي تثبت بطلان عبادة غير الله، منها عجز الأصنام عن الخلق والنفع وإصابة النبي دليل على بشريته. كما يؤكد أن لجوء النبي لله وحده في الشدائد وقوله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ يدلان على استئثار الله بالهداية والتدبير.
يفصل المقطع في تفريق الإسلام بين معاملة غير المحاربين والمحاربين من الكفار، ويستعرض قصة دعاء النبي على كفار معينين ثم نهي الله له بقوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ مبيناً أن التوبة تجب ما قبلها. كما يبحث في مشروعية القنوت عند النوازل وجواز تسمية المدعو عليهم بأسمائهم بشرط عدم اللعن والتعيين بالنار.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن معينين في القنوت في أول الأمر ثم نُهي عن ذلك فانتهى عنه، مما يدل على نسخ الجواز في هذا الشأن. وعلق الشيخ العثيمين بأن لعن المعين في القنوت كان جائزاً ثم نُهي عنه فلا يجوز بعد النهي الشرعي.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فتوقفنا في الدرس الأخير في كتاب التوحيد، وفي هذا الشرح التقسيم والتقعيد للقول المفيد عند باب بطلان... أو عند باب قول الله تعالى: ﴿ يُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ [الأعراف: 191-192]. وذكرنا أن المرادة من ذكر هذا الباب بطلان عبادة ما سوى الله، فذكر المؤلف تحت هذا العنوان "بطلان عبادة ما سوى الله" خمسة أبواب، وأربعة أبواب منها هذا الباب، ووجه الدلالة منه ظاهر؛ إذ أن الذي لا يخلق ولا يرزق ولا ينصر، فكيف يعبد من دون الله سبحانه وتعالى؟ والذي لا يملك في هذا الكون من قطمير، وهي اللفافة الرقيقة التي على نواة التمر، فكيف يعبد من دون الله سبحانه وتعالى؟ والذي لا يسمع ولا يستجيب بعد موته، فكيف يدعى من دون الله عز وجل؟ ثم ذكر أحاديث، حديث أنس فيما وقع للنبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد: شج رأسه وكسرت رباعيته عليه الصلاة والسلام، فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟" فنزلت هذه الآية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: 128]. قد أخذنا معنى هذا الحديث، ووجه الدلالة منه: فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبه ما يصيب البشر من تعرضه لما يتعرض له البشر من قبل أعدائه، فلا يملك لنفسه شيئاً عليه الصلاة والسلام؛ لأنه ليس بإله، إنما هو بشر يصيبه ما يصيب البشر، فكيف يدعى من دون الله؟ فكيف يدعى من دون الله عز وجل؟ قد يقول قائل: هذا فيه انتقاص للنبي عليه الصلاة والسلام. خذها قاعدة في باب التوحيد: ليس هناك انتقاص لأحد، لا لنبي مرسل، ولا لملك مقرب، ولا لعبد صالح ولي لله عز وجل. باب التوحيد يخلص لله سبحانه وتعالى، فإذا أبطلنا عبادة ما سواه مهما كان هذا المعبود، فليس انتقاصاً في حقه. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قيل في حضوره عليه الصلاة والسلام: "ما شاء الله وشئت"، أنكر على هذا القائل، قال: "أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده". انظر: هذا نبي الله عليه الصلاة والسلام نفى عن نفسه أن يكون شريكاً مع الله سبحانه وتعالى في اللفظ: "ما شاء الله وشئت"، فكيف بغير ذلك؟ هل معنى هذا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ينتقص من نفسه، أو كذلك يحقر من شأنه؟ أبداً؛ لأن المقام مقام توحيد، مقام توحيد، فيعطى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعظم التعظيم الشرعي الذي أعطاه إياه عليه الصلاة والسلام من توقيره وتعظيمه واتباع سنته ومحبته واتباع أمره واجتناب نهيه، فليس في ذلك انتقاص. لأن عباد القبور أتوا من هذا الباب: لما تقول لأحدهم: هذا الولي لا ينفع ولا يضر ولا يغني عنك شيئاً، يقول لك: أنت ما تحب الأولياء، أنت تنتقص الأولياء. لا، هذا ليس فيه انتقاص للأولياء؛ لأن المقام مقام توحيد. لأنك لو أثبت لهؤلاء العبادة، فهذا فيه انتقاص لله عز وجل، انتقاص لله إذ سويت المخلوق به سبحانه وتعالى. فأيهما أعظم: أن ينتقص الله سبحانه وتعالى، أو بزعمهم ينتقص هذا الولي؟ لا شك الثاني. ومع هذا، هذا ليس فيه انتقاص للأولياء ولا للصالحين ولا للرسل؛ لأن التوحيد يجب أن يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى. فوجه الشاهد من هذا الحديث ظاهر كما تقدم معنا، وهكذا الحديث الثاني. وأظن أننا وقفنا عند المسائل في هذا الباب إذا لم أخطئ، وهكذا مسائل هذا الباب لم نأخذه. قال شيخ الإسلام الإمام المجدد رحمه الله تعالى: "المسائل تحت هذا الباب: الأولى: تفسير الآيتين". قال الشيخ ابن عثيمين: وفيهما بطلان عبادة الأصنام وما سوى الله، وعرفنا أوجه تلك الأمور التي بها بطلان عبادة غير الله عز وجل. فهذه الأصنام لا تخلق ولا تملك شيئاً ولا تنصر نفسها، فضلاً أن تنصر غيرها، فضلاً أن تنصر غيرها، وهكذا لا تملك لنفسها شيئاً، لا تملك لنفسها شيئاً، ولا تسمع من دعاها، فكيف تستجيب له، وكيف ترفع عنه ضراً أو تجلب له نفعاً؟ الثانية: قصة أحد. قال الشيخ العثيمين: فيها بطلان عبادته صلى الله عليه وسلم، فغيره من باب أولى. وبطلان عبادته عليه الصلاة والسلام من قصة أحد من عدة أوجه: منها أولاً: أنه عليه الصلاة والسلام شج رأسه وكسرت رباعيته، فلم يغن عن نفسه شيئاً عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أنه يجري عليه ما يجري على البشر من أقدار الله سبحانه وتعالى. هذا وجه. الوجه الآخر: في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ لما دعا: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟" فأمر الفلاح لله سبحانه وتعالى، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وكما سيأتي معنا في الباب الذي بعد، أو بعد باب، لقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]. الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة. قال الشيخ العثيمين معلقاً على هذه المسألة: لا أحد من هذه الأمة أقرب إلى الله منه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو أصحابه، ومع ذلك يلجأون لله، فغيرهم أولاً. يعني وجه الشاهد من هذه المسألة: أن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الشدة في قتل القراء، يعني نازل العظيمة، زبدة وخلاصة الصحابة قتلوا وهم القراء العلماء، فشق ذلك على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فلم يلجأوا إلى غير الله عز وجل، بل توجه النبي عليه الصلاة والسلام إلى ربه، فدعا الله سبحانه وتعالى في الصلاة، وكذلك أمن خلفه الصحابة. هذا في نعم ما وقع للنبي صلى الله عليه وآله وصحابه، فغيرهم من باب أولى أن يلجأوا إلى الله، لا يلجأون إلى غيره سبحانه وتعالى. سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يدعو أبا البشر أبي آدم عليه السلام، ولم يدعو إبراهيم إمام الحنفاء عليه السلام، وإنما دعا الله سبحانه وتعالى. فلو كان دعاء غير الله جائزاً لفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الشدائد وفي مثل هذه الملمات. فأراد المؤلف أن يبين أن المؤمن الواجب عليه أن يلجأ في جميع أحواله، الشدة والرخاء، العسر والضراء، أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى لا إلى غيره، لا إلى غيره. فالله عز وجل يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. قال الرابع: أن المدعو عليهم كفار، ومع هذا قال الله عز وجل له: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾. يعني يقول ابن عثيمين: ولا يملك صلى الله عليه وسلم من أمرهم شيئاً، فإذا الأمر كله لله. فإذا كان الأمر كله لله، فإذا وجب أن يتوجه إليه وحده سبحانه وتعالى. كل هذه من أدلة التوحيد. قال الخامس: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها شجهم نبيهم وحرصهم على قتله، ومنها التنثيل بالقتل مع أنهم بنو عمه. ومعنى هذا: أن الله عز وجل عاتب نبيه بقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ مع شدة أفعال هؤلاء الكفار؛ لأن الكفار درجات: منهم المحارب، منهم كذلك المنكي بالمسلمين والمؤذي لهم، ومنهم دون ذلك كافر لكن في نفسه. ولذلك من عدل الإسلام فرق الله عز وجل في المعاملة بين هذا وذاك، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ﴾ [الممتحنة: 8-9]. فإذا فرق في المعاملة، فالشاهد من هذا: أن هؤلاء الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار المحاربين المؤذين للمؤمنين، والذين فعلوا هذه الأفعال الشنيعة العظيمة، ومع هذا قال الله عز وجل لنبيه: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾. ما يدريك لعل الله عز وجل يهديهم ويرجعهم إلى الدين الحق؟ وقد أسلم منهم كثير، أسلم منهم كثير ولله الحمد. وكما جاء أيضاً في الرواية الأخرى: أنه كان يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، وكل هؤلاء أسلموا وحسن إسلامهم، وحسن إسلامهم. فدل ذلك على أن الأمر لله سبحانه وتعالى وحده، فيفرد بالعبادة سبحانه وتعالى. هذا معنى هذه المسألة والله أعلم. قال السادس: أنزل الله عليه في ذلك ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾، فالأمر لله. قال ابن عثيمين: فالأمر لله. قال السابع: قوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [آل عمران: 128]. فتاب عليهم، فآمنوا. الله عز وجل على كل شيء أو بكل شيء عليم، وهو يعلم سبحانه وتعالى أن هؤلاء سيرجعون إليه ويتمسكون بدينه، فقال: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾، فمن تاب تاب الله عليه، مهما فعل حال كفره، فالتوبة تجب ما قبلها، تجب ما قبلها. قال الثامن: القنوط في النوازل، يعني مشروعية ذلك. والنازلة هي ما تنزل بالمسلمين وتنزل بالمسلمين من شدائد ومصائب ونحو ذلك، سواء أكانت في الأمور التي تكون من قبل الأعداء، أو التي تقدر من الله سبحانه وتعالى كالزلازل ونحوها، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم. وهل يشترط في ذلك إذن ولي الأمر؟ خلاف بين أهل العلم، ويختلف ذلك بحسب البلاد. فالبلاد التي لا يأذن ولي الأمر بالقنوت إلا بأمر الرسمي منه، فهذا من طاعته أن يتقيد بأمره. وأما البلاد التي عرف أن ولي الأمر لا يعتني بهذا، ومن قنت لا ينكر عليه، ولا كذلك يعني يعتبر ذلك خروجا عليها ونحو ذلك، فالأمر في ذلك إن شاء الله واسع. وعلى كل، فالأفضل أن لا يقنت المسلم إلا بعد الإذن، حتى لا يدخل في مسألة الخروج عن طاعة ولي أمره، ولي أمره، لا سيما في هذه الأزمان التي فيها من السياسات، ولربما يحسب الشخص في بعض المواقف على جهة معينة أو نحو ذلك. فالاجتماع على كلمة واحدة هو الأسلم، هو الأسلم لدين المر، لدين المر، والله تعالى أعلم. قال التاسع: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم. يعني هذا جائز، هذا جائز إذا وجدت المصلحة، ولم يكن فيه يعني لعن، أو أو كذلك، أو كذلك لم يكن فيه شهود بنار أو بعذاب أو نحو ذلك، إنما هو دعاء عام، دعاء عام: "اللهم اهلكه"، "اللهم يعني كف شره عن المسلمين"، "اللهم كذا وكذا". لأن الله عز وجل إنما أنكر على نبيه في قوله: "اللعنة"، اللعن، وقد تقدم معناه، التفصيل في ذلك: أن لعن الكفار على وجه التعيين لا يجوز، لا يجوز، وإنما يجوز على وجه العموم، على وجه العموم، كما تقدم معنا. قال العاشرة: لعن المعين في القنوت. وقلنا هذا وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نهي عنه، ثم نهي عنه. فقوله: "لعن معين في القنوت"، أي في أول الأمر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، فلما نهي عن ذلك لم يفعله عليه الصلاة والسلام مرة أخرى، فدل ذلك على أن نهي عنه. وقد علق الشيخ العثيمين: قال: "وقع ثم نهي عنه"، أي لعن المعين، فبعد هذا النهي لا يجوز، لا يجوز. طيب، لعل الوقت قد انتهى. نكتفي بهذا، ونكمل الباقي إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا الله ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر